aren

روسيا كانت مُحِقّة فى الشرق الأوسط \\ كتابة : أناتول ليفن
الأحد - 5 - ديسمبر - 2021

هناك رواية عامة سائدة في الولايات المتحدة ومعظم دول أوروبا، مفادها أن روسيا تسعى إلى قلب الوضع العالمي الراهن، وتحدِّي النظام القائم على القواعد، وأنها تعمل على إفساد الشؤون الدولية، وهو ما كان يُعد صحيحًا في أراضي الاتحاد السوفييتي السابق.

ومع ذلك، فإنه بالنظر إلى الشرق الأوسط الكبير، فإن هناك شيئًا غريبًا حول هذه الصورة الخاصة بالسلوك الروسي، ففي هذه المنطقة، وعلى مدار العشرين عامًا الماضية، كانت الولايات المتحدة فى الواقع هى التى عملت على تعطيل الوضع الراهن، وقد ثبتت الآن صحة معارضة روسيا لسياسات الولايات المتحدة الخاصة بالقضايا الرئيسية في المنطقة، وذلك من الناحية الموضوعية، وذلك ليس فقط بالنسبة لروسيا والمنطقة، ولكن أيضًا للولايات المتحدة والغرب.

وصحيح أنه قد تم تصميم السياسات الروسية لخدمة مصالح موسكو، ومع ذلك فإن حقيقة أنه قد اتّضح الآن أن هذه السياسات كانت تتوافق مع المصالح الغربية أيضًا لم تكن مجرد مصادفة، فقد تأسست هذه السياسات الروسية على تحليلات أجرتها السياسة الخارجية الروسية والمؤسسة الأمنية المعنية بدول الشرق الأوسط، والتى تبين أنها صحيحة، وأنها قريبة جدًّا من تلك الخاصة بالعديد من المؤسسات الأمريكية.

ويمكن تسمية هذه التحليلات الروسية بأنها مناهضة للديمقراطية، ولكن يمكن وصفها بشكل أكثر دقة بأنها بمثابة إحساس عميق بهشاشة الدول والخوف من الفوضى والحرب الأهلية، إلى جانب التشكُّك العميق في مشروعات التغيير الثوري السريع، وقد تعود جذور هذا الموقف إلى التجارب الروسية المُروِّعة في القرن العشرين.

فقد عارض الرئيس الروسى فلاديمير بوتين غزو العراق، وبالنظر إلى ما حدث هناك، فهل يمكن لأى شخص أن يقول إن الرئيس الروسى كان مخطئًا فى معارضة هذا الغزو؟، ألن تكون الولايات المتحدة نفسها اليوم أفضل حالًا لو قبلت فى 2002- 2003 النصيحة الروسية بعدم غزو بغداد؟.

ومرة أخرى، هل أثبتت نتائج الإطاحة بالرئيس الليبى الراحل معمر القذافى أن بوتين كان على صواب أم خطأ فى موقفه من تدخل قوات حلف شمال الأطلسى فى البلاد، حيث تستمر الحرب الأهلية بالفعل حتى يومنا هذا؟، وقد أتاح انهيار الدولة الليبية حركة جماعية للمهاجرين عبر البحر الأبيض المتوسط أدت إلى زعزعة استقرار الاتحاد الأوروبى.

وقد جعلت التجربة السوفييتية الروس متشكِّكين بشدة في المشروعات الثورية لتحويل المجتمعات الأخرى وفقًا لنموذج أيديولوجى عالمى واحد، وذلك لأن هذا هو ما حاولت الشيوعية السوفييتية فعله فى جميع أنحاء العالم، ولكن تورطت روسيا فى سلسلة من الكوارث المُروِّعة المُكلِّفة، وهكذا رأى الروس (بشكل مبرر) أن مشروع الولايات المتحدة فى أفغانستان يشبه من نواحٍ رئيسية الجهد السوفييتى فى الثمانينيات، وأنه محكوم عليه بفشل مماثل.

وقد وصلت الخلافات الأمريكية- الروسية في الشرق الأوسط إلى ذروتها مع الربيع العربي عام 2011 والانتفاضات في مصر وسوريا وليبيا، وقد تمثل رد الفعل الروسي على هذه الأحداث جزئيًّا من خلال الرغبة في الدفاع عن الحلفاء القدامى للاتحاد السوفييتي، وفي حالة سوريا فإنها كانت ترغب في الاحتفاظ بآخر قاعدة بحرية لموسكو في البحر الأبيض المتوسط.

ولكن الأهم من ذلك، كان خوف روسيا من أن تؤدي هذه الانتفاضات إلى انتصار القوى الإسلامية المتطرفة وإنشاء قواعد لإحياء الإرهاب في روسيا، والذي أودى بحياة العديد من الضحايا الروس قبل وأثناء الحرب الشيشانية الثانية، كما ازدادت مخاوف كل من روسيا والدول الأوروبية من تنظيم داعش في سوريا بسبب العدد الكبير من المواطنين المسلمين الأوروبيين والروس الذين سافروا إلى دمشق للقتال ثم حاولوا العودة إلى ديارهم.

وقد كانت مخاوف المسؤولين والمحللين الأمريكيين الذين أعربوا عن شكوكهم بشأن ما يسمى الثورات الديمقراطية في الشرق الأوسط والمخاوف من أنها قد تؤدي إلى الفوضى وانتصار الإسلاميين، مُبرَّرَة، وهو ما أظهرته بالفعل النتائج البائسة للربيع العربي.

ويشير تاريخ الشرق الأوسط خلال العشرين عامًا الماضية إلى وجود أساس قوى للتعاون بين واشنطن وموسكو في هذه المنطقة على الأقل، ومع ذلك، فإن تطوير مثل هذا التعاون سيتطلب من صانعي السياسة في الولايات المتحدة الاعتراف، على الأقل لأنفسهم على انفراد، بعدد المرات التى ثبت فيها أن روسيا كانت على حق، وأمريكا على خطأ.

“المصري اليوم”