aren

«سوتشي» أمريكي مقابل «سوتشي» الروسي \\ كتابة : د.محمد نور الدين
السبت - 19 - يناير - 2019

 

هدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بتدمير تركيا، اقتصادياً، إذا هاجمت الأكراد في شمال سوريا، فسقطت الليرة التركية في تراجع إضافي، مذكّرة بتراجعها الكبير في أغسطس/ آب 2018 بعد العقوبات الأمريكية على تركيا بسبب اعتقال القس أندريه برانسون.

لكن، ما هي إلا ساعات حتى تحادث ترامب مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي أعلن التوصل إلى اتفاق «تاريخي» مع ترامب بشأن سوريا. وكان ترامب اقترح إقامة «منطقة آمنة» في شمال سوريا بعمق 20 ميلاً، فتلقفه أردوغان مطورا إياه ليصب، إذا استطاع، في مصلحة تركيا.

لم يردّ أردوغان على تصريحات ترامب بشأن تدمير تركيا اقتصادياً، لكنه كان مستعداً للمناورة، واستثمار التحول في الموقف الأمريكي ليحقق حلماً تركياً قديماً يعود إلى بدايات الحرب في سوريا، بإقامة منطقة آمنة في شمال سوريا.

والجميع يذكر أن السعي حينها لإقامة منطقة آمنة كان بهدف تعزيز فرص إسقاط النظام السوري من جهة، ولاحتلال الشمال السوري تحت مسميات المنطقة الآمنة.

لكن المفارقة أن الاعتراض على هذه الفكرة جاءت أيضا من جانب الولايات المتحدة نفسها التي لم تكن تريد تسليم المنطقة تلك إلى تركيا ، لأن الأجندة الأمريكية كانت تهدف إلى إقامة موطئ قدم أمريكية في شمال سوريا لتقسيمها لاحقاً هي ومنطقة الشرق الأوسط. وهذا الموطئ يقوم على استخدام الأكراد وتشكيل قوات كردية، وهو الأمر الذي حصل بتسليح قوات الحماية الكردية، والسيطرة على كامل منطقة شمال شرق الفرات.

اليوم مع إعلان ترامب أنه يريد الانسحاب من سوريا، اختلطت الأوراق. وعادت الولايات المتحدة حليفاً محتملاً لتركيا، وبات الأكراد بين خيارات لا تنسجم كثيراً مع تطلعاتهم. فيما تتحضر تركيا للسيطرة على شمال شرق الفرات، والعمل في أسوأ الأحوال على إقامة «منطقة آمنة»، تكون ساحة لنفوذها. أما روسيا وحلفاؤها فتنتطرهم سيناريوهات مربكة لهم.

لا شك في أن الموقف الكردي سيكون حاسماً في هذا الإطار. فإذا اختار الأكراد التفاهم مع دمشق والعودة إلى حضن الدولة وفق شروط محددة، ووافقت دمشق على ذلك، فإن مثل هذا التفاهم سيسقط كل الحجج من يد الولايات المتحدة، ولكن خصوصاً من يد تركيا. فتركيا تعرف جيداً أنها، حتى لو توفر ضوء أخضر أمريكي، لا تستطيع الدخول إلى شمال سوريا إلا بضوء أخضر روسي. وهو الذي حصل سابقاً عندما دخلت سوريا إلى مثلث درع الفرات، ومنطقة عفرين، وفي اتفاق إدلب مع روسيا.

لكن السؤال اليوم: هل تتوصل دمشق والأكراد إلى تفاهم بينهما؟ هل يمكن أن تقبل دمشق بأي صيغة ولو في الحد الأدنى لتمييز الأكراد عن بقية المكونات السورية؟ وهل يمكن للأكراد السوريين أن يكون قرارهم مستقلاً عن الإملاءات والضغوط الأمريكية، ويخلعوا العباءة الأمريكية؟ أم يختاروا المقاومة للجيش التركي مهما كانت نتائج مثل هذا الصدام؟

يحتاج المشهد في شمال سوريا إلى مزيد من الوقت لاتضاح الخيارات، فحجم القضايا الخلافية بين كل الأطراف كبير. لكن الكلام التركي عن المنطقة الآمنة وعن اتفاق تاريخي مع ترامب، يفتح على احتمال ظهور مسار «سوتشي» آخر، أمريكي هذه المرة، يقوم على ركيزة أمريكية – تركية لا يمكن التكهن بمفاعيله. وما إذا كان سيكون على حساب الأكراد، أم بالتوافق معهم. لتكون النتيجة واحدة: سلخ الشمال السوري عن بقية التراب السوري تحت احتلال تركي مباشر، أو بما يضمن لتركيا منطقة نفوذ تضمها إلى مناطق جرابلس، وعفرين، وإدلب.

ولسان حال تركيا، هنا، أنها كما لعبت وتلاعبت بروسيا في مسار سوتشي، ودخلت إلى جرابلس وعفرين وإدلب، فهي تراهن على قدرتها على اللعب والتلاعب بمسار سوتشي جديد أمريكي يكون على حساب الأكراد وسوريا، خصوصاً في ظل إعلان واشنطن تصميمها على الانسحاب من سوريا. الفارق الأساسي هنا أن تركيا كسبت جداً من مسار «سوتشي» الروسي، فيما مكاسبها من مسار «سوتشي» الأمريكي الجديد افتراضية، وفيه مجازفة كبيرة.

“الخليج” الاماراتية