aren

عامان من «الطوارئ» في تركيا\\ كتابة : د. محمد نور الدين
السبت - 28 - يوليو - 2018

 

ضابط تركي يواكب مسيرات مؤيدة لاردوغان على مضيق “البوسفور”

أنهت تركيا في 19 من الشهر الجاري تطبيق حالة الطوارئ التي أعلنت في 20 تموز/ يوليو 2016. وكان إعلان الطوارئ فرض قبل سنتين بعد محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة التي حدثت في 15 تموز/يوليو بعد اجتماع مشترك لمجلس الأمن القومي والحكومة أوصى خلالها بتفويض الحكومة إعلان حالة الطوارئ وفقاً لبعض المواد في الدستور. وقد عارضت أحزاب المعارضة ذلك وطالبت بالتعاون مع البرلمان لمواجهة تداعيات الانقلاب العسكري.

وبموجب قانون حالة الطوارئ يمكن منع التجول وإغلاق الصحف ووسائل الإعلام ومصادرة ممتلكات ومنع التجمعات والتظاهرات وتقييد الحركة التجارية وغير ذلك من الإجراءات التي تجعل الحكومة وصية على كل شيء.

كانت الأرقام المتداولة عن نتائج تطبيق حالة الطوارئ تتغير مع كل يوم يمر وتلامس أرقاماً فلكية ما كان أحد ليصدق أنها حقيقية في حين كانت فعلاً كذلك. والسبب أن ذريعة إعلان حالة الطوارئ لم تقتصر على استهداف جماعة فتح الله غولن المتهم بالوقوف وراء الانقلاب العسكري، بل طالت كذلك كل الجماعات المعارضة لسياسات السلطة وحزب العدالة والتنمية. وكان حزب الشعوب الديمقراطي الكردي الضحية الأكبر بعد جماعة غولن. حيث اعتقل رئيسه صلاح الدين ديميرطاش وتسعة من نواب الحزب وأُقيل العشرات من رؤساء البلديات المؤيدة للحزب الكردي وعيّنت الحكومة بدلاً منهم رؤساء موالين لحزب العدالة والتنمية. كذلك استهدفت الإجراءات تنظيمات يسارية فضلاً عن عدد كبير جداً من المثقفين.

بعد مرور سنتين ليس من أرقام نهائية لمحصلة إعلان حالة الطوارئ. وقد نشرت الصحف التركية ومنظمات مجتمع مدني بهذه المناسبة تقارير أجمعت على أن المحصلة كانت مخيفة وتجاوزت بكثير ما حصل بعد انقلاب الجيش في 12 أيلول/سبتمبر 1980 بل إن قائد انقلاب 1980 كنعان إيفرين يحسد من قبره السلطة الحالية على هذه المحصلة.

كانت الحصة الأكبر من التصفيات داخل الجيش والقوى الأمنية والمؤسسات التعليمية والجامعات.حيث قدّر عدد الذين طردوا من وظائفهم بأكثر من 154 ألفاً من بينهم خمسون ألفاً من القوى الأمنية التابعة لوزارة الداخلية وأكثر من أربعين ألف مدرّس في المدارس الرسمية وأكثر من عشرين ألفاً بين ضابط وجندي في الجيش وأكثر من 8 آلاف قاضٍ. وقدّر عدد الدعاوى القائمة بعد سنتين من إعلان حالة الطوارئ بأكثر من مئة ألف دعوى وفتحت ملفات قضائية بحق حوالي نصف مليون شخص. أما المعتقلون فكانوا بعشرات الآلاف.

وتمت تصفية أكثر من نصف الضباط من ذوي الرتب العالية وألغيت المدارس الحربية واستبدلت بجامعة الدفاع الوطني لتخريج الضباط. ونال الأكاديميون في الجامعات نصيبهم البارز بطرد أكثر من سبعة آلاف منهم خصوصاً من بين أولئك الذين وقعوا بيان السلام مع الأكراد قبل الانقلاب في 11 كانون الثاني/يناير 2016 وانتقاد الممارسات القمعية لحكومة حزب العدالة والتنمية.

واعتقل عدد كبير جداً من المثقفين والصحفيين المعروفين بتهم شتى مثل محمد ألتان وأحمد ألتان وممتازير توركينيه وعلي بولاتش وشاهين ألباي ونازلي إيليجاق وقدري غورسيل ومصطفى أونال، وهرب الكثير منهم إلى الخارج. واعتقل الآلاف من رجال الأعمال وصودرت ممتلكات الكثير منهم. وأغلقت عشرات الصحف ووسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية. وتجاوزت أعداد المعتقلين والمطرودين بكثير أعداد نظرائهم خلال مرحلة انقلاب 12 أيلول/سبتمبر 1980.

أما على الصعيد الاقتصادي وبعد سنتين من انتهاء حالة الطوارئ فقد تراجع سعر صرف الليرة من 3 إلى 5 ليرات مقابل الدولار وارتفعت نسبة التضخم من 7 إلى 15 في المئة وارتفع الدين الخارجي من 423 إلى 453 مليار دولار.

بالقدر الذي أرّخ فيه الباحثون لمرحلة 12 أيلول/سبتمبر 1980 ووصفها بالمرحلة القاتمة جداً من تاريخ تركيا الحديث فإن تركيا في مرحلة ما بعد انقلاب 15 تموز/يوليو العسكري وقعت ضحية ممارسات إقصائية واسعة أسست لتمرير النظام الرئاسي على حساب النظام البرلماني. وبعد البدء بتطبيق النظام الرئاسي بعد انتخابات 24 حزيران/يونيو الماضي لم يعد هناك حاجة لاستمرار إعلان حالة الطوارئ لأن الصلاحيات التي كانت الحكومة تمتلكها من إعلان الطوارئ باتت بكاملها وأوسع بكثير بيد رئيس النظام الرئاسي الجديد في استمرار مقونن لحالة الطوارئ والعمل على إعادة هندسة النظام والدولة والمجتمع.

“الخليج”