aren

سنجار … بعد عفرين ! \\ كتابة : د. محمد نور الدين
السبت - 24 - مارس - 2018

 

منذ بداية ما سمي بـ «الربيع العربي» وتركيا تنطلق في هجوم واسع على المنطقة العربية، من أجل توسيع نفوذها. وقد اشتغلت ليل نهار من أجل تغيير الأنظمة في سوريا والعراق ومصر وتونس واليمن والمغرب.

وقد نجحت في البداية في بعضها مثل مصر وتونس وفشلت في غيرها، لكن في المحصلة اللاحقة فشل المشروع التركي في المنطقة بسقوط حكم «الإخوان» في مصر وتونس، وتعرضه لانكسار كبير بسبب الخلاف مع موسكو بعد إسقاط الطائرة الروسية في نهاية العام 2015.

وبدا أن تركيا في طريقها لهزيمة كبيرة، خصوصاً أن التقدم الكردي يتحقق على الأرض في شمالي سوريا، والولايات المتحدة تدعم هذا التقدم، ما أثار شرخاً عميقاً في العلاقات التركية الأمريكية.

تعدّل المشهد المذكور بقوة بعد التطبيع بين روسيا وتركيا. لم تكن روسيا بحاجة لمثل هذا التطبيع لتطويع تركيا، لكن الاستراتيجية الروسية كانت على موعد مع رهان جديد يتمثل في استغلال الخلافات التركية مع الغرب، ولا سيما بعد محاولة الانقلاب العسكري في تركيا ضد رجب طيب أردوغان.

الرهان الروسي هو في إحداث تغيير استراتيجي في العلاقات الدولية، وسحب تركيا من حلف شمال الأطلسي وتقريبها قدر الإمكان من روسيا.

هذا الرهان الروسي أتاح لتركيا استغلال التطورات فتبادلت المنافع مع روسيا. كانت عملية درع الفرات بضوء أخضر روسي، واحتلال مثلث جرابلس- اعزاز- الباب في الشمال السوري، ومن ثم احتلال منطقة عفرين كذلك بضوء أخضر روسي.

التصريحات التركية عشية عملية عفرين كانت تلحظ توسيعاً لمسرح العمليات في المستقبل. اليوم عفرين ومن بعدها منبج ومن ثم شمال سوريا، الواقع شمال شرقي نهر الفرات؛ أي حيث توجد قوات الحماية الكردية، ومن بعدها شمال العراق، حيث توجد عناصر لحزب العمال الكردستاني.

عندما طالبت الحكومة العراقية بانسحاب القوات التركية من معسكر بعشيقة شمال شرق الموصل، كانت أنقرة ترفض، معتبرة أن هذه القوات موجودة لمقاتلة «داعش» في مدينة الموصل. وبعد تحرير الموصل من دون القوات التركية، جاء وزير الخارجية التركي إلى بغداد وصرّح قائلاً: إن معسكر بعشيقة سيبقى إلى أن يتم تنظيف مناطق سنجار من مقاتلي حزب العمال الكردستاني. لم تعترض الحكومة العراقية على هذه التصريحات، وإن أبدت تحفظها عليها بخجل.

بعد سقوط عفرين أعلنت أنقرة أن القوات التركية يمكن أن تدخل «فجأة وفي أي لحظة» منطقة سنجار، لتنظيفها من مقاتلي حزب العمال الكردستاني. وعبارة «الدخول المفاجئ وفي أي لحظة»، عبارة كانت تكررها أنقرة عشية عملية عفرين وقبلا عشية عملية درع الفرات واليوم تكررها بالنسبة لسنجار.

وإذا كانت تركيا تحتاج إلى ضوء أخضر في سوريا وفّره لها الروس بحكم تواجدهم في سوريا، فأي ضوء أخضر يمكن أن يُمنح لتركيا في العراق لدخول سنجار وممن؟ هل الحكومة المركزية مستعدة لذلك وتؤيده؟ أم أن تركيا ستتحدى وتتدخل بمفردها في سنجار؟.

يمكن للمسألة أن تذهب أبعد من ذلك، وهي بالفعل كذلك. فالدخول التركي إلى سوريا كما إلى سنجار في حال حصوله، مرتبط علناً بكسر «الكوريدور» الكردي الذي تعتبره تركيا تهديداً لأمنها القومي، لكن هل تنتهي المسألة هنا؟ بالتأكيد لا.

أولاً: هناك مساومات ما بعد انتهاء الحرب في سوريا كما في العراق. فتركيا تريد أن تكون شريكاً قوياً على طاولة المفاوضات، وأن يكون لها لاحقاً حضور مباشر في سوريا والعراق، أو في أسوأ الأحوال شريط نفوذ بمثابة حزام داخل البلدين.

ثانياً: الأخطر وهو ما يفترض التنبّه له وهو أن تركيا لا تزال تذكّر بأن حدودها الأصلية هي التي نص عليها «الميثاق الملّي» في 28 يناير/كانون الثاني عام 1920، وغالباً ما كان يردد القادة الأتراك بأن «الموصل كانت لنا»، وبأن تكون «العين على حلب».

وحدود الميثاق الملّي حينها كانت تضم شمال سوريا من الإسكندرون وحلب، وصولاً إلى دير الزور وشمال العراق، حيث الموصل وكردستان العراق بما فيها كركوك.

في ظل القضم التدريجي الحالي والمحتمل لاحقاً من جانب الجيش التركي لأراض كانت ضمن «الميثاق الملّي» في سوريا كما في العراق، وفي ظل ضعف وارتباك الدولة في البلدين، فإن التوجس حقيقي من المطامع التركية في العالم العربي.

أما مسؤولية تيسير ذلك فتقع علينا أولاً وأخيراً، عندما فشلنا في بناء دولة حديثة وقوية تردع العدو كما الطامعين.

“الخليج”