aren

سورية في بازار هلسنكي \\ بقلم : علي جمالو
الأربعاء - 18 - يوليو - 2018

 

ترمب يلقي الكرة الى (زوجته ) أثناء انعقاد مؤتمر صحفي بينه وبين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عقب القمة التي جمعتهما \ فنلندا – هلسنكي

يستنتج من الاخبار والتصريحات والتحليلات وردود الأفعال ، التي صدرت حول قمة هلسنكي بين الرئيسين الروسي والأمريكي ، ان بوتين وترامب اختلفا على كل شيء ، باستثناء ضمان أمن اسرائيل من جهة، وتقاسم النفوذ في سورية وتأطير هذا التقاسم بتوافقات طويلة الامد  من جهة ثانية ، فضلا عن بحث أفضل السبل لإخراج اللاعبين الإقليميين الإيراني والتركي من مسرح العمليات والجوائز .

تقاسم النفوذ ، يعني تغيير مسارات الحرب لا إنهائها ، هناك الشمال والاحتلال التركي في أدلب وشمال حلب  بوجود عشرات الآلاف من المقاتلين المنضوين في منظمات ، بعضها مصنفة منظمات ارهابية ، وهي بالكامل مدعومة تركيا وممولة قطريا، هناك المشكلة الكردية والقوى المليشاوية ، التي تعمل تحت رعاية ودعم الولايات المتحدة وتأثيرها في العامل التركي ، وهناك الوجود الإيراني الذي يبحث عن ثمن استثماره في الحرب ، وهو يشكل عقبة جدية في طريق  الهيمنة الروسية الكاملة على سورية غرب الفرات  .

يستنتج ، انه جرى الاتفاق بين بوتين وترامب على الية التحرك في الفصل الثاني من هذه الحرب : الحفاظ على أمن اسرائيل وتقليص نفوذ تركيا وإيران .. وبالطبع هذا امر بالغ الصعوبة . لا احد يصدق ان انقرة وطهران المعروف عنهما إتقان فن المرواغة ، واللعب بالوقت ، ستنفذان توافقات بين الروس والامريكان على حسابهما في حرب طويلة استثمرتا فيها كل هذا الدم والمال والجهد ، والثقافة الطائفية القذرة  .

يجري الحديث في العواصم الغربية عن خريف إيراني صعب ، بدءا من أواخر أيلول ، يبدأ اقتصاديا بالعمل على افلاس الدولة ويتدرج الى تفجير أزمات داخلية واستثمارها ثم يتطور . اصحاب هذه النظرية يقولون : ان ايران ستصل الى مرحلة العجز التام عن تمويل أدواتها العسكرية والإعلامية خارج حدودها .

المستشار  بولتون و الوزير بومبيو ، يرسمان خريطة الطريق لهذه المعركة ، وقد تواصلا مؤخرا مع بقايا المعارضة الإيرانية المنهكة ، لبث الحياة في اطرافها المشلولة ، وتكليفها بمهمات كانت مؤجلة ، الأمريكيون يتواصلون مع دول الخليج لرفع إنتاجهم من النفط مليوني برميل يوميا بأسعار متفق عليها، لسد العجز المتوقع في أسواق النفط العالمية ، عند بدء الفيلم  الدموي الإمريكي الإيراني الطويل ، وهذه الكمية هي بالضبط حجم الانتاج الإيراني يوميا ، اَي ان الولايات المتحدة ، تريد تصفير هذه الكمية ، ومنع ايران من تصدير نفطها نهائيا .

يجري الحديث في العواصم الغربية أيضا في الصحافة وكواليس صناع القرار عن فخ محكم ، أوقع اردوغان نفسه فيه ، حيث سيكون عليه الاختيار بين المشاركة بفعالية في ( المقتلة الروسية الكبرى ) للمسلحين في أدلب او فتح الحدود التركية لهم بشكل علني و استقبالهم مع مايرافق ذلك من مخاطر أمنية.

بعد كل هذا التاريخ من القتل والقتال ، احد الصحفيين الغربيين الكبار ، قال لي : لقد قام اردوغان بتربية قبيلة من الذئاب بالاموال القطرية ، وعليه الان ان يختار بين قتلها ، او النوم معها في سرير واحد .! وللعاقل ان يتصور كيف سيكون شكل الاقتصاد التركي ، بعدما تتأجج النار على الحدود من جديد ، وكيف ستكون صورة الخليفة وهو يشارك في ذبح ماكان اسمهم في الامس ( مجاهدين ) ؟

نعم ، الرجل صاحب تاريخ طويل في الانقلابات ، وتغيير الجلد ، وهو على استعداد دائم للاستدارة من غير تفسيرات او أسباب موجبة ، لكن هذه المرة سيكون الانقلاب انتحارا موصوفا ، فهؤلاء عدته وبضاعته ، وهو الذي سوق لهذا النموذج ولا يزال ، هنا يقول البعض انه واستعدادا لهذه المعركة وآثارها السلبية عليه – وقد كان ادرك انه سيصل اليها مرغما – اختار الرجل الانتخابات المبكرة ، لكسب الوقت واللعب عليه ، وقد كانت خطوة تقديمها وإنجازها ، تنم عن فهم وتقدير للكوارث ، التي تنتظره خلف المنعطف .

في هلسنكي ، اختلف الرئيسان على كل شيء ، وقررا الاتفاق على شكل الخريف في الشرق الأوسط ، وبالطبع على الإيرانيين والاتراك الاستعانة بالأخ (بان كيمون) ، للاستفادة من المستوى الرفيع الذي وصل اليه في فن ممارسة القلق .

وأما نحن في سورية ( أناس عاديون ، كتاب ، صحفيون ، فنانون ، لاجئون ، فقراء ، أغنياء ، مفقودون ، ضائعون ، سلطة ، معارضات ، علمانيون ، اسلاميون ، تحت اي سماء وفوق اي ارض ، داخل البلاد وخارجها ) ، فإن هذا البازار ، يجري فوق رؤوسنا ومن لحمنا ودمنا ، وعلى حسابنا ، من غير ان يكون لنا رأي ، او دور ، ولا اعرف هل  من المسموح به الان لنا ، ان نبكي كالنساء على بلد رائع ضائع ، لم نحافظ عليه كالرجال ..؟

الرفيق بوتين ، يتصرف في سورية غرب الفرات بوصفها تحت الوصاية الروسية ، والسيد ترامب يتصرف في سورية شرق الفرات بوصفها تحت الوصاية الامريكية ، الإيراني يريد حصة باسم المشاركة في الحرب على الاٍرهاب ، والتركي يريد حصة باسم أمنه القومي .! والاسرائيلي يريد الاستفادة من هذا الوضع بتكريس الاحتلال وفرض شروطه تحت عنوان المتطلبات الأمنية .

لا تصدقوا ان الحرب انتهت ، لقد بدأ الفصل الثاني ، وهو أشد وأقسى .

تنتهي الحرب ، عندما يعود اللاجئون الى بلادهم ، والنازحون الى مدنهم وبلداتهم وقراهم ، وقبل كل ذلك ، عندما تخرج الجيوش المحتلة من بلادنا . .. وهذا ليس بالأمر السهل .

المقالة مأخوذة من الصفحة الشخصية للكاتب على الفايسبوك

هذه المقالة تعبر عن رأي صاحبها