aren

“سهير البابلي” … كوميديا يصعب تكرارها
الخميس - 2 - ديسمبر - 2021

التجدد الاخباري – مكتب بيروت

«عين يا عابعال»…جملة يمكن سماعها؛ لترتسم ابتسامة على الوجوه بمجرد تذكر طريقة إلقائها، ومدى فكاهية هذا المشهد فى مسرحية من أطرف المسرحيات التى عرضت فى الثمانينيات؛ بل هى جملة تأتى فى أذهان الجميع تلقائية، فور تذكر اسم النجمة الراحلة «سهير البابلى»..

 ميلاد موهبة فريدة

تزامَن ميلاد ابنة «فارسكور» مع يوم عيد الحب، أى (14 شباط \فبراير) عام 1937. ثم انتقلت مع عائلتها- نظرًا لظروف عمل والدها- إلى «المنصورة» لتترعرع الصغيرة، التي كانت موهوبة منذ الطفولة في مدينة الجمال والجميلات، وهو ما دفع أباها إلى تشجيعها على الالتحاق بالمعهد العالي للفنون المسرحية ومعهد الموسيقى في الوقت نفسه، وهو ما تسبب لها أحيانًا في شعورها بالضغط؛ خصوصًا بعد اعتراض والدتها على اختيارها لطريق الفن. بعكس الأب الذي تنبّأ بأن صغيرته ستصبح فنانة مشهورة؛ لأنها كانت تجيد تقليد الممثلين.

وبالفعل، صدقت نبوءة الأب، لتصبح «سهير البابلي» ، إحدى أكثر الممثلاث التي تمتعت بخفة ظل أثرت في نفوس أجيال عدة. وتصبح علامة من علامات الفن المصري بمختلف أشكاله سواء السينما، أو التليفزيون، أو المسرح؛ خصوصًا الأخير الذي أبرز موهبتها الكوميدية.

بدأت «سهير» ، أولى خطواتها في عالم الفن مع منتصف الخمسينيات، بالظهور في الكثير من الأفلام، بما يعادل ثلاثة أو أربعة أفلام في العام الواحد. ولكن، في أدوار صغيرة، ومَشاهد محدودة. لهذا ، يقال : إن السينما لم تنصف «سهير البابلي» كثيرًا.

وكان ضمن الأعمال التي حظيت بأدوار فيها: (ساحر النساء، المرأة المجهولة، نهر الحب، البنات والصيف، يوم من عمري، لعبة الحب والجواز، جناب السفير، غرام تلميذة، العاطفة والجسد)، وغيرها الكثير.

المسرح .. نقطة تحوُّل

لم ينقذ «سهير» من التخبط في السينما ، سوى المسرح الذي أظهر موهبتها ، وأطلق إمكانياتها، فبَعد الضغوط المادية والمعنوية التي عايشتها «البابلي» من قبل عائلتها، دفعها المخرج المسرحي الراحل «فتوح نشاطي» لاحتراف الفن، وانضمت للمسرح القومي، وهناك عملت مع أكبر نجمتين، وهما: «سناء جميل، وأمينة رزق». ورُغم اشتراكها مع النجمتين؛ فإنه كان يضعف فرصتها للحصول على دور البطولة.

ثم لمعت «البابلي»- تحديدًا- بعد مسرحية (مدرسة المشاغبين)، التي لعبت الصدفة فيها ، دورًا كبيرًا في حصولها على الدور؛ حيث كانت الفنانة «ليلى طاهر»، هي بطلة المسرحية، لكن حلت محلها «سهير البابلي»؛ لتفتح المسرحية لها بابًا ما كان سوف يوصد لولا اعتزالها الفن بعد عقدين.

فقدمت أعمالًا ، نالت شهرة كبيرة، مثل: (شمشون وجليلة)، ومسرحية (سليمان الحلبي)، كما كونت دويتو مع دلوعة الشاشة المصرية، الفنانة الراحلة «شادية» في مسرحية (ريا وسكينة)، التي لا تزال علامة فارقة في مصر، والوطن العربي، من حيث التجمع العائلي أمام التليفزيون لمشاهدتها؛ خصوصًا في الأعياد.

وخلال هذه المسرحية ، استطاعت «البابلي» ، الوقوف والتمثيل على خشبة المسرح بجوار واحدة من أهم ممثلات ومطربات «مصر». كما برزت إمكانيات «سهير» في هذا العمل المسرحي، من أداء كوميدي فريد، والقدرة على الغناء، والاستعراض.

وبعد مسرحية (ريا وسكينة)، أصبحت قدم «البابلي» أكثر ثباتًا على خشبة المسرح؛ لتحقق حضورًا واسعًا، وخلال مشوارها المسرحي نجحت- من خلال الأدوار التي قدّمتها- في تجسيد نبض الشارع المصري على المستوى السياسي، والاقتصادي، والاجتماعي، بطريقة الكوميديا السوداء، كأدوارها في مسرحيات: (على الرصيف، عطية الإرهابية، عايزة أتكلم).

 سهير.. الفنانة

كما كان للدراما التليفزيونية ، نصيب وافر في مسيرتها الفنية؛ حيث اتجهت «سهير البابلي» للدراما في آواخر الثمانينيات، من خلال مسلسل (بكيزة وزغلول) الذي أحدث ضجة جماهيرية في هذا الوقت، وهو ما دفعها لتكرار التجربة في مسلسلات أخرى.

مسلسل (بكيزة وزغلول)، الذي عرض عام 1987، ذاع صيته نتيجة للكوميديا العبقرية التي أدتها النجمتان، «سهير البابلي وإسعاد يونس»، ناهيك عن قصة المسلسل التي جمعت بين هانم فقيرة، وفتاة متسولة تجبرهما الظروف للعيش معًا، فالأولى أرملة لعجوز ثري خسر كل ثروته، والثانية هي الابنة الضالة لهذا العجوز الذي تركها تتشرد في الشوارع منذ ميلادها، وقد حقق المسلسل نجاحًا ساحقًا.

ومن ثم زاد الطلب على «البابلي» على شاشات العرض الكبيرة والصغيرة. ومع ذلك، كانت دائمًا تعود أدراجها إلى بيتها وملاذها، خشبة المسرح.

واستمر نجم «سهير البابلي» يعلو يومًا تلو الآخر، إلى أن توقفت فجأة، ودون أى سابق إنذار ، لتعلن أنها اعتزلت عالم الفن، وارتدت الحجاب عام 1997. وكشفت في أحد حواراتها ، أن السر وراء ارتدائها الحجاب ، يعود لسببين :

الأول ، كان دافعه من الإمام الراحل، الشيخ «محمد متولي الشعراوي»، رُغم أنه لم يقل لها نصًا اتركي الفن أو اعتزلي، ولكنه شجعها على اختيار أدوارها.

أمّا السبب الثاني : فقالت إنها خجلت ، كون ابنتها ارتدت الحجاب ، وهي فى سن صغيرة، بينما كانت هي مهتمة بالفن، وهو ما سبب لها الخوف.

ومع ذلك، يبدو أن الفنانة الراحلة لم تستطع كبت روح الفن بداخلها، لتعود مرة أخرى للعمل في التمثيل بعد اعتزالها بسبع سنوات. ولكن، بمظهرها الجديد، ترتدي الحجاب، والعباءات الفضفاضة.

إلا أن تركها لعالم الفن ، كل هذه الفترة ، كان له سلبياته، فرأى النقاد ، تراجعًا حادًا في قدراتها، ولم تحقق النجاحات التي حققتها من قبل، كما لم تقدم على مدار ستة عشر عامًا منذ عادت في 2005، سوى مسلسلين فقط : هما (قلب حبيبة) الذي عرض في 2005، و(قانون سوسكا) الذي عرض عام 2016.

سهير..الإنسانة

مرّت حياة «سهير البابلي» ، الشخصية بتقلبات عديدة، ومراحل مختلفة؛ فقد تزوجت عدة مرات، أولها من رجل الأعمال «محمود الناقوي»، وهي الزيجة التي أسفرت عن ابنتها الوحيدة «نيفين»، ولكنهما انفصلا بسبب حبها للفن والتمثيل.

ثم تزوجت مرة ثانية من المطرب والملحن «منير مراد» الذي أشهَر إسلامه من أجل حبه لها، ولكن الغيرة دبت بينهما ليقررا الانفصال دون أن تنجب منه، وبعد الانفصال تزوجت من الجواهرجي «أشرف السرجاني»، وبعد وفاته ، تزوجت من رجل الأعمال «محمود غنيم»، ثم كانت زيجتها الأخيرة من الفنان- الذي رحل هو الآخر منذ أيام- «أحمد خليل» ، ولكن انفصل عنها بسبب غيرته الشديدة عليها، ويذكر أن خبر وفاة «خليل» لم يصلها، بعد رفض الأقرباء منها ، تبليغها الخبر في آخر أيامها، شفقة بحالها، وخوفًا على صحتها. 

أمّا علاقتها مع ابنتها؛ ففي لقاء مع الفنانة «إسعاد يونس» ، ظهرت فيه «نيفين الناقوري» لتتحدث عن والدتها (الأم، والإنسانة)، مؤكدة أنهما صديقتان مقربتان، وأن عالم الفن لم يشغلها عنها أبدًا. ويذكر أن المشاهدين تفاجأوا- حينها- بالشبه الكبير بين الابنة والأم.

في النهاية، يبدو أن النجمة الراحلة ، عرفت كيف تخوض رحلتها الفنية وحدها، وتستحوذ على مجال كان حكرًا على معشر الرجال، ألا وهو الكوميديا الراقية، وخاضت مشوارًا حافلاً استطاعت خلاله أن تسعد وترسم الضحكة على وجوه ملايين المشاهدين..

رحلت «سهير البابلي». لكنها، تركت فنًا راقيًا، ونكتة حية، تواكب كل العصور.