aren

عباس يطلب المستحيل في مجلس الأمن \\ كتابة : حلمي موسى
السبت - 3 - مارس - 2018

 

355

دخلت المسألة الفلسطينية في مرحلة بالغة التناقض والحرج بعد مطالبة الرئيس الفلسطيني محمود عباس مجلس الأمن والأسرة الدولية بالاعتراف بالدولة الفلسطينية وتنفيذ القرارات الدولية بهذا الشأن.

وينبع الحرج والتناقض أساساً من واقع أن الإدارة الأمريكية و «إسرائيل» يتصرفان بطريقة فرض أمر واقع يناقض الشرعية الدولية، سواء عبر الاستيطان أو الخطوات الممهدة ل«صفقة القرن» من دون رد فعل عربي ودولي مناسب.

وتحاول دول عربية ومنظمة التحرير تحريك حشد دولي لمواجهة المخططات الأمريكية في ظل تخوفات بانفجار الوضع في الأراضي المحتلة وخصوصاً في قطاع غزة.

كانت التحركات الفلسطينية لمواجهة الانحياز الأمريكي الفاضح ل «إسرائيل» بعد الاعتراف بالقدس عاصمة لها قد أوصلت الرئيس عباس إلى إلقاء كلمة في مجلس الأمن الدولي كانت أشبه بالمناشدة الأخيرة قبل فوات الأوان رغم أنه كان يعرف تماماً بأن الولايات المتحدة سوف تكون له بالمرصاد ولن تمكنه من بلوغ هدفه.

ودعا في الكلمة ،الأسرة الدولية إلى عقد مؤتمر دولي في منتصف العام الجاري لإنشاء «آلية متعددة الأطراف» من أجل تحريك عملية السلام. وبدا واضحاً من خلال المساعي الأمريكية التي تجلت بإيفاد «طاقم السلام» برئاسة كوشنر وغايسون غرينبلات لعقد اجتماعات مع أعضاء مجلس الأمن الدولي إصرار على عرقلة الجهد الفلسطيني.

وركز الأمريكيون، بمن فيهم السفيرة في الأمم المتحدة، نيكي هايلي على انتقاد الفلسطينيين ومبادرتهم للسلام وعلى طريقة تعاملهم مع الإدارة الأمريكية.

وبدا واضحا من خلال التحركات السياسية في الأمم المتحدة أن هناك انتقاداً للموقف الأمريكي ولكنه لا يرقى لمستوى المواجهة معه.

وهذا ما بدا من خلال عدة اجتماعات ومناقشات أظهرت تخوف الأسرة الدولية من استمرار الوضع القائم وانفجاره مستقبلا. وفي أحد الاجتماعات غير الرسمية لمجلس الأمن التي عقدت بهذا الشأن وترأسه نائب رئيس الحكومة الكويتي خالد الحمد الصباح أشار إلى «مبادرات إقليمية ودولية اعتمدتها قرارات مجلس الأمن، تُمثل طريقاً واضحاً لا لبس فيه للتوصل إلى هدفنا في إنهاء هذا الاحتلال».

وفي الاجتماع نفسه الذي حضره السفير الأمريكي السابق ريتشارد مورفي ممثلًا عن الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر جرى التحذير من أن «حل الدولتين طغى عليه واقع الدولة الواحدة التي ستكون لها نتائج أليمة على «إسرائيل» على المدى الطويل، وبالتالي فإن إنشاء دولة فلسطينية مستقلة هو أفضل مصلحة ل«إسرائيل»، وهي يجب أن تقوم على أساس حل قابل للحياة ودائم وعادل على حدود ١٩٦٧ مع تعديلات يتفق عليها والقدس عاصمة لكل من الإسرائيليين والفلسطينيين».

أما مفوض الأمم المتحدة لشؤون السلام روبرت سيري فحذر هو الآخر من «الاتجاه الخطير المتزايد نحو واقع الدولة الواحدة» مطالباً بوقفه ومعلنا أن إزاحة القدس عن طاولة المفاوضات «تقوض فرص المفاوضات».

وكان لافتا أن سيري طالب بتوسيع «المرجعية الدولية للمفاوضات من دون التخلي عن الدور الأمريكي» رغم إقراره بفشل أمريكا في إدارة مفاوضات تقود إلى سلام طوال ربع قرن. وطالب أيضا بمراجعة جدوى وجود الرباعية الدولية التي «فشلت في توفير الحل».

ومن المنطقي الافتراض، من خلال المواقف الدولية المعلنة، أن أغلب دول العالم والكثير حتى من دول الاتحاد الأوروبي تعارض الرؤية الأمريكية. وهذا يتضح من واقع أن هناك 134 دولة تعترف بدولة فلسطين وأن هناك ميلاً متزايداً من دول أخرى للاعتراف بها. لكن هذه الاعترافات على أهميتها لا تغير شيئا على الأرض ما يجعل الموقف الأمريكي الداعم للكيان حاسماً.

ولا ريب في أن وقوف مجموعة من اليهود المتطرفين، مثل جيرد كوشنر وغايسون غرينبلات ودافيد فريدمان المدعومين من متطرفين مسيحانيين بينهم دونالد ترامب ونائبه ونيكي هايلي، على رأس «طاقم السلام» الأمريكي يشكل تحديا للشرعية الدولية.

وفي مواجهة الجهد العربي والفلسطيني في الأمم المتحدة طلب كوشنر وغرينبلات من مجلس الأمن الدولي «دعم» الخطة الأمريكية للسلام المعروفة باسم «صفقة القرن» من دون توضيح معطياتها على طريقة «بيع السمك وهو في البحر».

وفي وقت تعلن فيه الإدارة الأمريكية أنها ستنقل السفارة إلى القدس المحتلة هدية ل «إسرائيل» في ذكرى النكبة تعلن السفيرة الأمريكية نيكي هايلي أن «صفقة القرن» غير منحازة. وقالت أن الخطة الأمريكية ستعلن قريباً وهي لن تكون محبوبة ولا مكروهة من أحد، في ادعاء بأنها محايدة.

غير أن الفلسطينيين الذين يرون الفعل الأمريكي على الأرض ويسمعون التلميحات بشأن الصفقة يعرفون مقدار ابتعادها عن الحد الأدنى من تطلعاتهم ولذلك كان الرفض الشديد والمسبق لها. وفي رد على المحاولة الأمريكية في مجلس الأمن وصف عضو اللجنة المركزية لحركة فتح نبيل شعث مطالبة الإدارة مجلس الأمن دعم خطتها للسلام بأنها «محاولة فاشلة للترويج لاتفاق منحاز لطرف على حساب آخر».

وشدد على أن «مجلس الأمن لا يشتري مشاريع ما زالت في الخزانة لم يُفصح عنها إلا بالتسريبات»، وتساءل: «لماذا يذهب مجلس الأمن إلى مشروع غامض وسبق كشفه بأشكال مختلفة، خصوصاً عقب تبرع دونالد ترامب بالقدس ل «إسرائيل» وإزاحتها عن طاولة المفاوضات؟»

وكما سلف فإن إدارة ترامب لا تكتفي بدعم «إسرائيل» بل ترش الملح على الجرح الفلسطيني والعربي. فقد أعلنت نيتها ليس فقط نقل السفارة إلى القدس وإنما تقديم ذلك كهدية في مايو في الذكرى السبعين ليوم النكبة. وبارك رئيس الحكومة الصهيونية بنيامين نتنياهو هذا الموقف معتبراً إياه «يوماً عظيماً ل «إسرائيل» خصوصا أنه سيحول «يوم الاستقلال السبعين لاحتفال أكبر بكثير».

واعتبر رئيس دائرة المفاوضات في منظمة التحرير صائب عريقات أن القرار الأمريكي انتهاك فظ للقانون الدولي وتحطيم لخيار الدولتين، عدا عن أن اختيار موعد نقل السفارة يشكل استفزازا لمشاعر العرب والمسلمين.

وتقريباً لم تخرج ردود الفعل العربية والدولية عن دائرة انتقاد الفعل الأمريكي. وطالب وزير الخارجية المصري سامح شكري بعقد اجتماع للسداسية العربية مع الاتحاد الأوروبي في محاولة لبلورة موقف في الحلبة الدولية.

ومن الواضح أن الطلب الفلسطيني بنيل الاعتراف ينال المزيد من التعاطف وتميل دول أكثر لمنح هذا الاعتراف بالدولة الفلسطينية. غير أن المعطيات على الأرض تشهد أن السباق بين تحقيق الدولة على حدود 1967 وفرض الوقائع على الأرض لم ينته بعد.

ومن المؤكد أن الإصرار الأمريكي على الإقرار بالوقائع التي فرضها الكيان على الأرض لن يسهل على الأسرة الدولية تحقيق شرعيتها وقد يدفعها للتراخي في ذلك إذا لم تتغير موازين القوى الفعلية على الأرض.

وحتى تغيير هذه الموازين محلياً ودولياً أو انفجار الوضع في وجه الجميع ستظل أمريكا والكيان تمارسان سياسة فرض الوقائع في غير مصلحة الشعب الفلسطيني والأمة العربية والسلام العالمي.

“الخليج”