aren

شخصيّات عربيّة في مواجهة إسرائيل: عرفات ونصرالله وعبد الناصر\\ كتابة : أسعد أبو خليل
السبت - 8 - يناير - 2022

تبدو شخصيّات ياسر عرفات وحسن نصرالله وجمال عبد الناصر مختلفة كليّاً. المزاج والخلفيّة والطباع والأدوار تختلف بين الزعماء الثلاثة. نستطيع في البداية أن نفصل شخصيّة عرفات عن الشخصيّتيْن الأُخريين لما له من صفات غير جديّة وغير رصينة. وصول ياسر عرفات إلى قمّة منظمة التحرير سلك طريقاً مختلفاً عن طرق وصول نصرالله إلى قيادة حزب الله وعبد الناصر إلى قيادة مصر، والعالم العربي برمّته. نستطيع أن نتحدّث في البداية عن الكاريزما في الشخصيّات الثلاث كي نقول إن لكلّ منهما كاريزما تصل إلى جمهوره وإلى جمهور خارج فريق المؤيّدين والمناصرين. قد تكون كاريزما عبد الناصر هي الأوسع والأشمل والأقوى لأنه في سنوات قليلة أصبح زعيماً تُعلّق صوره ليس فقط في كل أنحاء العالم العربي بل في أنحاء دول العالم الثالث.

لا أستطيع أن أشرح للقراء كاريزما عبد الناصر لأنني عشتُها، ولا أستطيع أن أقارنها بكاريزما أي زعيم أتى قبله أو بعده. كان ظاهرة خرجت عن حدود عالمنا العربي. اسم «ناصر» كان على كل شفة ولسان وهو يبقى في تاريخ العالم الثالث علماً بارزاً لم يخفت وجهه عن تلك الحقبة. طبعاً، لم تعمّر الناصريّة بعده لأنه لم يترك وراءه حزباً جماهيريّاً أو مؤسّسات متسلّحة بعقيدة. هنا كان إرث أنطون سعادة أقوى منهم جميعاً من حيث مدّ جمهور القوميّين السوريّين بقواعد محدّدة في التنظيم وبمؤسّسات حزبيّة تبتعد عن تأثير الزعيم الواحد (من المفارقة أن كتّاب اليمين العربي – أي المستأجرين من الإعلام السعودي والقطري والإماراتي – يعيّرون أنطون سعادة بتهم الزعامة المطلقة والفاشيّة فيما كان تنظيمه أكثر ليونة ومرونة من كل الأحزاب العربيّة أو اليساريّة. كان للبعث قبل أن يصل إلى السلطة حيويّة تنظيميّة وكان هناك أجنحة في التنظيم. لكنّ عفلق كان مشهوراً بحرده وكان يبتعد عن المشهد حتى يصل إلى مبتغاه. لم يكن عفلق معروفاً بصبره في النقاش مع الأعضاء. سعادة، خلافاً له، كان يناقش أصغر الأعضاء، ويقول هشام شرابي إنه لم يكن يفرض رأيه وكان طويل الأناة في المناقشة وكان يتناقش حتى مع القوميّين في المهاجر).

ياسر عرفات كان ذا كاريزما عند مريديه – لم ألمسها شخصيّاً إذ إنني قارنتُه بحبش ذي الكاريزما القويّة. لم يكن عرفات مثل الشخصيات التاريخيّة الكاريزماتيّة خطيباً مفوّهاً (الشقيري كان أفضل منه خطيباً). لكنه كان مسرحيّاً ويستعين بصوت جهوري في نطقه في كلام مرتجل أو مكتوب. والمسرحيّة والتهريج كانا سمة مشتركة بين عرفات وبين أنور السادات (قد لا يتذكّر البعض أن السادات كان – حتى إعلان نيّته زيارة القدس – أقرب الحكّام العرب إلى مزاج عرفات، وكان الأخير حاضراً في مجلس الشعب عندما أعلن السادات عن نيّته زيارة القدس المحتلّة. وقد لا يتذكّر البعض عن كمال جنبلاط حتى وفاته كان قريباً جداً من السادات، وكان مُدافعاً عنه بقوّة حتى بعد توقيت اتفاق سيناء 2 – الذي كان التمهيد الحقيقي لكامب ديفيد. وأصدرت «جبهة الرفض» بياناً قويّاً ضد جنبلاط في حينه). وكان عرفات يُكرّر الكلمة عينَها في الخطب وبصوت قويّ لإيصال الفكرة التي تكون بسيطة جداً (من نوع «أنا القائد العام للثورة الفلسطينيّة»). وكانت له عبارات يعيد تكرارها في كل الخطب، مثل لازمة «جبل النار» أو «يا جبل ما يهزّك ريح» أو «شعب الجبّارين» أو «على القدس رايحين، شهداء بالملايين».

لم يكن عرفات يعتني بصياغة الخطب التي كانت تلهمه عفويّاً وبصوت أقرب إلى الصراخ. الخطبة الوحيدة التي حرصَ عرفات على صياغتها كانت خطاب الأمم المتحدة في عام 1974 وقد شارك في الصياغة عدد من مستشاري عرفات، بمن فيهم محمود درويش وشفيق الحوت ووليد الخالدي ونبيل شعث وغيرهم. ومن المستحيل أن يقرأ عرفات جملة من دون أن يرتكب عدداً هائلاً من الأخطاء القواعديّة واللفظيّة (ما بالك بأحاديثه بالإنكليزيّة؟). أمّا الخطب التي كان عرفات يلقيها في بيروت، فقلّما كانت تحظى باهتمام منه من حيث توكيل عدد من المستشارين لصياغتها. كان لا يأخذ جمهوره على محمل الجدّ ويقتنع أن مزج الشعارات الحماسيّة في فقرة كانت تكفي لإشعال الحناجر. كان عرفات يعتني بخطابه فقط عندما يكون موجّهاً نحو الإدارة الأميركيّة وفيه تضمين لرسالة دبلوماسيّة، إما ردّاً على رسالة وصلته منها سرّاً أو مبادرة منه للفت نظر الإدارة. أمّا خطاب عرفات نحو العدوّ فلم يكن جديّاً أبداً. لم يكن يعتني بدراسة العدوّ بقدر ما اعتنى بدراسة «قوى السلام» في إسرائيل (أين هي قوى السلام هذه التي أطنبت «الجبهة الديموقراطيّة» وحركة «فتح» آذاننا بها؟ ماذا حلّ بها؟ وكيف تفرّقَ أعضاء «ماتزبن» الخمس أيادي سبأ؟)

أتى عرفات من خلفيّة اجتماعيّة ميسورة وكان الهم الطبقي بعيداً عن اهتماماته. لم يحظَ الفقراء بعناية منه وكان برنامج «فتح» واسعاً إلى درجة أنه جذب أثرياء فلسطين كما جذب فقراءها. عرفات كان طبعاً منحازاً إلى أثرياء فلسطين الذين أثّروا على صناعة قراره، كما أن القادة في «فتح» الذين كانوا موالين وقريبين منه كانوا من اليمين الرجعي القريب من السعوديّة (مثل خالد الحسن الذي كان له بالغ التأثير على قرارات عرفات). لا أذكر أن عرفات ألقى خطاباً عن المحتوى الطبقي للثورة. لم يكن هذا في الوارد لأنه كان يزهو أمام الغربيّين أن «فتح» تؤمن بالنظام الرأسمالي (وإن كان يسمح بإنشاء أجنحة يساريّة في «فتح» وكان ذلك فقط لجذب الشباب الطالبي ولتقديم ذلك إلى سفارات المعسكر الشيوعي). لم تكن إسرائيل تأخذ خطابات عرفات على محمل الجدّ. لم يكن هو يأخذ نفسه على محمل الجدّ. وعدَ في عام 1978 بمواجهة بطولية في جنوب لبنان، لكن قوّاته فرّت أمام تقدّم العدوّ، وهو أعطى – كعادته – أوامر الانسحاب، ثم كرّر نفس الشيء في صيف 1982. لا هو وعدَ بستالينغراد ومواجهة بطوليّة، إلى أن انسحب وقبل بترحيل كل قوّاته عن المشرق العربي، متناسياً أن ستالينغراد أدّت إلى هزيمة النظام النازي ومحقه من الوجود. من المشكوك فيه أن العدوّ كان يعمد إلى ترجمة خطبه لأن محتواها كان إنشائياً قبل أن يكون سياسيّاً أو عسكريّا محدّداً.

عبد الناصر كان من طينة مختلفة. لم يكن مثل شخصيّة عرفات بل كان نقيضها. إذا كان عرفات ينبذ العمل السرّي ويحبّ الانفلاش والاستعراض (كان زعيم حركة «فتح» يقوم بتوزيع بيانات «فتح» لصحف بيروت في الستينيّات لأنه كان يريد أن يعرّف العرب إلى بطولات الحركة وكانت بياناته في معظمها خياليّة تعلن مسؤوليّتها عن عمليّات إمّا لم تجرِ أبداً أو هي جرت على يد فصائل أخرى). عبد الناصر تمرّس في العمل السرّي وبرع فيه قبل الثورة. ليس سهلاً أن تخلق تنظيماً سريّاً في داخل الجيش المصري وفي ظل استعمار بريطاني غير مقنّع. وكان عليه دراسة شخصيّات كل عضو يقوم بتكليفه بمهمّة أو بدعوته للانضمام. طبعاً، أخطأ عبد الناصر بالحكم على كثيرين في ما بعد. هناك من تهاوى وهناك من – مثل محمد نجيب وخالد محي الدين – استعان بخطاب الديموقراطية الممجوج احتجاجاً على شعبيّة عبد الناصر، كأن الانتخابات الحرّة على المقاس الغربي كانت ستأتي باليسار أو اليمين بديلاً عن عبد الناصر. عبد الناصر لم يكن يحبّ الأضواء ولم يكن يكترث لاهتمام الإعلام الغربي به، على عكس عرفات الذي جهد كي يسترضي الإعلام الغربي. كان عرفات يعتبر أن احترام الإعلام الغربي له هو دليل على صعوده لأن مركز الثقل عنده كان الغرب قبل العالم العربي.

ولأن شخصيّة عرفات غير جديّة، فإن المقارنة تجوز أكثر بين شخصيّة عبد الناصر ونصرالله. الرجلان تعوّدا على العمل السرّي الأمني. عبد الناصر علّم التكتيك العسكري في أكاديميّة الجيش وهو طبّق الحسّ الأمني في تشكّل تنظيم «الضباط الأحرار». ولعلّ حسّه الأمني المرهف منعه من إبلاغ أنور السادات لكنه جعلَه خليفةً له في ما بعد. نصرالله عمل في الجهاز الاستخباراتي للحزب في حقبة كان عمل الحزب محفوفاً بالمخاطر من كل الجهات: من العدوّ الإسرائيلي وجهاز الدولة اللبنانيّة ومن النظام السوري ومخابراته. المفارقة أن الرجليْن اللذيْن عملا في الظلّ انطلقا في ما بعد في زعامة جماهيريّة واسعة. لكنّ الحسّ الأمني السرّي لنصرالله صعّب على الحزب من إقامة جبهة عريضة فاعلة (كان حلفاء الحزب يتساءلون دائماً عن خطط الحزب لأنهم كانوا يتذمّرون من جهلهم بنيّات الحزب الحقيقيّة).

في الخطاب كان عبد الناصر ساحراً يجذب إليه كل العرب، من كل الطبقات والطوائف والفئات العمريّة. أذكر صديقاً للعائلة أرمنيّاً توقّف عن تدخين الـ«مالبورو» بعد حرب 1967 وقال مُوضحاً قراره: ألم يحثّنا عبد الناصر على مقاطعة البضائع الأميركيّة؟ وكان خطاب عبد الناصر يصل إلى جميع أنحاء العالم العربي لسهولة سبكه وإلقائه. في اللغة والقواعد، لم يكن عبد الناصر متفوّقاً وكان غالباً يحرّك الكلام خطأً. نصرالله يتفوّق على غيره من زعماء العرب في إتقان العربيّة وفي إلقائها. يندر أن كان لحاكم عربي هذا الإتقان (كان السادات متفوّقاً بالعربيّة أكثر من عبد الناصر، وكان يحسن الإلقاء بحكم خلفيّته التمثيليّة. وأتقن الملك حسين وبشارة الخوري وأمين الحافظ والملك الحسن الخامس العربيّة – لكن قياس الحكّام الحاليّين ضعيف لأن معظمهم يعجز عن صياغة جملة عربيّة سليمة بمفرده من دون فريق من المستشارين). طبعاً، استعان عبد الناصر بكتّاب مثل هيكل في كتابة خطبه، لكنّ إلقاءه الساحر كان خاصّاً به وخطبه المرتجلة قبل هزيمة 1967 كانت أفعل وأقوى من الخطب المقروءة. نصرالله يكتب خطبه، لكنه – باستثناء مقاطع يحرص على قراءتها لدقّة ما يرد فيها من توجيه رسائل إلى العدوّ – يستعين برؤوس أقلام وينتقل بين الموضوعات على طريقة المحاضرات الأكاديميّة.

لكن نصرالله يصل إلى جمهور أقلّ من عبد الناصر، لأن نصرالله يحرص بازدياد على مخاطبة جمهور الحزب قبل غيره. عبد الناصر كان – حتى في خضمّ معاركه مع طغاة الخليج – يتوجّه إلى شعوب بلدان يحكمها أعداء له، وهو نجح في مهمّته. كيف لا يكون عبد الناصر ساحراً عندما أدّت خطبه إلى انشقاق أمراء من آل سعود والانضمام إلى نظامه في أواخر الخمسينيّات؟ لكن عبد الناصر كان عصيّاً على حروب طائفيّة ومذهبيّة، خلافاً لحالة نصرالله اليوم الذي عانى ويعاني من نجاح أعدائه (المحور الخليجي – الإسرائيلي – الغربي) في تقويض أسس زعماته بين العرب على أساس طائفي وعرقي (عبر نسبه هو وجمعه – أي أكبر حزب عربي قاطبة – لإيران الفرس).

في مواجهة إسرائيل تختلف زعامة نصرالله كثيراً عن زعامة عبد الناصر. الخطاب الموجّه إلى إسرائيل من قبله أقوى من أي خطاب أو موقف لأي حاكم عربي قبله. ولا يعود هذا لمضمون الصياغة بل لأن نصرالله يقود أوّل حركة تضع خطة استراتيجيّة لصدّ ومواجهة إسرائيل. وهذه الخطة – على عكس جلسات نظريّة كان يعقدها المسؤولون العسكريّون في منظمة التحرير- مرنة وخضعت لتعديلات وتغييرات بناءً على تجربة فذّة لحركة المقاومة ضد إسرائيل في لبنان وغزة. خطاب نصرالله نحو إسرائيل مدروس بعناية، وكل كلمة فيه تعتمد معايير عسكريّة وسياسيّة دقيقة. خطاب ياسر عرفات كان انفعاليّاً عشوائياً واعتباطياً، ولا يعتمد على قدرة مقاومة فعّالة ضد إسرائيل. ولهذا تجاهلته إسرائيل وسخرت من خطبه. عبد الناصر خلافاً لما نقرأ في صحف الخليج والغرب، لم يكن انفعالياً أبداً في خطابه وكان متحفّظاً في ما يعد به وفي ما يتهدّد عنه. عبد الناصر صارح الرأي العام العربي قبل الهزيمة بأسابيع أنه غير قادر على مواجهة إسرائيل في الوقت الحاضر. وكان خطابه – خلافاً للكثير من الزعماء العرب – متماسكاً واحداً بين العربيّة وبين الإنكليزيّة. عرفات كان يقول الشيء بالعربيّة وعكسه بالإنكليزيّة، ونصرالله لا يغيّر خطابه في مقابلات مع الإعلام الغربي.

عبد الناصر تحدّث بصراحة عن قضيّة فلسطين وأنها مترابطة وأنها ليست فقط أراضيَ محتلّة في عام 1967 – على أهميّة تلك الأراضي. عبد الناصر جاهر بأن التهديد الإسرائيلي يطاول كل العرب وأنها معركة «نكون أو لا نكون». لم يكن لعبد الناصر خطة عسكريّة محكمة لأنه أوكل شؤون الجيش إلى صديقه غير الكُفُؤ، عبد الحكيم عامر (لكن حازم قنديل في كتابه «جنود وجواسيس ورجال دولة» يوضح أن عبد الناصر بالرغم من شعبيّته الجماهيريّة الهائلة كان ضعيفاً في دولته خصوصاً في الجيش الذي كان يخضع لنفوذ منافسيه في السلطة). نستطيع أن نعيّر عبد الناصر لأنه انقاد في موجة التحدّي قبل النكسة (بضغط من النظامين السوري والأردني وربما بضغط من الرأي العام العربي)، لكن عبد الناصر حرص على توجيه خطاب محسوب نحو إسرائيل. لكن خطاب عبد الناصر ضد إسرائيل لم يكن مبنيّاً على قاعدة عسكريّة صلبة. العدوّ كان يعلم قبل الحرب أن هزيمة الجيش المصري كانت محتومة.

تجربة نصرالله في مواجهة إسرائيل تختلف عن سابقاتها وهي تطوّرت عبر السنوات. كان خطاب الحزب في بداياته متعصّباً نحو اليهود، كيهود. وكان متعصّباً أيضاً ضد المسيحيّين. لكن حقبة نصرالله غيّرت الكثير من مضمون ولغة الحزب، حتى إن الحزب في وثيقته السياسيّة الأخيرة في عام 2009 جاهر بالتمنّع عن معاداة اليهوديّة كدين، وهذا موقف نادر عند الإسلاميّين العرب – السنة منهم والشيعة على حدّ سواء. عبد الناصر مثلاً كان حريصاً في خطابه على عدم معاداة اليهود، واللوبي الإسرائيلي في واشنطن لم يجد ما يعيّر به عبد الناصر إلا مقابلة مع صحافي هندي أشارَ فيها عبد الناصر إلى الوثيقة المزوّرة المعروفة بـ«بروتوكولات حكماء صهيون» (وللأسف هناك من لا يزال يستعين بهذه الوثيقة ويشير إليها، كما أن شوقي عبد الناصر، شقيق جمال، نشر تلك الوثيقة في كتاب). أمّا ياسر عرفات، فكان يتكلّم بلغتيْن عن اليهود، وفق جنسيّة المُستمع. عبد الناصر كان أحياناً يذكر «اليهود» لكن ذلك كان بعد عام 1948 إشارة مختصرة إلى إسرائيل. وإسرائيل كانت ولا تزال تصف نفسها بأنها دولة اليهود، وعليه فإنه بات من المفهوم أن يشير إليهم العرب بعبارة «اليهود»، لكن هذه الإشارة خاطئة على أكثر من صعيد كما أنها تخدم الصهيونيّة لأنها تقبل بتمثيليّة إسرائيل لكل يهود العالم.

درس نصرالله إسرائيل بعمق وإحاطة. لا أذكر أنه كان لعبد الناصر مستشار لشؤون إسرائيل (كان الأمر منوطاً بالمخابرات الحربيّة). لكن نصرالله درسَ إسرائيل بعناية ودراية أكثر من قادة المقاومة الفلسطينيّة. يكفي أن تذكر أن محمود عبّاس (الذي أنكر المحرقة في أطروحته المزعومة لنيل الدكتوراه في موسكو) كان الخبير المعتمد عن إسرائيل لدى ياسر عرفات. وتهليل اليسار الفلسطيني (في «الجبهة الديموقراطيّة» أوّلاً ثم في «الجبهة الشعبيّة») بـ«ماتزبن» وما سُمّيَ من قبل نايف حواتمة بـ«القوى الديموقراطيّة في إسرائيل»، يعطي فكرة عن جهل تلك الفصائل بحقيقة القوى السياسية في دولة العدوّ. لم يتخصّص قائد فلسطيني في موضوع إسرائيل، وخصوصاً في قواها العسكريّة. الحزب أسّس مدرسة لتعليم العبريّة لكوادره، وهذا عندي أبلغ دليل على جديّة دراسة إسرائيل. كانت قيادة عرفات تنتظر وصول «حزب العمل» إلى الحكم كي ترفع يدها نحو السماء متضرّعة. لم يكن هناك اتفاق بين فصائل المنظمة على توحيد خطاب مواجهة إسرائيل. والعظيم جورج حبش انساق هو الآخر في خطاب تحدّ جريء لكن لم يكن مقروناً بخطط عسكريّة أو إنشاء عسكري (أنظرُ اليوم إلى إنشاء «الجبهة الشعبيّة» لكليّة ضبّاط في أواخر السبعينيّات على أنه خطأ في النظرة والإعداد العسكري من قبل تنظيم كان يعد بحرب تحرير شعبيّة. ما الحاجة إلى الضبّاط؟).

تجربة المقاومة الحاليّة لا تشبه سابقاتها. المقاومة اللبنانية والفلسطينيّة العلمانيّة فشلت فشلاً ذريعاً. أكثر من ذلك، لا يمكن أن نعزل أسباب صعود المقاومة الدينيّة عن الفشل الذريع والهائل للمقاومة الفلسطينيّة والحركة الوطنيّة. بدّدت «منظمة التحرير» وحليفتها اللبنانيّة موارد وثروات ومساعدات هائلة. قدرات عسكريّة لم يتمّ استخدامها. غنمت إسرائيل من السلاح الفلسطيني في عام 1982 ما أمدّ حركات اليمين الرجعي في نيكاراغوا وغيرها. وخطاب «منظمة التحرير» لم يحسب له العدوّ الحساب.

العدوّ اليوم، على الشاشات والمواقع يرصد خطب الأمين العام للحزب. وخطاب نصرالله يعتمد على قوّة أثبتت فعاليّتها على أرض الميدان خصوصاً في عام 2006. لكن تهديدات نصرالله تكون محسوبة بدقّة ولو لم تكن جديّة لما تمنّع العدوّ عن غزو لبنان ليمعن فيه خراباً وتدميراً على سابق عهده. ليست الحملة المجنونة اليوم ضد المقاومة (بمسمّيات مختلفة، ساعة باسم وقف الانهيار الاقتصادي وساعة باسم إرضاء طغاة الخليج – وإرضاء الطغاة بات ركناً في سياسات منظّمات الحريّة والسيادة وحتى الثورة والحريّة – وساعة باسم الانصياع للمجتمع الدولي) إلا دليلاً على قوّة لبنان في مواجهة إسرائيل. لا تلوموا مَن كان الضعف والمهانة ديدنه في مواجهة إسرائيل. وخطاب نصرالله عنصر من عناصر قوّة حركة مقاومة أرعبت وردعت العدوّ للمرّة الأولى في تاريخه. لم ينقلب المخزومي وميشال سليمان وعدد هائل من الإعلاميّين من محور إلى آخر إلا تنفيذاً لمشيئة حلفاء إسرائيل في الخليج. طغاة الخليج يحمون إسرائيل اليوم لكن باسم… العروبة.

“الأخبار”اللبنانية