aren

سوريا بين الضربتين الأمريكية والإسرائيلية \\ كتابة : هدى رؤوف
الخميس - 19 - أبريل - 2018

 

 

أعلنت التطورات الأخيرة بسوريا تحولها إلى ساحة للمواجهة بين إسرائيل وإيران على المستوى الإقليمي وروسيا والغرب على المستوى العالمي.

التطور الأول ، والمتعلق بقصف القوات الأمريكية والفرنسية والبريطانية بأكثر من مائة صاروخ على أهداف سورية ، رداً على الهجوم الكيماوى المزعوم على دوما معاقبة للنظام السوري ، رغم الإنكار السوري والروسي لمسؤوليته ، وبرغم أنها لم تكن المرة الأولى ، التي تقوم فيها الولايات المتحدة بتوجيه ضربات لأهداف داخل سوريا، فمن غير المرجح أن تكون تداعيات الضربة الأمريكية محدودة ومرتبطة بمنع تكرار استخدام الأسلحة الكيماوية ، فقط.

فقد أعلنت المندوبة الأمريكية بالأمم المتحدة أن القوات الأمريكية لن تخرج من سوريا إلا مع تحقيق ثلاثة أهداف ، هي ضمان عدم استخدام الأسلحة الكيماوية بأي شكل ، يمكن أن يعرض مصالح الولايات المتحدة للخطر، وهزيمة تنظيم داعش ، وضمان وجود نقطة مراقبة جيدة لمتابعة ما تقوم به إيران.

كلمة نيكي هيلي ، توضح أن الولايات المتحدة أعلنت بوضوح موقفها من سوريا ، وأنه لم يعد يقتصر على محاربة تنظيم داعش، بل تريد الانخراط فى أي تسوية للملف السوري ، وعدم تركه فى يد روسيا وتركيا وإيران والتأثير على ترتيبات الأوضاع.

إذن فالولايات المتحدة سعت لتحقيق أكثر من هدف، بداية من منع تكرار استخدام الأسلحة الكيماوية بالمنطقة ، ومنازعة روسيا التي بدأت تتصرف باعتبارها القوة العالمية الوحيدة المؤثرة فى الشرق الأوسط، والملف السورى تحديداً، وكذلك لاحتواء النفوذ الإقليمي الإيراني بدءاً من سوريا.

ومن ثم فالأهداف المعلنة أخيراً ، محت ما سبق أن أعلنه ترامب عن قرب انسحاب القوات الأمريكية من سوريا. لذا من المهم فهم التحرك الأمريكي بدعم غربي بأنه مواجهة مباشرة لاستئثار روسيا بترتيبات الأوضاع، وتأكيد من ترامب جديته بشأن الخطوط الحمراء فيما يخص تجاوزات النظام السوري، ووضع آلية للحد من الاستخدام المتكرر للأسلحة الكيماوية بالمنطقة ، فضلاً عما يجري بالداخل الأمريكي بشأن علاقة ترامب بروسيا، لذا يريد إظهار حزمه تجاهها.

التطور الثاني فيما يخص سوريا مرتبط بالقصف الإسرائيلى للقاعدة الجوية تي فور T-4 السورية ، حيث شنت إسرائيل قصفا جويا على القاعدة وأسقطت مستشارين إيرانيين وضابطا كبيرا مسؤولا في شبكة الطائرات بدون طيار، وفي فبراير الماضي ، كان الجيش الإسرائيلي قد أسقط طائرة إيرانية بدون طيار اخترقت الحدود الإسرائيلية ، ثم أُسقطت بعدها طائرة إسرائيلية طراز F16. ، ويذُكر هنا أن قاعدة تي فور هي القاعدة الجوية ، التي خرجت منها الطائرة بدون طيار الإيرانية.

والجدير بالذكر أنه منذ بداية الحرب السورية فى 2011، وضعت إسرائيل الخطوط الحمراء لما يُمثل تهديدات أمنية لمصالحها الاستراتيجية، ومن ثم يستدعي تجاوزها التدخل الإسرائيلى في مجريات الوضع السوري.

إلا أنه مع تطورات الأوضاع داخل سوريا تغيرت الخطوط الحمراء المعلنة لإسرائيل مما استدعى تدخلها بين الحين والآخر لأهداف مختلفة ، فتمثلت في بداية الأزمة السورية ، وكانت تعمل إيران من خارج سوريا عبر وكلائها ، فيما يلى:

– استمرار السلام والاستقرار عبر حدودها الشمالية، ومنع العناصر الإرهابية من تأسيس كيانات ومعاقل خاصة بهم فى الشمال من مرتفعات الجولان بطريقة مماثلة لما حدث فى سيناء.

–  منع سقوط ترسانة الأسلحة البيولوجية والكيميائية فى أيدى عناصر متطرفة أو فى أيدى حزب الله مما دفع إسرائيل إلى شن غارات ضد سوريا بحجة نقل أسلحة إلى حزب الله.

لكن منذ 2011 وحتى الآن جرى فى نهر الساحة السورية مياه كثيرة، ومع تطور الأوضاع مؤخراً على نحو يؤشر لتحول ميزان القوة لصالح النظام السوري ، والتخلص من داعش، ومحاولة إيران جني مكاسب دعمها لبشار الأسد بتوطيد نفوذها، وسعت إسرائيل نطاق أهداف القصف، فقد أعلن رئيس الوزراء ووزير الدفاع الإسرائيليان أن إسرائيل ستعمل على إحباط تواجد إيران فى سوريا، باعتباره أحد الخطوط الحمراء.

ذلك أن ترسيخ الوجود الإيرانى فى سوريا عسكرياً وتنظيمياً ليشمل عناصر من إيران وميليشيات شيعية تابعة لها بجانب حزب الله، يخلق جبهة واحدة تهدد إسرائيل، تتراوح من جنوب لبنان إلى مرتفعات الجولان.

من هنا تم قصف القواعد التى تخص إيران أو الميليشيات الشيعية المرتبطة بها فى سوريا عدة مرات. وقد أشارت صحيفة هآرتس إلى أن صحيفتي نيويورك تايمز وفوكس نيوز قامتا من قبل بنشر صور مسربة للمواقع الإيرانية بسوريا، وهو ما يعني أن إيران لم تعِ أن لدى إسرائيل معلومات استخباراتية حول قواعدها بسوريا.

وتُثار التقديرات الإسرائيلية الآن حول ضرورة منع إيران من التواجد العسكري ، خاصة بالقرب من مرتفعات الجولان، وعدم السماح ببناء مصانع أسلحة داخل سوريا، وكذلك من تطوير شبكة من الطائرات بدون طيار في سوريا، والتي قد تستخدمها طهران لأغراض جمع المعلومات والتصوير الجوي والاستخبارات وكذلك لتنفيذ مهام هجومية. وتدعى إسرائيل أن هذه الطائرات شوهدت مؤخرا في المجال الجوي السوري والعراقي منذ انخراط إيران في الحرب الدائرة في سوريا.

أما عن رد الفعل الإيرانى، فالتقديرات الأمينة داخل إسرائيل تشير إلى ضعف احتمالية أي رد فعل من جانب إيران تجاه الضربة الإسرائيلية الأخيرة على قاعدة 4- T، فهي تعي أن الرد على الضربة الإسرائيلية يمكن أن يعرض مصالحها أو وجودها فى سوريا للخطر، ويمكن لاستجابتها أن تؤدى إلى تأجيج المنطقة خاصة فى ظل رؤية القادة العسكريين فى إسرائيل ضرورة انتهاج مقاربة أكثر عدوانية تجاه إيران فى سوريا.

ومع تحول ميزان القوة فى سوريا تجاه النظام السورى ومحور روسيا وإيران، تعمل إيران الآن على مد نفوذها داخل سوريا للتوسع في مشروع نفوذها الإقليمي ، فالهيمنة الإيرانية لا تقوم فقط على توظيف مصادر القوة المادية والعسكرية، بل وكذلك غير المادية والإيديولوجية. فهي لا تكتفي بمزيد من الانتشار العسكري، عبر إنشاء قواعد ومعسكرات للميليشيات الشيعية التى تمول نشاطها في سوريا، ونقل معدات القتال الجوية الإيرانية هناك.

بل قامت بتأسيس كلية للمذاهب الإسلامية، غير افتتاح فرع الجامعة الإسلامية الحرة الإيرانية في سوريا. من هذين المسارين تتضح استراتيجية الهيمنة الإيرانية ، والتي تقوم على ركيزتين، إحداهما إعادة الإعمار الداخلي ، حيث يتدخل المهيمن بشكل مباشر في الدولة التابعة ويحول مؤسساتها السياسية المحلية ، لتتبنى تفضيلاته وخياراته، وهذا يكون غالباً فى الدول التي تتعرض لحروب.

والركيزة الأخرى هي الإقناع المعياري ، عبر انتقال المعايير والقيم من الدولة المهيمنة إلى النخب التابعة فى الدول الأخرى.

وتؤدي عملية التنشئة المعقدة تلك إلى إعادة تعريف المصالح الوطنية للدولة التابعة فى إطار النظام المعياري والقيمي للدولة المهيمنة ، وذلك باستخدام القنوات الدبلوماسية والتبادل الثقافي والطلاب الأجانب.

إذن من العرض السابق، الذى يوضح الطموح الإيرانى فى سوريا والذى يخدم مشروعها الإقليمى الموسع، فعلى الرغم من تصريحات المسؤولين الإيرانيين حول الرد على إسرائيل، تتضاءل احتمالات قيام إيران برد فعل آنٍ تجاه الضربة الإسرائيلية حالياً، لأنه قد يعرض وجودها فى سوريا، والمقترن بمشروعها الإقليمى، للخطر، وهو هدف لن تتخلى عنه. كما أنه من الصعب شن أى فعل عدائى الآن فى أعقاب توترات الضربة الأمريكية.

وتعي ذلك إسرائيل، التى باتت مؤخراً تتبنى موقفاً من الحرب السورية يعكس استراتيجية تقوم على تعميق تدخلها النشط فى سوريا بعد سنوات من التدخل الحذر، مع استمرار التلميح الإسرائيلي بأن لديها من المعلومات ، التي تدعم تحركاتها ضد الأهداف الإيرانية والسورية معا.

باحثة متخصصة فى الشؤون الإيرانية

“المصري اليوم”