aren

رواية “محطة دمشق” : سوريا – مابعد الانتفاضة ضمن حبكة جاسوسية
الخميس - 28 - أكتوبر - 2021

\ خاص\

ترجمة و تحرير : التجدد الاخباري– مكتب واشنطن

نشرت مجلة الـ”فورين بوليسي” الامريكية المرموقة ، مقالا (استعراضيا) للكاتب ، دوغلاس لندن، بعنوان : (الجاسوس الذي كان بإمكانه إنقاذ سوريا)، يستعرض من خلاله، رواية العميل السابق في الاستخبارات المركزية الامريكية، (ديفيد مكلوسكي) ، والتي صدرت مؤخرا باسم : “محطة دمشق”.

https://foreignpolicy.com/2021/10/24/cia-novel-damascus-station-assad-syria-obama-red-line/?tpcc=recirc_latest062921

“قال الجنرال (ديفيد بترايوس)، المدير السابق لوكالة المخابرات المركزية عن هذه الرواية : محطة دمشق ، هي أفضل رواية جاسوس ، قرأتها في حياتي”.

هنا،النص

احمِ عميلك . هذا هو المهم”، كان ذلك يدور بذهن “سام جوزيف”، وسط كمّ هائل من المشاكل الشخصية ، والمهنية ، بينما يلوح في الأفق ، خطر، يهدد حياة الآلاف من الأبرياء.

تصوّر رواية الجاسوسية ، المشوّقة : “محطة دمشق”، التي ألّفها محلل وكالة المخابرات المركزية السابق ، (ديفيد مكلوسكي)، بطلها “سام جوزيف”، كشخصية واقعية للغاية. يجب عليه أن يتحكم في مشاعره، ويتعامل مع المتطلبات الإدارية الحكومية الصعبة، التي تتناولها الرواية بدقة، والأشرار الذين يعترضون طريقه.

سيقدّر القراء من منطقة الشرق الأوسط ، الطريقة التي صوّر بها (مكلوسكي)، ثقافة المنطقة وتاريخها، مع التركيز على المشهد السوري. يصوّر (مكلوسكي) للقراء ، مشاهد وروائح وأذواق ومشاعر الناس في دمشق، إحدى أقدم مدن العالم. ربما تعمّد الكاتب أن يجعل الإطار الزمني للراوية ، غير واضح، وتدور الأحداث بعد موجة الربيع العربي ، التي ضربت سوريا لأول مرة في آذار/ مارس 2011.

أجبر اندلاع العنف، وعدم الاستقرار، السفارة الأمريكية في دمشق على الإغلاق في شباط/ فبراير 2012، واشتدت لاحقا حدة العنف بين قوات النظام والثائرين، وهو الإطار،الذي تدور فيه الأحداث.

بغض النظر عن الدقة الزمنية للأحداث، فإن (مكلوسكي)، يستمد أفكاره من هذه الأحداث، وغيرها من الأحداث السابقة، مثل : اختطاف وتعذيب وقتل الضابط الأمريكي “ويليام باكلي”، وهو رئيس مركز تابع لوكالة المخابرات المركزية في بيروت، على يد تنظيم “حزب الله” سنة 1984 . يلمّح الكتاب أيضا إلى اختفاء الصحفي الأمريكي المستقل “أوستن تايس”،الذي اختُطف في ضواحي دمشق بتاريخ 13 آب/ أغسطس 2012 -على الأرجح- من قبل قوات موالية للحكومة.

أصبحت محنة (تايس)، قضية سياسية ، استفادت منها إدارة ترمب في الفترة من 2018 إلى 2020، حيث زعمت أنها تبذل قصارى جهدها ، لتحريره من قبضة الحكومة السورية، بينما كانت القناعة السائدة داخل المخابرات الأمريكية ، هي أنه قد مات منذ فترة طويلة. وبالمثل، حاولت إدارة “بايدن”، الاستفادة من قضية (تايس)، لكن موقفها كان أكثر تركيزا على توضيح مصيره، بدلا من الإشارة إلى أنه ربما يكون على قيد الحياة، أو أن إطلاق سراحه ، ما يزال ممكنا.

يشير (مكلوسكي) أيضا إلى اغتيال “عماد مغنية”-وهو قائد سابق في حزب الله مسؤول عن مقتل مئات الأمريكيين والإسرائيليين- بالعاصمة السورية دمشق في 12 شباط/ فبراير 2008، من خلال تصوير عملية قتل أمريكية قانونية لشخص مصنف على أنه “إرهابي”. تتوافق التفاصيل العملياتية مع ما نشرته الصحافة الأمريكية آنذاك، حين أكدت أن الموساد ووكالة المخابرات المركزية ، تعاونا في عملية اغتيال مغنية، وأنهما نفذا هجومهما من خلال تفجير سيارة مفخخة بدقة في ضاحية سكنية بدمشق.

هذه الأنواع من العمليات -كما يصورها (ماكلوسكي)- لا تهدف إلى القتل من أجل الانتقام ، أو حتى تحقيق العدالة، بل للدفاع عن النفس -بناء على تحذيرات استخباراتية مؤكدة عن هجمات وشيكة- وهي عمليات مطلوبة لحماية المدنيين.

يصوّر (مكلوسكي) ، الأشرار في روايته بشكل غير واقعي، مثل الأشخاص السيئين الذين نراهم في هوليوود، وهي شخصيات ضرورية لخلق المزيد من التشويق، لكنه يرسم أبطال الرواية -مثل جوزيف وعملاء وكالة المخابرات المركزية والعدو السوري الرئيسي- بشكل أكثر تعقيدا. شخصياته قادرة على ارتكاب أعمال عنف مروعة ووحشية خلال أداء مهامهم أو أثناء حماية أحبائهم وزملائهم، لكنهم يظهرون بشكل إنساني ودود في إطار عائلي، ويلتزمون بالقواعد، ويساعدون الآخرين بسخاء.

أنا شخصيا اندمجت مع قصص الإرهابيين ، وأفراد الشرطة السرية الذين يحبون عائلاتهم ، ويبكون عندما مشاهدة الأفلام الحزينة. في الواقع، ينقل (مكلوسكي) الجوانب الإنسانية والعاطفية التي لا تنسجم بتاتا مع أعمال القتل الوحشية، في انعكاس غامض للمفارقة بين “الصواب والخطأ”.

قد نلاحظ أن استخدام الرئيس السوري “بشار الأسد” للأسلحة الكيماوية ضد شعبه في قلب الرواية. ورغم أنه ليس شخصية محورية في الرواية، فقد وُصف الأسد بمهارة. لكن الوصف الأكثر دقة ، يتمثل في حجم تأثير الأسد في حياة السوريين، سواء الخاضعين بالقوة لنظامه القمعي، أو من يقاتلونه حتى الموت ، سعيا لإنهاء حكمه.

    أصبحت روسيا وإيران ، أكثر قوة وجرأة على توسيع وجودهما ، وتأثيرهما على حساب الولايات المتحدة، مما أدى إلى تغيير الموازين الإقليمية بشكل جذري وتشجيع حلفاء الولايات المتحدة لاتباع استراتيجيات جديدة بهدف حماية مصالحهم.

كعمل خيالي، تقدم رواية (مكلوسكي)، بديلا عن الأحداث الواقعية، عندما تخلى الرئيس الأمريكي السابق (باراك) أوباما عن “الخط الأحمر”، الذي رسمته الولايات المتحدة، أي التهديد باستخدام القوة العسكرية ، إذا ضرب الأسد شعبه بأسلحة كيماوية. ورغم أن المخابرات الأمريكية ومختلف المنظمات الدولية ، أكدت أن الأسد استخدم الأسلحة الكيماوية في أواخر 2012 وأوائل 2013، إلا أن الصور المروعة للهجوم على الغوطة بغاز السارين في آب/ أغسطس 2013، والذي أسفر عن مقتل أكثر من ألف شخص، لم يكن كافيا لتتدخل الولايات المتحدة عسكريا ضد الأسد.

أتذكر اجتماعا محرجا في آب/ أغسطس 2013 مع رئيس جهاز استخبارات إحدى دول الشرق الأوسط، التي كانت تدعم بشكل سري وعلني ، جهود الإطاحة بالأسد. عندما أتذكر ذلك الاجتماع، أشعر بالدهشة لأن رجاله لم يطردوني من المكتب عندما كنت أحاول أن أشرح له كيف أن الولايات المتحدة لم تتخل عن الشعب السوري وعن حلفائها. بقي الرجل مهذبا ومتحضرا ، رغم الغضب الذي تملكه بشكل واضح من آرائي حول سياسة الرئيس أوباما فيما يتعلق بالاعتماد على روسيا ، والوسائل الدبلوماسية ، كحل أقل عنفا لمواجهة تهديد استخدام الأسلحة الكيمياوية.

والواقع، هو أن الولايات المتحدة فتحت الباب أمام تدخل روسيا وإيران في سوريا بما عزز قبضة الأسد ونظامه ، وأدى إلى سنوات أخرى من المعاناة للشعب السوري. لم تعد التهديدات الأمريكية ذات مصداقية، ورسمت صورة متذبذبة للولايات المتحدة في خضم الصراع. اعتمدت استراتيجية الولايات المتحدة على الخطاب والدعم العلني المحدود للمقاومة، والمساعدات السرية غير الكافية للثوار.

كانت الاستراتيجية ، تعتمد على أموال دول الخليج العربي، والمساعدات اللوجستية التركية، عبر تسليم الأسلحة والدعم التدريبي لمعارضة خارجية مفككة إلى حد كبير، اختارت فيها الولايات المتحدة ، العناصر الأقل جدارة وكفاءة.

بالنسبة لأولئك الذين يريدون إلقاء نظرة واقعية على كيفية عمل جواسيس وكالة المخابرات المركزية، لن تخيب الرواية أملكم. بصفتي مسؤولا فنيا عملياتيا ، قضى 34 سنة في العمل مع إدارة العمليات التابعة لوكالة المخابرات المركزية، تابعت عددا من كبيرا من الأعمال والروايات غير الواقعية، مثل “هوملاند” أو “24” أو سلسلة أفلام جيمس بوند، لكنني شعرت من خلال هذه الرواية ، بأن (مكلوسكي)، استطاع أن يقترب من الواقع بشكل كبير.

لقد أبدع (مكلوسكي) في وصف مشاعر أبطال روايته، وهو بالنسبة لي أكثر أهمية من كيفية تصويره لما يحدث في الاجتماعات السرية. عملاء المخابرات في رواية مكلوسكي متحمسون ومندفعون، وفي بعض الحالات، مهووسون بمهامهم وقدراتهم. إنها ليست مجرد وظيفة بالنسبة لهم، بل هي حياتهم.

على افتراض أن شخصا في مكان ما، يراقب كل تحركاتك، فلا توجد “أيام عطلة”. لكن رغم التحديات والمهام المختلفة، والمخاطر المهنية الشخصية، هناك شعور لا يصدق بالقوة. لديك الوقت اللازم لسرقة أغلى أسرار خصمك رغم أنفه، دون أن تترك له أي أدلة ليعرف ما الذي حدث.

لكن مثل الأشرار، فإن بطل رواية “محطة دمشق” إنسان . والبشر- حتى ضباط المخابرات المدرّبون جيدا- يرتكبون أخطاء. من أدبيات العمل في وكالة المخابرات المركزية “عدم الوقوع في حب عميلك”، لكي تبقى دائما موضوعيا ومتيقظا وتفهم دوافع عميلك ومدى صدق تقاريره الاستخباراتية وإمكانية تسرب العدو من خلاله. يجب إعادة تقييم العميل وإعادة تجنيده في كل اجتماع لأن الأخطاء واردة.

الحياة المزدوجة للعميل ، هي حقيقة مخيفة، ولكن هناك مستوى من الانفصال مطلوب من ضابط المخابرات رغم المظهر الذي يجب إظهاره للعميل بشكل مستمر، وهو أنهم محور حياتك والصديق العزيز الذي يمكن اللجوء إليه. أظهر (مكلوسكي)، بطله جوزيف ، جاسوسا واثقا وخبيرا، وفي الوقت ذاته إنسانا ضعيفا ، وحقيقيا يجب عليه في نهاية المطاف اتخاذ القرار الصحيح.

“محطة دمشق”، هي رواية مكتوبة بشكل جيد، تجمع بين الإثارة والحب، والجوسسة، والوقائع التاريخية المتعلقة بـ(سوريا)، والربيع العربي. أي عنصر من هذه العناصر بمفرده، يجعل الرواية تستحق القراءة، أما كل هذه العناصر مجتمعة، فتجعل منها رواية رائعة.

……………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………..

ديفيد مكلوسكي – محلل سابق في وكالة المخابرات المركزية ، وهو مستشار في شركة ماكينزي (آند) كومباني. أثناء وجوده في وكالة المخابرات المركزية، عمل في محطات ميدانية بجميع أنحاء الشرق الأوسط ، وقدم إحاطة لكبار مسؤولي البيت الأبيض ، والعائلة المالكة في العربية السعودية. يعيش في (تكساس).

دوغلاس لندن – هو ضابط عمليات كبير سابق في وكالة المخابرات المركزية، ورئيس مكافحة الإرهاب في جنوب وجنوب غرب آسيا. يدرّس في جامعة جورج تاون ، وهو باحث غير مقيم في معهد الشرق الأوسط ، ومؤلف كتاب “وجهة نظر حميمة في عالم التجسس الذي يصور تحول وكالة المخابرات المركزية بعد 11 سبتمبر”.