aren

روسيا مجدداً.. و«الممر التركي» \\ كتابة : د. محمد نورالدين
السبت - 9 - أكتوبر - 2021

فاجأ التوتر الإيراني- الأذربيجاني المراقبين. وكانت مواقف المسؤولين الإيرانيين كثيرة ومتصاعدة وحادة. وتراوحت التحليلات بين التهديد الذي يشكله التعاون الإسرائيلي – الأذربيجاني على الأمن القومي الإيراني، أو المستجدات على الصعيد الدولي، ومنها ملف المفاوضات النووية، وغير ذلك من أسباب.

لا شك في أن العلاقات الإسرائيلية مع أذربيجان قوية، منذ انفصال أذربيجان عن الاتحاد السوفييتي وإعلان استقلالها في عام 1991. وتأتي المناورات الإيرانية تحت عنوان «فاتحو خيبر» رسالة إلى باكو لمنع تعزيز تعاونها مع إسرائيل، وعدم استخدام أراضيها لتهديد إيران.

ويلفت أيضاً أن المناورات الإيرانية جاءت بمناسبة مرور عام على بدء الحرب الأذربيجانية – الأرمنية التي انتهت في التاسع من نوفمبر/ تشرين الثاني، باتفاقية متشعبة برعاية مباشرة من روسيا.

وانتهت الحرب كما هو معروف، بانتصار كاسح لأذربيجان على أرمينيا، واستعادت الأراضي التي كانت أرمينيا استولت عليها بعد تفكك الاتحاد السوفييتي والتابعة قانونياً لجمهورية أذربيجان، إضافة إلى السيطرة على مقاطعة ناجورنو كاراباخ الأرمنية ذات الحكم الذاتي ضمن أذربيجان.

ولا شك في أن اتفاقية 9 نوفمبر/ تشرين الثاني كانت كارثة على أرمينيا وقضية ناجورنو كاراباخ. فباكو استعادت نصف كاراباخ، فيما بقي النصف الآخر بيد الأرمن، لكن تحت الإشراف العسكري المباشر للقوات الروسية.

المسألة الرئيسية هنا تأتي، في رأينا، من بند يتعلق باعتبار ممر لاتشين بين أرمينيا وناجورنو كاراباخ المار في الأراضي الأذرية شرعياً بحماية عسكرية روسية. وبذلك يتمكن ما تبقى من كاراباخ من التواصل مع «الوطن الأم» أرمينيا.

في المقابل، فإن يريفان وباكو اتفقتا على افتتاح ممر باسم «ممر زنجيزور» يصل بين تركيا ومقاطعة نخجوان (التابعة لأذربيجان والمنفصلة جغرافياً عنها)، ومن ثم يمر بالأراضي الأرمنية بمحاذاة الحدود الإيرانية تقريباً، ومن بعدها يدخل الأراضي الأذرية إلى باكو، فالحدود الروسية، وتنتشر عليه القوات الروسية.

ربما تكمن المشكلة هنا. فالممر الذي يطلق عليه أيضاً «الممر التركي» يصل للمرة الأولى براً بين تركيا وأذربيجان والعالم التركي في آسيا الوسطى. كما يصل للمرة الأولى براً بين تركيا وروسيا عبر أرمينيا وباكو. و«الممر التركي» يتألف من أوتوستراد بري وسكة حديد. وليس لأرمينيا سلطة مباشرة على الجزء الخاص من الممر الذي يمر عبرها.

هذا الطريق انتصار لأذربيجان، وانتصار لروسيا، وانتصار أكبر لتركيا. وهو هزيمة لأرمينيا، وخسارة أكبر لإيران.

فالممر البري يعزز من نفوذ تركيا في جنوب القوقاز، ويفتح لها باب العالم التركي للمرة الأولى من طريق البر، فهو أيضاً انتصار للفكرة الطورانية.

لكن هذا الممر هو أيضاً هزيمة لإيران التي ستخسر طريق مرور الشاحنات التركية أو الأذرية عبر الأراضي الإيرانية لتصل إلى البلد الآخر. وستخسر ايران رسوم المرور للشاحنات المتوجهة من تركيا إلى أذربيجان وتركمانستان، وبالعكس.

وتتخوف إيران من أن تتحول المنطقة الحدودية الأرمنية التي يمر بها الطريق البري إلى ما يشبه محمية تركية- أذرية، يمكن لها لاحقاً أن «تتطور» لتصبح، في حال سنحت الظروف والموازين، منطقة احتلال تركي – أذري تقطع ايران براً بشكل كامل عن أرمينيا.

ولعل إيران محقة في تخوفها، خصوصاً أن تركيا عضو في حلف شمال الأطلسي، وفي النهاية هي دولة أطلسية، والولايات المتحدة تعمل على تغييرات جذرية في الواقع الجيوبوليتيكي المحاذي لروسيا وإيران. وليس مستبعداً، في ظرف مناسب، أن تعمل واشنطن على محاولة ضم أذربيجان إلى الحلف الذي يستمر في تمدده منذ ثلاثين عاماً.

مع ذلك، فإن الثمن الذي نالته أذربيجان، وبالتالي تركيا، مقابل فتح ممر لاتشين كان كبيراً جداً، وخطيراً، وغير مبرر، ويعيد تركيب خريطة النفوذ السياسي والاقتصادي والاستراتيجي في جنوب القوقاز وآسيا الوسطى. وما كان لهذا الثمن أن يدفع لولا الموافقة الروسية التي أرادت الانتقام من رئيس وزراء أرمينيا، نيكول باشينيان، وأرادت استمالة أذربيجان، وأرادت الاستمرار في استمالة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.. وكل ذلك على حساب قوى أخرى، ولو «حليفة» مثل ايران.

“الخليج”الاماراتية