aren

شمس أردوغان إلى أفول \\ كتابة : د. محمد فراج أبو النور
الخميس - 18 - يوليو - 2019

355

استقالة نائب رئيس الوزراء التركي السابق علي باباجان من عضوية حزب «العدالة والتنمية» الحاكم، أحدثت هزة عنيفة في صفوف حزب أردوغان، وكانت الضربة الثانية التي يتلقاها الحزب وزعيمه خلال أسبوعين بعد الهزيمة القاسية التي واجهها مرشح أردوغان في انتخابات رئاسة بلدية إسطنبول أمام مرشح المعارضة أكرم إمام أوغلو.

استقال باباجان ليؤسس حزباً جديداً، يشاركه في قيادته الرئيس التركي السابق عبد الله جول، ورئيس الوزراء الأسبق أحمد داود أوغلو، ومعهم 40 نائباً من أعضاء الكتلة البرلمانية ل«العدالة والتنمية» وتصل التوقعات بالعدد إلى 50 نائباً أو أكثر من الكتلة البرلمانية للحزب في البداية، قابلين للزيادة بمرور الوقت على ضوء التململ الواسع من أسلوب أردوغان الاستبدادي في القيادة، والمشكلات المتفاقمة التي تواجهها تركيا على مختلف الصعد، والتي أدت إلى تراجع واضح في شعبية الحزب، انعكس في خسائره الكبيرة في الانتخابات البلدية، خاصة في المدن الكبرى إسطنبول والعاصمة أنقرة، وأزمير، وغيرها.

ويمثل الانشقاق خسارة كبيرة لحزب «العدالة والتنمية»، فزعماؤه هم من أهم السياسيين الأتراك.. ولسنا بحاجة إلى الحديث عن جول وداود أوغلو، فهما شهيران بما فيه الكفاية، أما باباجان، فقد كان وزيراً للمالية والاقتصاد، ثم نائباً لرئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، وهو معروف بأنه «مهندس الإنعاش الاقتصادي» في السنوات الأولى لحكم أردوغان، كما أنه وثيق الصلة بمؤسسات التمويل الدولية، خاصة صندوق النقد.

والواقع أن هذا الانشقاق لم يكن مفاجئاً، فالحديث عنه يجري علناً منذ أكثر من ثلاثة أشهر، مع اتضاح التراجع في شعبية الحزب، وخسائره المؤلمة في المدن الكبرى، خاصة «كارثة إسطنبول» التي ازدادت تفاقماً في انتخابات الإعادة.. كما أنه لم يكن الانشقاق الوحيد، فقد كانت هناك انشقاقات «وتشققات أصغر عشية الانتخابات البلدية، مثل انشقاق حوالي 800 عضو في أزمير، وانضمامهم لحزب الشعب الجمهوري المعارض واستقالات من منظمة قونية الحزبية، وغيرها، حينما استشعر الأعضاء والكوادر احتمالات الهزيمة.

غير أن جذور الانشقاقات والانتقادات لسياسة أردوغان تعود إلى فترة أبعد.. وتحديداً بعد انقلاب يوليو 2015، الذي اتخذه أردوغان ذريعة لحملة قمعية واسعة للغاية طالت عشرات الآلاف من ضباط الجيش والبوليس، والقضاة، وأساتذة الجامعات والصحفيين ورجال الأعمال، والمعلمين، وموظفي الدولة.. ثم تلاها باستفتاء كان بمثابة انقلاب على الدستور (إبريل 2017).. وبموجب هذا الاستفتاء حوّل أردوغان تركيا من جمهورية برلمانية إلى جمهورية رئاسية، يملك رئيسها صلاحيات مطلقة، وينفرد بتشكيل الحكومة وقياداتها (تم إلغاء منصب رئيس الوزراء)،

ويسيطر على الجيش والقضاء والبرلمان والبنك المركزي، وكل مؤسسات الدولة عملياً.. وتم تمرير هذه التعديلات الدستورية بأغلبية ضئيلة جداً 51.5% في عملية أحاطت بها شبهات التزوير والتدخلات الإدارية، وفي جو من الإرهاب، الأمر الذي اعتبره كثير من السياسيين- وحتى من أعضاء وقيادات «الحرية والعدالة»- تدميراً للديمقراطية التركية.

كما عين أردوغان، صهره وزيراً للمالية، علما بأنه عديم الخبرة في هذا المجال، وأطلق يد ابنه»بلال«في مجال الأعمال، وهو الشهير بفساده وصفقاته المشبوهة مع «داعش» و«النصرة» في تجارة البترول السوري والعراقي المسروق، والسلاح، وأدت خطوات مثل هذه إلى إضفاء طابع «عائلي» على السلطة، لا علاقة له بالديمقراطية ولا بالدولة الحديثة أصلاً.

وكان طبيعياً أن تثير هذه الإجراءات الاستبدادية والقمعية غضب أحزاب المعارضة، إضافة إلى انتقادات واسعة في صفوف حزب»العدالة والتنمية «نفسه، خاصة من ذوي النزعة «الليبرالية» نوعاً ما، مقارنة بأردوغان على الأقل، مثل باباجان وداود أوغلو.

وعلى الصعيد الاقتصادي، كان بديهياً أن يثير هذا المناخ الاستبدادي مخاوف رجال الأعمال الأتراك أنفسهم.. فبدأت رؤوس الأموال تتسرب إلى الخارج، ومعها بالطبع كثير من رؤوس الأموال الأجنبية.. كما تقلص بشدة تدفق رؤوس الأموال الأجنبية على تركيا، ومع تناقص الاستثمارات بدأ الاقتصاد التركي يتعثر، والحاجة إلى الاستدانة من الخارج تزداد من جانب الحكومة والبنوك والشركات.

وبدأ سعر صرف الليرة التركية، يتدهور بصورة مستمرة، ومع تعثر الاقتصاد وتراجع النمو تزايدت البطالة، وارتفع مستوى التضخم»مع انهيار سعر الليرة«، فاضطر البنك المركزي لرفع سعر الفائدة سعياً للحد من التضخم، ومنع انهيار الليرة.

وأدى هذا إلى زيادة تكلفة الائتمان «الاقتراض» من المصارف للشركات، ما أثر سلباً في الاستثمار وبالتالي على النمو.

وفاقمت سياسة أردوغان الإمبراطورية المتعجرفة وغير المتزنة من مشكلات الاقتصاد التركي، فقد احتضن الجماعات الإرهابية من «داعش» و«النصرة» و«الإخوان»، وانتهج سياسة نشر الإرهاب في دول الإقليم بالتحالف مع قطر، ما أغضب دول الخليج فتأثرت العلاقات السياسية و«الاقتصادية» سلباً.

وافتعل معركة لا أساس قانونياً لها على الإطلاق مع الولايات المتحدة، مطالباً بتسليم فتح الله جولين، واعتقال القس برانسون ليقايض به على جولين، ما جعل ترامب يوقع عقوبات على تركيا- ليضطر أردوغان إلى تسليم برانسون- لكن بعد أن توترت العلاقات واهتزت ثقة المستثمرين الأمريكان والدوليين أكثر في السوق التركي، وفرض ترامب عقوبات اقتصادية على تركيا في صورة مضاعفة الرسوم الجمركية على الحديد (من 25% إلى 50%) والألومنيوم (من 10% إلى 20%) ثم عدل عن ذلك بعد أشهر عدة، لكن الضرر كان قد وقع على الليرة والاقتصاد التركي. ثم بدأت معركة الصواريخ الروسية (إس- 400) وتهديدات أمريكا بتوقيع عقوبات اقتصادية على أنقرة.

وبناء على هذا كله من المتوقع أن تتزايد شعبية الحزب الجديد «انشقاق باباجان وجول وأوغلو» بسرعة، وأن تتزايد الانشقاقات في «العدالة والتنمية»، ويمكن أن يفقد الائتلاف الحاكم أغلبيته البرلمانية 295 مقعداً للعدالة والتنمية و49 مقعداً لحزب«الحركة القومية» من 600 مقعد هي إجمالي مقاعد البرلمان.

لكن من المشكوك فيه بشدة أن يقبل أردوغان بإجراءات انتخابات مبكرة قبل نهاية ولايته في 2023، ووفقاً لشخصيته، فإن كل السيناريوهات مفتوحة بالنسبة له: إغراء زعماء أو أحزاب بمناصب رفيعة، أو إطلاق عصابات «البلطجية» والإرهابيين في الشوارع لترويع المعارضين أو اغتيالهم، أو شن حرب في الجوار لإجبار الجميع على «الوقوف في صف الوطن»، أو حتى القيام بانقلاب عسكري بدعوى وجود «مؤامرة». وباستثناء السيناريو الأول فإن السيناريوهات الأخرى لها مخاطرها على أردوغان نفسه. والأرجح أن 2023 هي الحد الأقصى لبقائه بخلاف ما يتمنى، أي إلى الأبد، لقد بدأت شمس أردوغان في الأفول.

“الخليج”