aren

سورية، ليصبح لفرنسا وزنا ومكانة، عليها التحرر من قيود الحلف الاطلسي \\ بقلم : د. المازري حداد
الأربعاء - 18 - أبريل - 2018

 

 

الدكتور السفير ” المازري حداد ” و المترجم الكاتب “عدنان عزام”

 

 “,,,, ان اول ضحية للحرب هي الحقيقة ” , الكاتب (ايدوارد) كيبلنغ  !

اذا كانت كل الحروب قذرة ، فان هذه الحرب التي يشنونها على سورية مقرفة ، وغير عادلة ، انها وضيعة وستظل مسجلة في سجلات النزاعات الكبرى ، واذا كانت الحرب الكبرى ( العالمية الثانية ) ، قد تواجهت فيها القوى الديمقراطية مع الاستبداد والشمولية ، وتواجهت القيم الانسانية مع النازية المقيتة .

فان هذه الحرب على سورية ، جمعت في خندق واحد ، بين الوحشية والحضارة ، بين الذين يدعون الحرية والقوى الظلامية ، بين قوى الحلف الاطلسي والمنظمات الاسلاموية ، التي اجتمعت كلها لتهدم نظام بشار الاسد – كما يسمونه في نشوة الربيع العربي – والذي كان منذ بدايته في تونس ، شتاءا اسلامويا أطلسيا .

استعملت كل الاساليب والطرق ، لضرب استقرار سورية ، التي لم تكن مثالا للديمقراطية ، ولكنها كانت قد بدأت منذ تموز\ يوليو عام 2000 ، بالقيام بتحولات عميقة على طريق الاصلاح السياسي والاقتصادي و الاجتماعي ، ونحت منحا ليبراليا ، بشهادة كل المراقبين للوضع السوري.

كل شي كان موظفا للحرب ، حتى الاعلام تحول الى آلة حربية فظيعة من الكذب والتضليل ، ومن خلال الاعلام ، تم استباحت المصطلحات والمفردات ، لتضليل الجماهير ، واتبع القائمون على هذه الحرب الاعلامية ، نهجا قائما على شيطنة العدو ( الدولة السورية ) ، وجعل الصديق الارهابي ، ضحية.

العدو ، هو الدولة السورية ، التي اصبحت “نظام بشار الاسد” ، والجيش العربي السوري ، أصبح “ميليشيات الاسد” ، والارهابيون أصبحوا “المعارضون المتمردون” أو “الجيش السوري الحر” ، وبشار الاسد ، أصبح “قاتل دموي لشعبه” ، وحشود الاسلامويين الفاشيين القادمين من رحم (القاعدة) ، تحولوا الى “مجاهدين من اجل الحرية” ، بل نعتوهم بالمدافعين عن حقوق الانسان.

لا شيء يبرر هذا العماء ، ولا حتى الحلم الديمقراطي ، الذي يطمح اليه الشعب السوري ، ولا مسالة حقوق الانسان ، ولا حتى العقد المبرم ، بين امارة قطر وجمهورية ساركوزي ، ولا حتى الهجوم الكيماوي المزعوم ، يبرر شيطنة الدولة السورية.

هذه الشيطنة ، التي تسلحت بها الديبلوماسية الفرنسية ، وادواتها الاعلامية ، كما تسلحت الديبلوماسية الانجلوساكسونية ، باسلحة الدمار الشامل لتدمير العراق ، والذي نعرف جميعا نتائجه ، حتى هذا اليوم.

ونذكر جميعا ، اعترافات (كولن) باول في مذكراته ، اذ كتب  :

” انني سأظل نادما طيلة حياتي على ما قلته في مجلس الأمن ، بانني أملك الدليل على وجود سلاح الدمار الشامل في العراق ، بينما الحقيقة هو انه لم يكن بايدينا أي دليل قاطع “.

وكم كان مختلفا عن خطاب آخر في مجلس الأمن , أي خطاب وزير الخارجية الفرنسي دومينيك (دوفيلبان) , الذي جاء مشبعا بالقيم الانسانية ، والمعارض للحرب على العراق ، ومن المؤسف ان يخلفه وزير خارجية آخر ، اسمه لوران (فابيوس) ، يتغنى “بالعمل الجيد لجبهة النصرة” في سورية ، وقد وصل الامر بنا الى ذلك ، لعدم انتهاج فرنسا للرؤية الاستراتيجية ، والجيو سياسية ، المفترض ان تكون بحجم القضايا ، التي تواجه العالم .

حيث ، انكفات فرنسا الساركوزية والهولندية ، واختارت سياسة عمياء ، غير مسموعة ، ولا مقنعة ، مما أثر كثيرا على صورة دولة الجنرال (ديغول) ، خاصة في مؤسسات الامم المتحدة ، ومراكز القرار الدولية.

هذه السياسة ، التي وضعت فرنسا في موقع العدو ، لصديق محتمل ، وهو روسيا ، سياسة اقتلعتها من منطقة الشرق الاوسط ، هناك حيث كان صوتها مسموعا ودورها كبيرا .

والمحيّر أكثر ، انها سياسة ماكيافيلية ، خاصة في عدم مصداقيتها بالحرب على الارهاب الاسلاموي ، مهما كانت تسمياته : داعش ، القاعدة ، النصرة , وهذه الاخيرة ولدت من جديد ، تحت مسمى ( فتح الشام )

كيف يصل الامر برئيس الديبلوماسية الفرنسية (فابيوس) ، ليقول : ” ان الرئيس بشار الاسد ، لا يستحق ان يكون على وجه الارض ، وان جبهة النصرة ، تقوم بعمل جيد في سورية ! “.

في هذا الوقت ، الذي نجد فرنسا تائهة في توجهاتها ، يقوم فلاديمير (بوتين) ، بسياسة واضحة ، يستحق الشكر عليها ، ومثابرة في حربه الصادقة ضد الارهاب ، لدرجة انه قال : ” سنحاربهم حتى ، ولو اختبؤوا في دورات المياه ” ، وكان ذلك سنة 1999 ، عندما لا يزال رئيسا للوزراء ، تحت رئاسة بوريس (يلتسن).

الفرق شاسع بين كل من روسيا ، التي تحارب الارهاب ، وفرنسا المحتفظة بملفات الارهابيين والمتحفظة على محاكمتهم ، لهذا أصبحت مفاهيم حقوق الانسان ، مطاطة وغير واضحة ، ويترجمها البعض ضمن معطيات المصالح المتغيرة والمتحولة ، بتحول الاهداف الاقتصادية ، والمصالح الجيوسياسية.

وأصبحت المواعظ ، وأدبيات ( الاسلام المعتدل ) ، وماناوياته المبسطة ، تستخدم كجزء من المواجهة الاستراتيجية الكبيرة في هذه الحرب ، بين الحق والباطل ، بين قوى الخير (أي) الغرب ومرتزقته من اخوان ومتأسلمين ، وقوى الشر(أي) سورية وحلفائها ، روسيا – ايران – حزب الله.

الحق بالنسبة لهم ، هو فعلا (القاعدة) ومتفرخاتها ، والباطل الشرير ، هو “نظام بشار الاسد” ، وهذا النهج ساعد في كشف التحالف ، بين ما يسمونه (العالم الحر) ، والحشود البربرية الهمجية الظلامية التكفيرية الاسلاموية.

ونحن نعرف تماما ، عدم صحة وعدم صوابية البروباغندا السياسية ، التي حاولت منذ البداية ، تصوير هذه الحرب ، بانها حرب بين “وحش يقتل شعبه” ، وهذا ما (توتره \ تويتر) الديبلوماسي الكبير دونالد (ترمب) ، وبين أساطين ، ودعاة للحرية.

نحن عرفنا منذ البداية ، سنة 2011 ، انها مواجهة بين دولة قانونية وشرعية وذات سيادة ، وبين حشود اجرامية وهمجية واصولية ، قامت بارتكاب أبشع وأفظع الجرائم في تاريخ البشرية وفي كل العالم ، حتى في العواصم الغربية.

انها مواجهة ، بين دولة تعترف بها الامم المتحدة وتناضل من اجل استعادة كل شبر من ارضيها ، التي وقعت في براثن العصابات الارهابية الشمولية الجهادية الدينية الاسلاموية “المعتدلة” ، والذين لايعرفون الرحمة ولا تأنيب الضمير ، والذين استخدموا المدنيين كرهائن ودروع بشرية في حلب والغوطة ، وغيرهما من مناطق وقرى ، وقعت تحت وطأة الاجرام ، والوحشية المتسترة بالاسلام.

ما هي مصلحة نظام بشار الاسد ، باستخدام السلاح الكيماوي في مدينة (دوما) ، بعد أن أنجز تحرير معظمها من العصابات الفاشية والاسلاموية ؟

جرائم الحرب المنسوبة لبشار الاسد في هذه المدينة، تبدو اصداؤها كموسيقى القداس البوشي (جورج بوش) ، الذي صدح متهما صدام حسين ، بامتلاكه أسلحة الدمار الشامل ، وكاصداء الموسيقا الساركوزية ، التي عزفها ، لمنع وقوع حمام دم في (بنغازي) الليبيبة  .

كما سنة 1945 ، تقف اليوم روسيا في الجانب والاتجاه الصحيح للتاريخ ، وهذا الخيار التاريخي ، لا يعجب الاستراتيجيين البريطانيين ، الذين فشلوا في اتهاماتهم الباطلة لها في قضية الجاسوس (سكريبال) ، ولا تعجب المصابين بمرض الفوبيا الروسية ، والذين مازالوا يعيشون في ذهنية الحرب الباردة.

نعم ، اختار فلاديمير بوتين ، النهج الاستراتيجي والجيوسياسي السليم ، بمحاربة الفكر الأخواني والداعشي في سورية ، نيابة عن العالم الحر ، وقد خرجت روسيا منتصرة من هذه الحرب الجبانة الاسلاموية الاطلسية ضد سورية ، وانتصرت سورية ايضا دولة وشعبا ، رغم الالام والدمار ، الذي لحق بهما.

انتصرت بلد بشار الاسد في هذه الحرب غير القانونية ، وغير الشرعية ، والتي خاضها الغرب بواسطة المرتزقة الارهابيين ، خلال ثماني سنوات ضد سورية.

انتصرت روسيا وسورية ، رغم تحذيرات ترمب ( التويترية ) ، ببيان رسمي صادر عن البيت الابيض من الصواريخ الامريكية “الجميلة والجديدة والذكية” ، وتصريحاته الغوغائية ، اذ قال : ” ان علاقاتنا اليوم مع روسيا تمر بمرحلة من أسوا المراحل ، حتى أيام الحرب الباردة “.

لا شك ، ان ترمب – ودون ان يعي ما يقول – ( على حق ) ، اي ان هذه المرحلة أخطر من المرحلة التي حدثت بها أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962 ، خاصة وان من كان يحكم امريكا في ذلك الوقت ، هو (كينيدي) ، الذي استطاع الوصول الى حلول مع الرئيس خروتشوف ، وهكذا اجتنبت كارثة نووية عالمية.

وعوض التعنت في العداوة ، والتواصل في التبعية الامريكية ، والركض وراء رئيس مضطرب ، وبدون وعي سياسي وقيم اخلاقية ، لابد لفرنسا ، ان تعرف كيف تصل الى اتخاذ القرار ، بانهاء تبعيتها العمياء والهجينة للجبروت الاميركي ، كما سماه هربرت (فيدرين ) ، والتي جعلتها ترمي نفسها في مستنقع الشرق الاوسط ، والذي يمكن أن يقودها ، لتجد نفسها في معمعة حرب عالمية جديدة.

كان يمكن لفرنسا ، ان تقوم باستحضار دورها التاريخي التوفيقي . نعم الفرصة سانحة لفرنسا (ماكرون) لاستعادة دورها ، ومكانتها في هذا الجزء من العالم ، وربما المشاركة في اعادة بناء ، واعمار بلد ، لن ولم تدمره حرب أهلية – كما يزعمون – بل حرب جبانة وبالوكالة ، شنتها مجموعات ارهابية وفاشية ، على شعب متحضر ومسالم ، وعلى دولة ذات سيادة وطنية.

وهنا ، لا نطالب فرنسا بانتهاج سياسة انسانية أو عربية أو اخوية ، بل نطالبها بانتهاج سياسة واقعية ، قائمة على المصالح المشتركة العربية الأوروبية من جهة ، والأوروبية الروسية من جهة أخرى.

سياسة قائمة على محاربة الارهاب الاسلاموي ، الذي يضرب سورية وأوروبا على حد سواء ، وسياسة استعادة الدور الاوروبي ، دون وصاية امريكية.

على فرنسا ، ان تعود لدورها التاريخي و مبادئها التاريخية ، ومصالحها التاريخية الوطنية ، ولا تتبع رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا (ماي) ، المختلقة لجريمة قتل الجاسوس الروسي ، للتغطية على فشلها السياسي وخروج بلدها عن الاتحاد الاوروبي .

ولا تتبع أيضا دونالد (ترمب) ، الذي قد يفتعل أزمة عالمية مدمرة ، لا لشيء ، الا ليبعد شبهات التدخل الروسي المزعوم في انتخابه ، على رأس الولايات المتحدة الامريكية.

ايمانويل (ماكرون) ، ليس بحاجة لأكاذيب تيريزا ماي ، ولا لأساطير دونالد ترمب . الرئيس الفرنسي ، ليس بحاجة لزج فرنسا في أتون هذا الصراع ، وهذه الازمة ، التي يقف الجميع عاجزين عن توقع نتائجها الوخيمة ، على العالم بأسره.

سفير تونس السابق في (اليونسكو) – رئيس المركز الدولي للدراسات الجيوسياسية والاستشرافية.

عدنان عزام

\ ترجمة خاصة \ لموقع التجدد الاخباري \ الكاتب عدنان عزام \

المصدر : لو فيغارو – الاحد 15 ابريل \ نيسان 2018

هذه المقالة تعبر عن رأي صاحبها