aren

صعوبة تحديد “العدو” في الشرق الأوسط \\بقلم: جهاد الزين
الثلاثاء - 11 - أبريل - 2017

بمعزل عن أنني من مؤيدي الرأي الداعي إلى تغيير النظام السوري ، بعد أي تسوية سياسية ديموقراطية ممكنة ، توقف الحرب في سوريا ، وتنشئ نظاما تعاقديا جديدا ، وتكون دائمة ، وتحمي كل مكونات الشعب السوري ، وتطرد التوحّش الأصولي الإسلامي .

إلا أنني لستُ مقتنعاً ، بالمطلق ، أن النظام السوري ، هو الذي ألقى أسلحة كيماوية على (شيخون )

 الأسئلة بديهية جدا أولها :

ما مصلحته في ذلك ؟

ثم لماذا يقوم بهذا العمل المكشوف ، وسيكون بسبب انكشافه عملاً أحمق ، في وضع عادي ، ولهدف عادي يومي من أهداف الحرب الدائرة ، وهو قصف (شيخون) في محافظة إدلب ؟

والأهم ، لماذا لسبب محدود جدا من يوميات أعمال الحرب ، سيكشف النظام مسألة استراتيجية جدا ، هي استمرار امتلاكه لأسلحة كيماوية ، في وقتٍ حاميه الروسي الكبير ، هو جزء من الترتيب الدولي الرفيع المستوى .

الذي أدى إلى تخلّي النظام عن الأسلحة الكيماوية عام (2013 ) ، وإجباره المعلن والموثّق ، عبر الهيئات الدولية ، كان أكبر انتصار لسياسة الرئيس باراك أوباما خلال كل سنوات الحرب الست المنصرمة في سوريا، وهذا ما ينساه كثيرون الآن ، من أن إدارة أوباما ، حقّقت هذا الانجاز الاستراتيجي ، بمنطق توازن القوى في الشرق الأوسط.

هل يعقل ، أن يقوم النظام بعمل كهذا دون التشاور ، بل أخذ موافقة روسيا ، أو أن يكون حصل على أسلحة كيماوية من الروس ،أو من الإيرانيين دون معرفة الروس ؟

ليس إلا لساذجٍ ، أن يقبل هذه الفرضيات من الناحية المنطقية ، وفوق كل ذلك أن يستخدمها النظام من وراء ظهر الروس ، أو بموافقتهم ، وكلا الاحتمالين مستحيل.

من الناحية السياسية ، لا بد أن المخابرات الروسية ، أخبرت النظام السوري ما يعرفه أو يلاحظه كل المراقبين الجديين للوضع الأميركي في ظل الرئيس الجديد دونالد ترامب ، وهو أن هناك صراعا كبيرا كان دائرا داخل إدارة ترامب ، التي لوحظ أنه شكّلها من تياراتٍ أيديولوجية وتقليدية مختلفة ، تراوح بين التيار المتشدد الترامبي ضد الإسلام الراديكالي ، وبين جنرالات وسياسيين من داخل المؤسسة التقليدية .

وأن هذا الصراع يدور على تغيير أولويات دونالد ترامب في الشرق الأوسط ، أولويات تشكِّلُ الضربة الصاروخية لقاعدة “الشعيرات” ، أول تغييراتها الواضحة ، بينما كان الرأي السائد بل الوضع السائد في الأشهر التي مضت على استلام ترامب ، هو أن سياسته الشرق أوسطية ، لم تتضح بعد ؟

هل يعقل ، أن يقدِّم النظام عبر استخدام أسلحة كيماوية ، على فرَض أنه يمتلكها ، ورقة مجانية ضد نفسه لصالح التيار “المؤسسي” الأميركي ، الذي يريد الموازنة بين الحرب على الإرهاب ، والحرب على النظام السوري ؟

أو أن يسمح الدهاء الإيراني المختبئ خلف الحليف الروسي والداعم الصيني ، بتعزيز أوضح نقطة في سياسة ترامب والوحيدة غير الغامضة ، وهي رغبة إدارته العملية في تحجيم ، بل إضعاف ، بل ضرب النفوذ الإيراني في المنطقة ، ولاسيما بعد الاتفاق النووي (دون المساس بالاتفاق نفسه ! ) ؟

هناك عاملان ذاتي وموضوعي هنا :

الأول الذاتي ، فقد بدأت بعض النخبة الأميركية من مراقبي السياسة الخارجية ، بطرح أسئلة حول العملية ، بل حول مصداقية التهمة الكيميائية ، وتطال الأسئلة ، ما إذا كانت العملية الصاروخية ، التي هي أقوى عمل قام به الرئيس المرتبك منذ استلامه السلطة ، تخدم هدفا داخليا ، هو إظهار مسافته عن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ، في وقت تتجه التحقيقات الداخلية في الكونغرس إلى المزيد من الأدلة المحرجة على الدور الروسي خلال الحملة الانتخابية ، حتى بات من شبه المسلّم به ، أنه كانت هناك خطة روسية لدعم فوز ترامب ، ولكن دون أن تثبت أي علاقة شخصية مشبوهة ، حتى الآن لترامب؟!

لكن العامل الموضوعي هو الأهم ، فتعقيدات الوضع في الشرق الأوسط ، ستُصعِّب مهمةَ تيار التوازن بين محاربة الإرهاب ، والتصدي للنظام السوري في واشنطن ، من حيث أن الأحداث نفسها ، حتى دون تخطيط مؤامراتي بالضرورة، ستُظْهِر صعوبة تحديد العدو في الشرق الأوسط.

وأكبر دليل على ذلك ، العمل الإرهابي المريع ( أمس ) الأول ، ضد مصلّي كنيستي طنطا والاسكندرية ، فهو بحد ذاته من حيث بشاعته وخطورته، يكشف بسرعة بعد قصف “الشعيرات” ، كم من الصعب على الولايات المتحدة ، تجاهل أن العدو التكفيري الأصولي ، هو العدو الأكبر الحاضر بقوة في صراعات المنطقة.

هكذا ، إدارة ترامب تجد نفسها بسرعة في معمعة عدم القدرة على حسم الأولويات ، أو إقناع الرأي العام الأميركي ، بأن تعدد الأهداف ممكن رغم تصريحات بعض المسؤولين ، كوزير الخارجية (ريكس تيلرسون) ، والمندوبة الدائمة إلى الأمم المتحدة (نيكي هايلي).

إذا كان تحديد العدو ، مهمةً صعبة على الخارج ، المتعاطي بالشأن السوري ، فإن تحديد هذا العدو بات مهمة تدوِّخ شعوب ونخب المنطقة ، وهي المتضررة الأصلية والكبرى من الحروب الجارية

 من هو العدو:

الإرهاب الأصولي السرطاني ، الذي يضرب حيثما كان ، ويهدد نسيج مجتمعاتنا التعددي الطائفي والديني ؟

أم التخلف الاقتصادي التنموي ، المؤسَّس على فساد شامل ؟

أم التخلف الثقافي الاجتماعي ، وعجز النخب السياسي ؟

أم الحرب الأهلية السنية الشيعية الشاملة ، التي يديرها الوضع الإقليمي ؟

أم الديكتاتورية ، التي جعلت دولنا دولا هشة بأنظمة متسلطة ؟

أم الوجود الإسرائيلي ، الذي خلخل المنطقة منذ (1948) ، وينتقل اليوم إلى ضرب مشروع تسوية الدولتين ؟ وهو صراع مسبِّب تجاوزتْهُ نتائجُه ، حتى يكاد يصبح ثانويا ؟

أم مصالح الدول الكبرى ، التي أسست خرائط المنطقة وتدير تفتتها وربما ستعيد تنظيمها ؟

“النهار ” اللبنانية