aren

سعودية تقول ” لا ” \\ بقلم : وجيهة الحويدر
الثلاثاء - 15 - أغسطس - 2017

– استغفلونا ونحن صغارٌ ، وعلمونا أن العرب كانوا قبل الاسلام جاهلين وفاسدين ، ومنحطين . اخبرونا بأنهم كانوا يعيشون في حروب طاحنة ويتقاتلون بسبب وبدون ، وانهم قتلة ومتوحشين.

ثم عرفنا ، أنهم لم يكونوا كذلك أبدا ، فقط فئة قليلة منهم ، كانت تفعل ذلك ، مثل سائر شعوب العالم في تلك الزمانات.الحقيقة التي تعمدوا اخفاءها عنا ، أنهم كانوا يعيشون في أجواء الى حد كبير حرة وديموقراطية ، وكان كل واحد منهم يحترم معتقدات الآخر.

كانوا متعددي الأديان والطوائف ، بينهم الوثنيون والمجوسيون والحنفيون واليهود والمسيحيون وعابدو الشمس والملحدون، جميعهم عاشوا في وئام وانسجام ، و كانت الحريات الشخصية والحريات الدينية مقدّرة ومحترمة ، ولا أحد له شأن بالآخر.

كانوا أناس يهتمون بالثقافة والشعر ، ولديهم مهرجانات ثقافية وتسوق دورية ، مثل مهرجان ” المربد” ، ومهرجان “عكاظ”، حيث يأتي اليها كل من يهمه الشأن الثقافي ، ويرغب في التعرف على منابع الادب والفن والشعر، وانهم كانوا يقدّرون الشعر ، وعُرف عنهم مسابقة القصائد المعلقة التي سُميت ب” المعلقات ” .

القصيدة التي تنال رضا واستحسان الاكثرية ، تـُعلق على ستائر الكعبة بجانب آلهاتهم لعام بكامله ، وأن من أشهر شعراء ذاك العصر ، وأكثرهم قريحة ” امرئ القيس ، النابغة الذيباني ، لبيد بن ربيعة العامري ، وعنترة بن شداد ..” .

– استغفلونا ونحن صغارٌ ، وعلمونا أن المرأة في الجزيرة العربية في زمن ما قبل الاسلام ، والذي يُسمى “بعهد الجاهلية” كانت محتقرة وليس لها أي قيمة في قبيلتها ، أو بين رجال عشيرتها.

وان الاناث يوأدن في مهدهن ، لأنهن عار ، لكن عرفنا أنه فئة من الناس كانت تمارس تلك السلوكيات ، وليست ظاهرة اجتماعية ، وأنه ثمة منهم من يقتلون اناثهم وذكورهم على حد سواء خشية الفقر ، وليس العار كما ذُكر في (آية 151 الاسراء) “ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَـٰقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا.”

أيضا تيقنا ، أن المرأة كانت رمز الآلهات التي يعبدونها ، فكانت مقدرة ولها مكانة كبيرة بين القبائل ذات الصيت والسمعة الحسنة ، ولها دور سياسي واجتماعي بارز مثل “هند بنت عتبة ” و” سجاح بنت الحارث بن الاسود ” ، وفي الشعر والثقافة “ ليلى الأخيلية ”، و” الخنساء ” و” مية بنت ضرار بن عمرو الضبيه ” وغيرهن.

وانه كان لها حقوق في بعض القبائل نفس حقوق الرجل ، حيث تمارسها بحرية في الحياة العامة والخاصة، الى درجة انه كان يحق لها تعدد لأزواج أسوة بالرجل ، وأنه كان الابناء ينسبون لها ويحملون اسمها مثل الصحابي “الزبير بن صفية” و الشاعران “عمرو ابن كلثوم” و”زهير بن ابي سلمى”، وثمة قبائل تـُنسب لنساء مثل قبيلة بني “عذرة” التي اشتهرت بالحسية والغزل ، حيث قالوا عن انفسهم “نحن من قوم اذا احبوا ماتوا.”

ينحدر من تلك القبيلة شاعر الغزل الناعم “جميل بثينة”، ونُسبت الى النساء أيضا ، تضاريس جغرافية مثل و”ادي فاطمة” و”جبل سلمى” ، حيث يقطن فيه من أعرق القبائل العربية “بني شمّر”

– استغفلونا ونحن صغارٌ ، وعلمونا ان اليهود والنصارى والمجوس وأصحاب المعتقدات الاخرى كانوا اعداء للمسلمين منذ ظهور الاسلام، وانهم أناس أشرار وسيؤو الطباع ، وأرادوا قتلنا والغدر بنا، مع اننا خير أمة أخُرجت للناس.

ثم اكتشفنا ، ان كل أمة تعتقد انها هي الأمة الأفضل ، وأن دينها هو الأخير ، وعلمنا أن المسلمين لم يكونوا أفضل من غيرهم ، فقد سببوا أذى لغير المسلمين ، بما يُسمى بالفتوحات الاسلامية. هجموا على الناس الآمنين في ديارهم ، وانتهكوا حقوقهم وقتلوهم ، وأجبروا من بقي منهم على اعتناق دين الاسلام أو دفع جزية.

ادركنا أن الحروب الاسلامية ، مثل الحملات التبشيرية المسلحة في بعض أجزاء من العالم ، ومثل الحروب الصليبية ، حيث جيوشها قامت بقتل وتشريد وانتهاك حقوق الناس في تلك الحقبة من التاريخ ، من أجل فرض دين جديد على الآخر ، واجباره على ممارسة طقوسه

– استغفلونا ونحن صغارٌ ، وعلمونا أن الديانة اليهودية ، ديانة كالمسيحية محرّفة ، وأنها ديانة تحرض على كره الآخر واقصاءه ، فاليهود يعتقدون انهم “شعب الله المختار” ، لذلك تقلصت ديانتهم ، لأنها غير صالحة .

لكننا ، عرفنا فيما بعد ، بأن الديانة اليهودية ليست ديانة تبشرية ، لذلك لم تُنشر بالسلاح مثل الاسلام، وانها هي أول ديانة سماوية توحيدية وأنها الأصل ، فالسيد المسيح (عليه السلام) كان يهودياً ، وأن السيدة خديجة ذات الغنى والنفوذ ، زوجة النبي محمد (عليهما السلام) ، ربما كانت مسيحية.

حيث ان عمها “ورقة ابن نوفل” حبر وقس جليل من قساوسة المسيحيين، هو من ساند الرسول (صلى الله عليه وسلم) فكريا واستراتيجياً، وزوجته دعمته مادياً ومعنوياً في بداية بزوغ الدين الاسلامي، حين كان في أشد الحاجة للدعم ، والمساندة

– استغفلونا ونحن صغارٌ ، وعلمونا أن من ثوابت الاسلام “حد الردة” ، وأن من يترك الاسلام ، يحق لباقي المسلمين قتله واهدار دمه ، لذلك قام الخليفة ابو بكر الصديق (رضي الله عنه) بقتل من ارتدوا بعد وفاة النبي ( صلى الله عليه وسلم).

ثم عرفنا ، أنه لا يوجد أي نص شرعي في القرآن الشريف يبين “حد الردة” ، فليس له أي دلالة على أنه بند في الاسلام ، بل العكس نهى ” القرآن ” عن اكراه الناس على اعتناق الاسلام ، حيث ذكر في اية (256 ) من سورة البقرة “ لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ” ، وأيضا في (اية 144 آل عمران ”َمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ” .

وبالنسبة لحروب الردة ، كان سببها الحقيقي سياسي واقتصادي وليس ديني، لأن المسلمين الاوائل تمردوا ورفضوا دفع الزكاة ، وغير المسلمين كفوا عن دفع الجزية ، مما هزّ اقتصاد دولة الاسلام الوليدة ، وخلخل قواعدها ، لذلك وجد الخليفة ” الثاني ” ، أن الحل هو مقاتلتهم ، واجبارهم على دفع ما طلب منهم من مال

– استغفلونا ونحن صغارٌ ، وعلمونا ان غطاء الرأس للمرأة ، أو ما يُـسمى بالحجاب ، أمر ديني وفريضة مؤكدة ، وأنه لا يـُقبل ايمان المرأة المسلمة ، سوى بقطعة القماش تلك ، ثم اكتشفنا ، أن غطاء الرأس فريضة في الصلاة والحج ” فقط ” لا غير، وأنه لم يرد ذكر تغطية شعر المرأة في اي نص آخر ديني سواء في القرآن الشريف أو في السنة النبوية ، وأن الآية الكريمة من سورة الأحزاب ” يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءالْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً” .

كانت بسبب تعرض نساء المسلمين للمضايقات ، ومحاولة قتلهن من قبل محاربي الدين آنذاك ، فكان لا بد من حمايتهن بهذه الطريقة ، أي أن الامر انتهى بإنتهاء الحدث. كل ما أمر الله المسلمات به هو “لْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ على جُيُوبِهِنَّ” والجيوب هي الصدور، أي أن يكن محتشمات في لبسهن ، ولا يظهرن مفاتهن للآخرين.

– استغفلونا ونحن صغارُ ، وعلمونا أنه يحق للرجل المسلم ، أن يتزوج أربع نساء بدون قيد ، أو شرط ، وأن ذلك مباحاً لكل رجل يعتنق الاسلام ، ثم علمنا أن هذا الصنف من الزواج كان في الأصل يُمارس بين بعض القبائل العربية قبل ظهور الاسلام ، وان النبي محمد “صلى الله عليه وسلم” ، لم يتزوج على زوجته الأولى وحبيبته ورفيقة شبابه خديجة بنت خويلد “رضي الله عنها”، بالرغم من فارق السن بينهما، وبالرغم من أنه لم يحظ من صبيان منها.

أيضا ، ان النبي “عليه الصلاة والسلام” نهى بشدة صهره علي بن ابي طالب “كرم الله وجهه”، بل وهدده ، ان هو أقدَمَ على الزواج من امرأة اخرى على ابنته المحببة الى قلبه فاطمة الزهراء “عليها السلام”.هذا يبين أن النبي “صلى الله عليه وآله” ، كان يعلم أن تعدد الزوجات فيه قهر للمرأة ، واهانة لكرامتها ، وكسر لقلبها ، لذلك لم يسمح أن تعش ( ابنته ) ذاك القهر.

أيضا تبين ، أن أغلب زواجات النبي فيما بعد كانت لها اسبابها الخاصة ، من أجل أن ينشر نفوذه، ويبسط سلطته، ويحمي الدين الجديد من بني قريش من خلال مصاهرة اشاوستهم وحلفائهم.

أي انها زواجات تكتيكية ، وذات اغراض سياسية ومستخدمة بين شيوخ العرب وامراءهم انذاك ، بالاضافة ، الى أنه قام بذلك لأنه نبي ، فيحق له ما لا يحق لغيره ، لأن الله ائتمنه على الدين كله.

لذلك في عصرنا هذا ، ثمة دول اسلامية ، توصلت لتلك القناعات ، مثل ( تركيا ، تونس ) فمنعت تعدد الزوجات منعاً باتاً بالقانون، ودول اسلامية اخرى تسير على خطاهما ، مثل      ( المغرب ، مصر ، والاردن ) .

– استغفلونا ونحن صغارُ ، وعلمونا أن رجم الزاني والزانية من العقوبات التي أقر بها الدين واثبتها، ثم اتضح لنا أن الرجم عادة موجودة بين كثير من شعوب المنطقة ، حتى قبل ظهور الاديان التوحيدية، وأن عقوبة الرجم ، لم يرد ذكرها في القرآن الشريف أبدا، بل ذُكر الجلد عوضا عنها في سورة النور قال تعالى ” الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة”.

وأن الأهم من العقوبة ، هو اثبات مخالفة الزنا نفسها ، حيث يشترط أن تـُثبت بحظور أربعة شهود، وان يعترفوا برؤية الدخول كدخول المرود في المكحلة . هذا يبين أن اقامة حد جلد الزنا صعب ، وأقرب الى المستحيل من الواقع ، والحكمة من صعوبة تنفيذه ، هو من أجل أن يعزز حفظ خصوصية الناس ، وأعراضهم وكرامتهم.

– استغفلونا ونحن صغارُ ، وعلمونا أن الاسلام ” قابل لكل زمان ومكان ” بنظمه الاجتماعية والسياسية والاقتصادية ، فإكتشفنا ان هذه العبارة عارية من الصحة ، ولم يرد ذكرها ، لا من الله ولا من قبل رسوله الكريم (ص) . ان الدين صلة بين المرء وربه فقط ، فليس له أي علاقة بما يجري في الوزارات والبنوك والشركات النفطية والمعالم الترفيهية.

الدين من الله ، بينما هذه المؤسسات جميعها ، استحدثها الأنسان فلا صلة لها بالعقيدة ، لذلك ما يراه نساء ورجال الدين يجب أن يظل بين حيطان معابدهم ، وما يراه نساء ورجال المؤسسات المجتمعية يبقى في اطار عمل مؤسساتهم.

– استغفلونا ونحن صغارُ ، وعلمونا أن قوانين مثل “العين بالعين” و”القاتل يـُقتل” و”السارق تـُقطع يده”، و”الزناة يُـرجمون” وغيرها، انها قوانين من الاسلام، ثم اكتشفنا أنها أيضا متواجدة بنفس السمة في الأديان التوحيدية، في توراة موسى “عليه السلام” وفي انجيل عيسى “عليه السلام” (النسخة القديمة ).

وأن جذور تلك القوانين ممتدة عبر التاريخ، وأنها جميعها مستوحاة من شريعة “حامورابي” في بلاد ما بين الرافدين، والتي تعد أول شريعة مكتوبة في التاريخ البشري ، وتعود إلى العام ( 1780 ) قبل الميلاد ، فثمة تشابهات كثيرة بين قانون “حمورابي” ، وشريعة التوارة ، التي اقتبست منها فيما بعد ، المسيحية ، ومن ثم الاسلام.

– استغفلونا ونحن صغارُ ، وعلمونا أن ثمة أمور في الدين الاسلامي ، يجب عدم المساس بها ، لأنها من ثوابته المهمة ، ثم تيقنا أن هذا لا يعكس الواقع ، فثمة “ثوابت” أُلغيت بالقانون الوضعي، لأنها كانت تتنافى مع الانسانية مثل العبودية والجزية، على غير المسلمين، ومحاربة “الكفار”.

لو ان الدول ذات الاغلبية المسلمة ، والتي تتبع الشريعة الاسلامية ك(نظام) ،  لم تلغ تلك “الثوابت الدينية” ، لكانت قد نـُبذت من المنظومة العالمية، وهُمشت وعاشت في عزلة ، ثمة أمور أخرى تعد أصول في الدين ، لا بد ان تـُلغى ، وحان الآوان لفتح باب الاجتهاد مرة اخرى ، ذاك الباب الذي اُغلق منذ أكثر من ستمائة عام ، من اجل غربلة أمور دينية كثيرة وتحديثها .

خاصة قوانين الاحوال الشخصية المجحفة، والتمييز بين الجنسين في الحقوق، والتفرقة في المواطنة بين الاقليات ، ومنع الحرية الشخصية وحرية التعبير والحرية الدينية ، وكل ما يتعلق بالمواثيق العالمية بحقوق الانسان حسب المادة الاولى ، التي تقول ” يـُولد جميع الناس أحرارا ومتساوين في الكرامة والحقوق ، وهم قد وهبوا العقل والوجدان وعليهم أن يعاملوا بعضهم بعضا بروح الإخاء” .

كاتبة سعودية

هذه المقالة تعبر عن رأي صاحبها