aren

شبيه حنظلة الشقيّ \\ بقلم : سامي مروان مبيّض
السبت - 25 - سبتمبر - 2021

في مثل هذا اليوم من العام 2003 رحل عن عالمنا المفكر الفلسطيني الكبير” إدوارد سعيد” ، بعد رحلة طويلة مع مرض (اللوكيميا)، دامت إحدى عشرة سنة. كانت صدمة كبيرة بالنسبة لي عندما ذكرت اسمه أمام بعض الطلاب منذ يومين، فنظروا إلي بعيون مستديرة وعلامات  وجوه فارغة. لم يسمعوا به في حياتهم.

الراحل (إدوارد سعيد)

في برلين هناك جامعة تحمل اسمه، ولكن وباستثناء كونسرفتوار الموسيقى في جامعة (بيرزيت) الفلسطينية، لا مدرسة تحمل اسم إدوارد سعيد في عالمنا العربي، ولا جامعة أو مدرسة ولا حتى ميدان. في مدينة رام الله اطلقوا اسمه على شارع ضيّق قبل عشر سنوات، وهو أقرب إلى زقاق هزيل من كونه شارع.

عرفناه كاتباً وناقداً ومناظراً في كبرى الجامعات الأميركية وعبر كتابه الشهير عن الإستشراق، المنشور في الولايات المتحدة عام 1978. وفي عالمنا العربي، بقي إدوارد سعيد رمزاً من رموز النضال الفلسطيني، حيث حارب الاحتلال بالكلمة والقلم، في زمنٍ كان لكلاهما وطأة لا تقل تأثيراً عن أزيز الرصاص ونيران البندقية. رفض تشريع أو تقبل ما حدث في بلاده على الرغم من الضغوط الهائلة التي مورست عليه طوال مسيرته الأكاديمية.

توفي هذا البروفيسور الفلسطيني بعد ستة أشهر من الغزو الأمريكي للعراق، وكان قد كرّس آخر أيامه للوقوف في وجه ذلك الاحتلال الجديد. ادرك الدكتور إدوارد سعيد أن العالم العربي قد فقد رشده بعد سنوات طويلة من الجنون، وأن الغد الأفضل الذي  لطالما حَلم به لأبناء هذا المشرق قد تبخر كلياً منذ لحظة سقوط بغداد.

البعض قال يومها أن إدوارد سعيد ترجّل باكراً، ومازال في جعبته الكثير، ولكنني أكاد أجزم القول أنه مات في الوقت المناسب، ولم يرَ مسلسل الانهيارات المتتالية في عالمنا منذ عام 2003.  في ذكرى وفاته، نستحضر ادوارد سعيد في أدبياته ومواقفه الوطنية، وفي مسيرة إشعاع وعطاء بدأت في القدس سنة 1935 وانتهت في إحدى مستشفيات نيويورك عام 2003.

كان نموذجاً مختلفاً عن اللاجئ العربي والفلسطيني، لم يولد في المخيمات ولم يعش حياة الفقر المدقع مثل الكثير من أبناء جيله من فلسطيني الشتات، بل ترعرع في أرقى شوارع القاهرة وتعلّم في أفضل مدارس الإسكندرية، ثمّ حاز على أعلى درجات شهادات من جامعتي برينستون وهارفرد العريقتين، قبل الانتقال إلى التدريس في جامعة كولومبيا ثم ستانفورد، وأخيراً جامعة يال.

حاضر بأكثر من 200 جامعة حول العالم، وعاش طوال حياته رمزاً للقضية الفلسطينية في الخارج، تلك القضية التى آمن بها وحارب من أجلها، وكان لا يختلف عن قبّة الصخرة وكنيسة القيامة والمسجد الأقصى في صلابته، يشبه بيّارات الليمون في صموده، وحنظلة الشقي في تمرده.

أدار إدوارد سعيد ظهره للجميع، وتحدى العالم الأكاديمي الغربي بمؤسساته ومطبوعاته وأعلامه، من خلال وقوفه مع حقوق المستضعفين، سواء في فلسطين أم في العراق، ملهماً بذلك آلاف المثقفين والكتاب حول العالم. وكانت النتيجة…وبكل أسف…زقاق صغير في إحدى شوارع رام الله، وجيل عربي دخل المرحلة الجامعية بعد عقدين من رحيله، وهو لا يعرف عنه اليوم أي شيء بالمطلق.