aren

سيناريوهات الأزمة القادمة في سوريا \\ حسن أبو هنية
الإثنين - 23 - أبريل - 2018

 

توحي التطورات الميدانية المتسارعة في سوريا بانطباعات ظاهرية خادعة بقرب نهاية الأزمة وحلها، إلا أن الحقيقة العميقة تشير إلى أن مسارات الأزمة تتجه نحو مزيد من التعقيد، ففي قراءة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الأخيرة للمشهد السوري خلص إلى نتيجة بسيطة تقوم على أن الوضع في سوريا بات يتجه نحو التعقيد لا الحل، ولذلك فإن المكسب الجيد حاليًا هو الخروج منه بأقل الخسائر، وهي قراءة لا تخرج في خلاصتها عن رؤية الولايات المتحدة الاستراتيجية التقليدية تجاه سوريا، التي تهدف إلى القضاء على تنظيم «الدولة الإسلامية»، ثم الانسحاب والمغادرة.

في هذا السياق جاء إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالتشديد على ضرورة سحب قواته من سوريا بأسرع ما يمكن، وتتكون القوات الأميركية في سوريا من 2000 جندي، متوزعةً على 20 قاعدة أميركية في شرقي الفرات، وهي لا تشارك في أي اشتباكات وأعمال قتالية مباشرة، وتقتصر مهماتها على تقدبم الاستشارات وتنفيذ ضربات جوية فحسب، لكن الرئيس الأميركي قام بإحراء تعديل على الاستراتيجية الأميركية الأساسية التي سادت خلال عهد أوباما بأولوية القضاء على تنظيم «الدولة الإسلامية»، وذلك بإضافة هدف آخر تمثل بالحد من نفوذ الجمهورية الإيرانية، لكن دون وضع آليات تنفيذية.

قرار الانسحاب الأميركي بحسب خبراء ومحللين لا يبدو سوى ممارسة مزيد من الضغوطات على حلفاء أميركا لتحمل المسؤولية والأعباء البشرية والمادية، فقد وجه كبار مستشاري ترمب انتقادات وجيهة وصارمة استندت إلى أن انسحاب الولايات المتحدة الأميركية سوف ي ؤدي إلى خلق فرصة ذهبية تفضي إلى عودة مقاتلي «تنظيم الدولة الإسلامية» إلى الإمساك بالأرض من جديد، وسوف تستثمر روسيا وإيران الفرصة بالسيطرة على الأراضي السورية التي كانت تحت السيطرة الأميركية الداعمة لقوات «سوريا الديمقراطية» ، وستصبح القوات الكردية الحليفة في مهب الريح، الأمر الذي دعا ترمب إلى طرح مقاربة أصبحت واضحة في استراتيجية الأمن القومي الأميركي تنص على ضرورة زيادة دور ومساهمة الحلفاء في تغطية أكلاف الأمن الدولي والإقليمي.

أفضت حسابات ترمب المتعلقة بالكلفة/ المنفعة، إلى طرح خيارات بديلة في سوريا باستدعاء قوات عربية تحت إشرافها، فمنطق حل المعضلة السورية حسب صحيفة «وول ستريت جورنال» جائت عبر خطة سحرية توصل إليها الصقر الجديد في إدارة ترمب «جون بولتون» لتحقيق سحب القوات مع الحفاظ على المكاسب؛ هي تكوين قوة عربية تحل محل القوات الأميركية، القوة المنشودة تريدها الولايات المتحدة لسبب محدد، العمل المشترك مع الأكراد والمقاتلين المحليين المدعومين أميركيًا، وباشر بولتون تنفيذ الخطة عبر الاتصال بدول عربية عديدة كمصر والسعودية، وقطر، والإمارات، وقد طلبت الإدارة من الدول الخليجية الإسهام بمليارات الدولارات لإعادة إعمار شمالي سوريا.

دفعت تطورات الرؤية الأميركية في سوريا روسيا إلى تبني ديناميكة سربعة تواكب المتغيرات، وبدت عازمة على التخلص من البؤر المسلحة الحيوية، حيث تصاعدت الجملة لتأمين حزام العاصمة دمشق، حيث بدأت بالغوطة الشرقية بعد حملة عسكرية مكثفة التي شنها النظام السوري، في 18 من شباط الماضي، حيث فتحت روسيا «معابر إنسانية» لخروج المدنيين المحاصرين، وسرعان ما بدأت عملية خروج الفصائل المسلحة إلى الشمال وفي مقدمتها جيش الإسلام وفيلق الرحمن.

عقب الانتهاء من تأمين استعادة السيطرة على الغوطة الشرقية اندفعت روسيا وقوات النظام إلى منطقة القلمون الشرقي بريف دمشق، وسرعان ما توصل الروس إلى اتفاقات مع الفصائل المسلحة ضمن عمليات

إجلاء جديدة نحو شمالي سوريا، ومن أبرز الفصائل المشمولة بالاتفاق جيش الإسلام وأحرار الشام وقوات الشهيد أحمد العبدو وشهداء القريتين، وكانت عمليات الإجلاء الجديدة في القلمون الشرقي انطلقت بتهجير مئات من مقاتلي المعارضة وعائلاتهم من مدينة الضمير بمقتضى اتفاق مماثل ينص على خروج الرافضين للتسوية مع النظام نحو الشمال السوري.

في الأثناء توجه الروس مع القوات السورية نحو جيب جنوب دمشق الذي يسيطر تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش) والذي استثمر معارك الغوطة الشرقية لفرض سيطرته على حي القدم في دمشق، حيث يتواجد في بضعة أحياء في جنوب دمشق، أبرزها الحجر الأسود والتضامن وأجزاء واسعة من مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين، فد تمكن مقاتلو التنظيم في20 آذار 2018 من السيطرة على حي القدم إثر هجوم مفاجئ ومعارك عنيفة أسفرت عن مقتل أكثر من 150 عنصراً على الأقل من القوات الحكومية والمقاتلين الموالين لها.

عقب حملة جوية مكثفة على مناطق جنوب دمشق ذكرت وسائل إعلام تابعة للنظام السوري أنه تم التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في جنوب دمشق، يقضي بخروج معظم مقاتلي الفصائل في المنطقة وتسوية أوضاع الباقين، و أن الاتفاق جاء بعد «استسلام» تنظيم «داعش» الإرهابي في الحجر الأسود للشروط التي وضعها النظام، مشيرا إلى أن العمليات العسكرية سوف تتواصل إلى حين التأكد من التزام ما سماه «الفصائل الإرهابية» بـ»الاتفاق»، وأوردت وسائل إعلام مقربة من النظام أن «مجموعات ستغادر باتجاه البادية الشرقية، ومجموعات أخرى باتجاه إدلب»، في إشارة إلى ما تردد سابقا عن إمكانية خروج مقاتلي تنظيم «داعش» إلى البادية السورية، حيث يوجد جيب للتنظيم هناك، بينما يغادر مقاتلو «هيئة تحرير الشام» باتجاه محافظة إدلب في الشمال السوري، أما الفصائل الموجودة في بلدات يلدا وببيلا وبيت سحم، قالت مصادر النظام إن الاتفاق معها يتضمن بقاء من يوافق على تسوية أوضاعه وخروج من يرفض باتجاه الشمال السوري.

في إطار قرب نهاية تأمين دمشق تتجه الأنظار إلى الوجهة التالية للروس والنظام السوري، ويبدو أن روسيا التي استبعدت مشاركة إبران ومليشياتها في العمليات الأخيرة، تبعث برسالة إلى أن الوجهة القادمة هي الجبهة الجنوبية ودرعا، وذلك في سبيل نزع التذرع بالمسألة الإيرانية، وعلى الرغم من تعقيدات الجبهة الجنوبية إلا أن التطورات تشير إلى قرب اتخاذ قرار بالانتهاء من تعقيداتها، والمباشرة في استعادة السيطرة عليها قبل نهاية العام الحالي، بينما سوف تبقى إدلب بمنأى عن إي عمل عسكري بانتظار توافقات تركية روسية العالم القادم.

خلاصة القول أن الأزمة السورية تشهد تطورات ميدانية دون وجود أي أفق سياسي، لكن خريطة سورية باتت أكثر وضوحا، في ظل تنافس دولي أميركي روسي وإقليمي تركي إيراني، وبهذا يمكن القول ببروز ديناميكات جديدة للأزمة السورية تتمثل بقرب نهاية فصائل المعارضة المسلحة المعتدلة، وانحسار خياراتها باتجاه العمل مع قوى دولية وإقليمية، أو المصالحة مع النظام، أو الذهاب إلى مزيد من الردكلة والالتحاق بداعش أو القاعدة، كل ذلك يشي أن الأزمة القادمة في سوريا تتجه نحو نمط جديد من الصراع الدولي، وبرز حرب عصابات جهادية مؤكدة، بانتظار انفجار إدلب العام القادم فإن سيناريوهات الأزمة السورية تنزلق إلى مزيد من التعقيد وليس الحل.

“الرأي ” الأردنية