aren

سوريا وأمتها العربية \\ كتابة : د. أحمد يوسف أحمد
الخميس - 30 - سبتمبر - 2021

في ١١نوفمبر ٢٠١١ أصدر مجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري قرارا بتعليق مشاركة وفود حكومة الجمهورية العربية السورية في اجتماعات المجلس وجميع المنظمات والأجهزة التابعة للجامعة العربية، وكان هذا القرار يعبر عن رفض المجلس سلوك النظام السوري في مواجهة قوى المعارضة‪، التي تفجرت فى سياق الانتفاضات الشعبية العربية في مطلع العقد الثاني من هذا القرن، ولم يكن هذا القرار هو الأول من نوعه فقد سبقه تعليق عضوية جنوب اليمن بعد اتهام نظامها باغتيال رئيس اليمن الشمالى فى ١٩٧٨ وتعليق عضوية مصر فى ١٩٧٩ بعد معاهدتها للسلام مع إسرائيل، ولهذا كان القرار الخاص بسوريا وقبله قرار خاص بالنظام الليبى فى السنة نفسها هو السابقة الأولى من نوعها لتدخل الجامعة فى شأن داخلى يمكن أن يكون موضوعا للاختلاف فى التقدير، فضلا عن أنه يفتح الباب لممارسات مماثلة لا علاقة لها بأهدافها المعلنة ناهيك عن غياب أى سلوك مماثل للأمم المتحدة فى الحالات المشابهة، فتعليق تمثيل نظام حكم ما فى المنظمة الدولية لا نص عليه فى ميثاقها ولا سوابق لحدوثه فى تاريخها، والحجج التى سيقت لتعليق تمثيل الحكومة السورية في الجامعة سواء فيما يتعلق بممارساتها تجاه شعبها أو بعلاقاتها الخارجية موجودة بوضوح في نظم عربية أخرى على نحو يذكرنا بعشوائية ما يُسمى التدخل الإنساني وازدواجية معاييره.

واللافت ، أن قرار تعليق تمثيل الحكومة السورية لم يحقق أيا من أهدافه المعلنة -لأن الأهداف الخفية للقرار لا علاقة لها بالمعلنة- فالهدف المعلن هو حماية الشعب السوري، ولسنا بحاجة للحديث عن الكارثة الاقتصادية والإنسانية التى ألمت بهذا الشعب، وأعلم ما سيقال من أن النظام السوري هو المسئول ولا أنفى مسئوليته لكنى أُضيف عليها مسئولية أولئك الذين حركهم منطق تصفية الحسابات والمصالح التوسعية فسلحوا المعارضة وجُلها يُصنف فى خانة الإرهاب دون أدنى مراعاة لمصالح الشعب السوري.

، والأهم أن قرار التعليق لم يفشل فى وقف معاناة هذا الشعب فحسب لكنه زاد من عزلة النظام السورى وألجأه لمزيد من الاعتماد على التدخل الخارجى لحمايته من قِبَل إيران أولا ثم روسيا ثانيا ولكلٍ أهدافه المعروفة التى باتت تشكل خطرا حقيقيا على عروبة سوريا واستقلالها، ناهيك عن أن التدخل الخارجى لأنه معنى بمصالحه أساسا لا يعنيه استقلال سوريا بحد ذاته وإنما تحقيق هذه المصالح بدليل التسامح مع الوجود العسكرى التركى وأهدافه فى شمال شرق سوريا، ومن الواضح أن عددا من الدول العربية بات يشعر بالحاجة إلى المراجعة، فأعاد البعض التمثيل الدبلوماسى والاتصالات السياسية مع النظام السوري، وتردد غير مرة أن إعادة تمثيل الحكومة السورية فى الجامعة ستوضع على بساط البحث فى هذه القمة العربية أو تلك لكن شيئا محددا لم يتم، وهاهو انعقاد القمة العربية قد تعثر مرتين حتى الآن بما أجل البحث فى هذه القضية المهمة.

وسوف تحقق عودة سوريا للتفاعل داخل الإطار العربى أكثر من فائدة، فهى أولا ستجعل المنظومة العربية أكثر قدرة على المساهمة فى حل المعضلة السورية، وهى الأكثر تأهيلا للوصول إلى حلول خاصة بعد أن تأكدت النظم التى رفعت رايات الحرب على النظام السورى بحجة انتهاكه حقوق شعبه أن اللعبة قد انكشفت، وأن نار الإرهاب الذى شارك فى هذه الحرب قد لفحت وجوه الجميع، وأن ثمة نتيجتين محققتين لما فعلته تلك النظم وهما زيادة معاناة الشعب السوري وزيادة النفوذ الأجنبى في سوريا، وتشاء الأقدار أن تسوقنا لمثال عملي على أهمية عودة سوريا إلى محيطها العربي، فعندما تفاقمت أزمة الوقود فى لبنان وخرج حزب الله بمبادرته الخاصة باستيراد الوقود من إيران بدا للجميع مخاطر استشراء النفوذ الإيرانى ليس فى لبنان فحسب وإنما فى المنطقة بأسرها، وهنا فقط طُرِح البديل العربى من خلال فكرة تزويد لبنان بالغاز المصرى عبر الأردن وسوريا، ولقد بُح صوت المؤمنين بأهمية التكامل العربى وجدواه منذ عشرات السنين دون جدوى حتى وصلنا إلى النقطة التى لم يعد فيها هذا التكامل مجديا ، فحسب . بل بات هو المخرج الوحيد من الأزمة، وهو مخرج عربى بامتياز ناهيك عن أنه يحقق مصالح أطراف العملية التكاملية كافة، وسوف يُقال بطبيعة الحال إن الحل جاء برضا أمريكي أو حتى بمبادرة أمريكية، ومع ذلك فأهمية ما حدث أن جوهر الحل عربي، وإذا كان قد جاء هذه المرة برضا أمريكى ليأتي المرة القادمة بمبادرة عربية لأننا نملك مقومات التكامل وتراثا من الأدبيات التي تحدثت عن كل صغيرة وكبيرة تتعلق بحلم التكامل العربى ومقوماته وآليات تحقيقه والتغلب على معوقاته.

لقد اضطلعت سوريا عبر التاريخ بدور بارز فى حماية أمن هذه المنطقة، ومن اللافت أن هذا الدور قد ارتبط تاريخيا بمصر كما يظهر من تصديهما الظافر للحروب التى تسترت بالصليب فى العصور الوسطى والدور السورى الفاعل فى مواجهة العدوان الثلاثى على مصر١٩٥٦ والدور المصرى التاريخى فى إحباط التهديد التركى لسوريا ١٩٥٧ وتجربتهما الوحدوية الرائدة ١٩٥٨ ومشاركتهما فى حرب أكتوبر المجيدة١٩٧٣، ولقد أظهرت السياسة المصرية الراهنة وعيا فائقا بجوهر المسألة السورية فلم تتجاوز يوما الخط بين أن تكون لك تحفظات على ممارسات سياسية ما وبين التورط فى المشاركة فى تفكيك دولة ناهيك عن أن تكون بوزن سوريا فدافعت دوما عن كيان الدولة السورية.

إن الشعب السوري يجتاز منذ عشر سنوات محنة تسبب فيها كثيرون وآن أوان أن يمد الجميع أيديهم إليه، ومن العار أن تقبل الدول الكبرى التعامل مع نظام طالبان لاعتبارات إنسانية بينما يُصِر بعض العرب على استمرار عزلة سوريا.

“الأهرام”المصرية