aren

صراع أمريكي فرنسي في لبنان \\ كتابة : عصام نعمان
الإثنين - 5 - أكتوبر - 2020

لا داخل في لبنان، الخارج متداخل دائماً بالداخل، وله اليد العليا في أغلب الأحيان.

أطراف الخارج لا تتصارع وتتنافس في داخل لبنان بالأصالة، وإنما بالوكالة. الوكلاء هم أطراف لبنانيون تعودوا على التماس تدخل هذا الطرف الخارجي أو ذاك؛ لدعم مصالحهم ومواقفهم المتباينة، ومن الطبيعي والمنطقي ألا تكون أطراف الخارج جمعيات خيرية تسدي لأطراف الداخل اللبنانيين خدمات إنسانية مجانية.

منذ أواخر العام الماضي، اشتد الصراع بين أطراف الداخل اللبناني، الصراع كان وما يزال على المصالح والمغانم والنفوذ. استقالت حكومة سعد الحريري ولم يتمكّن الأطراف المتصارعون من التوافق على تأليف حكومة جديدة برئاسة حسان دياب إلاّ بعد أسابيع وأشهر، التوافق إنهار بعد الانفجار الكارثي في مرفأ بيروت الذي دمّر أيضاً الأحياء المحيطة به، منذ ذلك الحدث الجلل لم يتمكّن الأطراف المتصارعون من التوصل إلى توافق كافٍ لتأليف حكومة جديدة.

اختلافات هؤلاء جميعاً شجعت الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على زيارة بيروت مرتين في أقل من شهر واحد، صحيح أن للبنان مكانة خاصة في قلب فرنسا؛ كونها الدولة التي أنشأت «دولة لبنان الكبير» في عام 1920؛ لكن ذلك لا ينفي بطبيعة الحال أن يكون لها مصالح اقتصادية «وثقافية» في لبنان.

ماكرون أقنع قادة التكتلات البرلمانية ال9 في زيارته الثانية بتبني مذكرته الإصلاحية، واتخاذها أساساً لتأليف حكومة من اختصاصيين من غير السياسيين خلال شهر واحد تحت طائلة اضطرار فرنسا إلى اتخاذ تدابير سلبية ضد لبنان وضد مسؤوليه السياسيين.

بعد أقل من أسبوع على اتفاق ماكرون مع القادة اللبنانيين، أعلن وزير الخزانة الأمريكي فرض عقوبات على وزيرين لبنانيين سابقين؛ الأول هو اليد اليمنى لرئيس مجلس النواب نبيه بري، والثاني هو اليد اليمنى للزعيم الشمالي سليمان فرنجية.

العقوبات الأمريكية حملت بري وكتلته البرلمانية كما كتلة «حزب الله» البرلمانية على التشدد مع الرئيس المكلف بتشكيل الحكومة الجديدة السفير مصطفى أديب؛ وذلك بالتشديد على أن يسمّيا الوزراء الذين يمثلانهما في الحكومة، وليس أديب أو أيّ جهة أخرى. هذا الموقف، وغيره من المطالب والمساومات؛ أدت إلى اعتذار أديب عن تشكيل الحكومة.

اعتذار أديب اثار غضب الرئيس الفرنسي الذي عقد مؤتمراً صحاياً أواخر الأسبوع الماضي؛ حمّل فيه على القادة اللبنانيين، متهماً إياهم بأنهم خانوا تعهدهم بتبني مذكرته الإصلاحية، وخصّ «حزب الله» باتهامات قاسية على الرغم من أنه اعترف بأن العقوبات الأمريكية عقّدت مساعيه الوفاقية، وأساءت إليها.

لماذا تصرفت إدارة ترامب على هذا النحو؟ لأن لأمريكا مصالح في لبنان لا تتفق بالضرورة مع مصالح فرنسا، فهي تأخذ على ماكرون أنه تقبّل «حزب الله» وارتضى أن يكون ممثلاً، مباشرة أو مداورة، في الحكومة الجديدة، وهي تريد أيضاً حكومة تكون بتركيبتها موالية أو، في الأقل، غير معارضة لها ولسياستها في المنطقة.

الصراع لم ينتهِ وإن كان ماكرون أمهل القادة اللبنانيين ستة أسابيع للتوافق على تأليف حكومة جديدة؛ ذلك أن تمديد مهلة التأليف إلى ما بعد 3 نوفمبر؛ يسمح للرئيس الفرنسي بمعرفة مَن سيكون نده أو غريمه في البيت الأبيض، وبالتالي سيكون لديه الوقت الكافي؛ للتوصل معه إلى اتفاق ليس حول تركيبة الحكومة اللبنانية الجديدة فحسب؛ بل حول إمكانية الاتفاق أيضاً على حصة كلٍّ من فرنسا وأمريكا في الكميات الهائلة من الغاز والنفط الكامنة في المياه الإقليمية اللبنانية؛ عندما يحين وقت استثمارها في المستقبل المنظور.

الصراع بين فرنسا وأمريكا مستمر بالتوازي مع الصراع بين الأطراف اللبنانيين أنفسهم، ولا سيما بين بعضهم الذي يضطلع بدور الوكيل لهذا الطرف الخارجي أو ذاك.

“الخليج”الاماراتية