aren

طرابلس من قندهار إلى برشلونة \\ كتابة : جهاد الزين
السبت - 8 - يونيو - 2019

طرابلس

لديّ حدسٌ في رد فعلي على اعتداءات “الذئب المنفرد” الإرهابي في طرابلس ضد عناصر من قوى الأمن والجيش، أن هذا التوحّش علامة على دور كبير نهضوي آتٍ لطرابلس وعلى أكثر من صعيد وليس العكس. إنه الإستثناء، وربما جاءت استثناءاتٌ غيره ليس بالضرورة دموية وليس بالضرورة تآمرية بل ذات طابع معرقل تلقائي.

تختزن طرابلس، المدينة العريقة، كأي بيئة، عناصرَ تقدمها وعناصرَ تراجعها تتفاعل وتتصارع مع بعضها البعض لترجِّح قابليات على أخرى. وعندما تنفتح أمامها آفاق دولية وإقليمية ومحلية ستنغلق آفاق خارجية ومحلية بالمقابل آتية من إرث شقي للمدينة بينه تلكّؤ بورجوزايتها المشين أو بقاياها، كذلك استنكاف نخبتها الثقافية (أو استسهالها) عن استنباط رؤية ودور تواصليّين للمدينة مع نفسها (الاقتصاد المنتج للوظائف لا التسول وحده المسمّى العمل الخيري) ومع تنوعها الذي يشمل ذواتها لا ذاتها لأنه لا مدينة حقيقية بذات واحدة ثقافية أو أيديولوجية أو دينية أو اقتصادية.

اتركوا التوحيدَ للطائفيات الريفيّة البائسة، بما فيها الريفية السنية، التي غزت، أي الطائفيات الريفيّة، كل المدن اللبنانية.

هذه لحظةُ سعةِ بصيرة يجب أن تشمل ما هو خارج طرابلس وليس طرابلس فقط. فدورٌ طرابلسيٌّ في الاقتصاد القديم والجديد يجب النظر إليه كعنصر قوة لكل لبنان. لكن ما العمل والمسماة الدولة اللبنانية اعتادت على التخطيط الفئوي المناطقي بالمعنى التغامزي أي التواطؤي ضد بعضها البعض لا بالمعنى التعاوني، فيصبح التنافس بدل التكامل محركا كيديا بين “البيروتيّة” و”الطرابلسية” حتى داخل الطائفية الواحدة وليس عبر الطائفيات فقط، بين المرفأين اللذين يتوزعان مسافات طبيعية بين جنوب وشمال لبنان، جنوب وشمال سوريا جنوب وشمال المتوسط.

يجري أيضا في بعض وجوه التنابذ الطائِفْيائي (وليس الطوائفي) تحريك موضوع المنطقة الاقتصادية في البترون كأنما هو في صلب استعادة الدور المسيحي المقموع سابقا وطويلا منذ ما بعد الحرب الأهلية على يد “البونابرتيّات” الطائفية المسلمة في وضع باتت فيه كل الطائفيات السياسية المسلمة والمسيحية، وهي تواجه خطر تحوُّل زبائنيّتِها الشرهة في القطاع العام، وليس لديها فهم آخر فعلي للدولة، إلى قنبلة قد تطيح اقتصاد القطاعين العام والخاص برمتيهما.

في السجال حول حصص مؤتمر “سيدر” يدور خلاف غير محسوم بين من يربط حصة طرابلس بمشاريع البنى التحتية الشمالية كلها وليس فقط بالمشاريع التي ستقام فقط على أرضها، ووجهة نظر ثانية تعتبر الحصة الطرابلسية بالأساس هزيلة قياسا بحجم الأرقام الإجمالية لسيدر (المنطقة الاقتصادية، معمل نفايات، الكهرباء، شبكات المياه، والمرفأ، سكة الحديد). لكن، مثل “سيدر”، كل ما يحصل حاليا يصعب التمييز فيه بين ما هو عملي وبين ما هو نظري، وبين هذا وذاك تلعب البروباغندا التي تدفع المراقب بسبب السمعة المجرَّبة السيئة للطبقة السياسية دورا وحيدا نحو التشكيك بمشاريعها.خصوصا في غياب ضمانة دولية ملموسة للتنفيذ رغم كل ما يقال عن إشراف فرنسي نتمنى أن يتحقق في كل مشاريع سيدر على كامل الأراضي اللبنانية.

في أوروبا، ويستطيع طرابلسيون متنورون كثيرون يعيشون في أوروبا، بمن فيهم طرابلسي يعيش في بلد بريكسيتي أن يخبر “عقل” الدولة اللبنانية المتخلف كيف بُنيتْ أوروبا لا على اتحاد الدول السياسي فقط بل أيضا وأساسا على تكامل ما يسمى في لغة الاتحاد الأوروبي “أوروبا المناطق”.

لست خبيرا اقتصاديا ولكني أعرف كمراقب وزائر وسائح كيف تحوّلت مدينة مثل برشلونة في المشروع الأوروبي من مدينة طرفية فقيرة ومشوهة عمرانيا إلى عاصمة الجنوب الأوروبي بكامله بل عاصمة أوروبا السياحية بمعنى أنه يقصدها السُوّاح الأوروبيون قبل غيرهم، الباريسون والبرلينيون واللندنيون رغم مواقع مدنهم الأولى في سياحات العالم، خصوصاً باريس. وكل ذلك برضى زعماء الدول – الأمم الأوروبية وتخطيط تقنوقراطيّي بروكسيل على السواء. لذلك أجدني أستعيد مرة ثانية مسخرة ما يسمى التنافس المعلن وغير المعلن بين طرابلس والمدينة الصغيرة الرائعة البترون، بدل أن يحصل نمط تكاملي.

مرفأ طرابلس بل طرابلس يمكنه أن يدمج اقتصاد لا عكار والضنية والشمال المسيحي في دورة نشطة بل أيضا البقاع الشمالي حتى الهرمل متى أُرفِق بطريق سريع بين الساحل الطرابلسي والسهل الهرملي ولعله سيكون عندها أقل من نصف المسافة إلى بيروت.

المثير في اللحظة الحالية أن لبنان بدأ يظهر على خارطة الاهتمامات الاقتصادية الفرعية لدولة عظمى مثل الصين. طبعاً صغيرة جداً للصين، كبيرة جدا لنا. لكن إعادة إعمار سوريا ليست جدّ صغيرة على الصين وهي التي كانت، أي الصين، قبل الزلزال السوري قد بدأت اعتماد منطقة تجميع صناعية لبضائعها شمال دمشق على طريق حمص.

التنين الصيني كان يمكن أن لا يرى كل لبنان في طريق حريره البري وحزامه البحري الذي يغزو العالم بالتفوق الاقتصادي وبات له من اليونان إلى إيطاليا موانئ يديرها مباشرةً على البحر الأبيض المتوسط وتفرعه الأدرياتيكي (ناهيك عن إفريقيا). يعني هذا وإن كان البقاع القريب من دمشق وجنوب سوريا وطرابلس القريبة من ساحل ووسط وشمال سوريا قد ظهرا على خارطة اهتمام صيني، خصوصا البقاع الأوسط، فإن رأس الإبرة الصيني الضئيل جدا في جسد العملاق الذي بات يخيف أميركا اقتصاديا، يمكنه أن يتحوّل إلى فرصة ضخمة للبنان، يكفي مثلا على ذلك أن هذه الطبقة السياسية اللبنانية الفاسدة والعاجزة التي لم تستطع تسيير بضعة باصات نقل عام في بيروت، سيعطيها الصينيون، لو افترضنا حصل هذا، درسا في تحقيق ما صار لبنانيا عملا مستحيلا بينما هو في الأجندا الصينية مشروع ضئيل جدا وهو مشروع إعادة اختراع وتأهيل وتسيير خط السكة الحديد بين بيروت وطرابلس أو حسب مشاريع “سيدر” بين طرابلس والحدود عند العريضة.

لطرابلس “جار” كبير جدا بات يُحسب حسابه السياحي على الأقل، والاستثماري طبعاً مع الالتزام الذي رسا في مصفاة طرابلس على الشركة الروسية “روسنفت”… هو الجار الروسي الحقيقي في طرطوس السورية. هل وعينا تماما ماذا يعني وجود قاعدة عسكرية لدولة عظمى كروسيا هي الوحيدة على البحر الأبيض المتوسط المرشحة للبقاء عشرات السنين، في الحرب كما في السلم السوريّيْن؟ فعلى بعد ثلاثين كيلومترا من طرابلس إلى العريضة حيث الحدود مع سوريا بات السمك وحتى السردين تحت الرقابة خلال الانتقال في البحر من الجهة اللبنانية إلى الجهة السورية، والعكس أيضاً، بسبب رصد الرادارات الروسية العظمى.

يبقى الجار الدائم: الدولة السورية. فكل ما سبق لا يغني عن تفاهم ما آن أوانه، بل تأخر، مع هذا الجار الذي لا أحد يحمل إسمه في لبنان ومدن المنطقة مثل إسم طرابلس الشام. لكن هذا، طرابلسيا، حديث معقّد نترك للطرابلسيين والطرابلسيات التفكير الشجاع والواقعي فيه حتى لا يظهر “ذئب منفرد” غير أصولي يرتدي ثياب جنتلمان ويفجّر مقالتي.

حدْسي أن طرابلس عادت تدخل في ديناميكية ازدهار محتمل. شيء ما عميق في لبنان و شيء ما مصلحي في المحيط يؤشر إلى ذلك. لذلك هي، أي طرابلس، في لحظة خطرة. (بالمناسبة هل يمكن أن تفيدنا الأجهزة الأمنية، عن أي نقطة انطلاق للاجئين غير الشرعيين إلى أوروبا على الساحل اللبناني هي الأكثر نشاطاً والأخطر؟)

دعونا لا ننسى، وكيف ننسى، الخارطة الغازيّة الجديدة والحقيقية على البحر الأبيض المتوسط، إنها جدية إلى درجة استوجبت مفاوضات “مباشرة” (عبر ساترفيلد) معلنة بين حزب الله والشيعية السياسية وبين إسرائيل، وستصل إلى نتيجة عملية قريباً من الحصول على عائدات الغاز البحري ربما تعوّض كميات الماء المهدورة في مرتفعات الوزّاني التي تحصل عليها إسرائيل ويخسرها لبنان المنشغل بالشعارات. وسنرى نتائج هذه المفاوضات “السيادية” الغازية الحقيقية بعيدا عن الترويج الدعائي؟

السؤال الذي على الطرابلسيين والدولة اللبنانية الإجابة عنه هو:

إذا كانت مصالح الغاز فرضت مفاوضات شبه مباشرة على لبنان وإسرائيل أي بين حزب الله وإسرائيل، فلماذا وسوريا شقيقة بالنتيجة وليست عدوا كإسرائيل لا تستوجب مصالح طرابلس، وكل الشمال، والغاز بين هذه المصالح نقلا واستخراجاً، مفاوضاتٍ مباشرة ستكون أسهل بين دمشق… وطرابلس لولا استمرار المكابرات الفئوية اللبنانية؟

السؤال، كما يحصل أمام احتمال الدور الصاعد، من هي الفئة الطليعية التي ستقود من داخل وخارج المدينة؟ طرابلسيين ولبنانيين وغير طرابلسيين وغير لبنانيين؟ لا تستصغروا المدن الحقيقية.

جوهر فكرة هذه المقالة أن إنماء بل إحياء طرابلس ليس مشروعا طرابلسيا صرفاً بل مشروع لكل لبنان بالمعنى الحرفي للكلمة.

وهل يمكننا أن نتخيّل من الآن مواطنات أو مواطنين من صور وصيدا وبعقلين وجونية باحثين عن عمل في القطاع الخاص في طرابلس؟ لمَ لا!

“النهار”