aren

“رواية الولادة” تحت “راية داعش” … عندما تحكي قابلة أشبال “دولة الخلافة الاسلامية ” …
الإثنين - 30 - أبريل - 2018

 

 

“مع زوجها ” ، في منزلهما بالرقة

\التجدد\ ترجمة خاصة – مكتب بيروت 

ضمن سلسلة تحقيقات أنجزتها صحيفة ال(واشنطن بوست) الامريكية ، بعنوان : ” سوريا \ تأملات من أرض محطمة ” ، تستكشف خلالها كيف تأثر السوريون ب(الثورة ، القمع ، والأمل في ولادة جديدة) . نشرت مؤخرا الجزء الثاني من هذه السلسلة ، وفيه تسلط الضوء على” قابلة سورية ” ، تروي قصتها مع مواليد تنظيم الدولة الاسلامية .

” قابلة داعش” ، تحقيق صحفي اعدته ال”واشنطن بوست”، عن القابلة في الرقة السورية (سميرة النسر) ، والتي ساعدت في توليد آلاف الأمهات خلال أربعة عقود بالمدينة ، وعملت خلال سيطرة داعش بالمساعدة في توليد زوجات المقاتلين بالتنظيم ، حيث روت “سميرة ” لمراسل الصحيفة الامريكية ، عن تجربتها – قبل عامين – باعتبارها قابلة تنظيم “الدولة الإسلامية”.

تحقيق ال”واشنطن بوست” ، سيصف (سميرة) بأنها صاحبة وجه ناعم ومسيرة مضنية ، ولكنها امرأة فخورة ، تعرف حرفتها واعتادت على الاحترام ، كما أنها تمتلك لسانا حادا ، وقد اعتادت على إعطاء الأوامر ، كما التقطت لها الواشنطن بوست ، صورة وهي في غرفة معيشتها بالرقة مع زوجها حسن الحمام (67 سنة) . أما منزلها فقد زين بوسادات أرضية ملونة ، وسجادة مشكلة على الطراز الفارسي.

ووفق ما سجلته (سميرة) من مشاهد ، ما تزال تحفر بذاكرتها خلال السنوات الطويلة لممارسة مهنتها ، أنها لم تشهد مثل ما شاهدته بعد لحظات من توليد إحدى زوجات المقاتلين بتنظيم الدولة \ داعش ، إذ أصر الزوج على أن يرتدي طفله ، فور خروجه من رحم أمه ، زيا عسكريا ، صممه خصيصا له .

وأعلن الأب بفخر ، أن ابنه سيكبر ليصبح مقاتلا إسلاميا ، لكن سميرة رفضت طلبه ، وأقنعته بعدم استخدام الزي العسكري لأن القماش كان خشنا ، ولا يستطيع جلد الطفل الرقيق أن يتحمله.

تقول سميرة (66 عاما)  : إنها أُجبرت على المساعدة في ولادة عدد لا يحصى من أطفال أسر التنظيم ، وأنها عاشت أكثر اللحظات خصوصية مع زوجاتهم المعزولات . وتابعت بإنها (الآن) تفكر بالوقت الذي أمضته كقابلة بالدولة الإسلامية ، حيث تتصارع أفكارها مع أخلاقيات أفعالها.

يلفت التحقيق ، الى أن منزل (القابلة السورية ) ، نجا إلى حد كبير من الدمار الذي اصاب منازل الجيران . حيث ماتزال تعلق على جدرانه لافتة ، شوهتها ثلاث ثقوب من الرصاص . تعلن عن خدماتها ، وتحمل اسمها (أم علاء) ، وهو لقب اكتسبته بعد ولادة ابنها ، الذي سيصبح طبيبا في الرقة.

Raqqa-March2018-01356

منزل القابلة (سميرة – أم علاء ) في الرقة

وتشير (القابلة سميرة ) الى أنها ما زالت تفكر بالدور الذي قامت به ، لمساعدة “الخلافة” على تحقيق هدفها المعلن “بالبقاء والتوسع” . فقد قالت : إنها حاولت في البداية مقاومة العمل مع الأزواج في الدولة الإسلامية ، لكن عواقب عدم التعاون سرعان ما أصبحت واضحة : السجن ، أو الاعدام الذي سينفذ في الساحة العامة. من ناحية ثانية ، قالت ، أجبرت على العمل لحساب الدولة الإسلامية ، وتصرفت كأي شخص في منصبي ، يشعر بالتزام أخلاقي ، من خلال تقديم الرعاية الطبية لأطفال عاجزين ، وبلا لوم.

تضيف سميرة ، بينما كان يتم تقديم خدمات جناح الأمومة لهم بشكل (مجاني ) من قبل الحكومة السورية ، فان المسؤولين بالدولة الإسلامية ، بدأوا يفرضون رسوما مقابل هذه الخدمات في المستشفى ، لرفع إيرادات الدولة المدينة الوليدة . لقد فرضوا ما يعادل حوالي (20 ) دولارا للولادة العادية و( 50 ) دولارا للولادة القيصرية.

زوج (سميرة) ، وهو مدرس للغة العربية ، متقاعد ، سيسجن لبضعة أيام ، بعد أن حاول التوسط بين شرطة الأخلاق التابعة للدولة الإسلامية – داعش ، وجارتهم التي رفضت قانون داعش الصارم .

وبحسب معد التحقيق لل”واشنطن بوست” ، فان كلام القابلة (سميرة) ، يشكل “شهادة من الداخل” ، عن جانب من جوانب حياة أعضاء التنظيم ، لم يستطع أي إنسان خارج دائرة التنظيم ، قد شهده ، فقد أمضت 3 سنوات ، منذ سيطرة أعضاء التنظيم على المدينة عام 2014 ، عهد خلالها داعش اليها ، بولادة أشبال “دولة الخلافة الإسلامية” ، وتذكر أنها كانت تتلقى العديد من المكالمات الى منزلها وفي كل الساعات ، حيث كانت مشاعرها “تتحول من الخوف إلى الغضب وإلى العجز” ، بينما كانت تتنقل بسيارات الأجرة ، وبرفقة مسلحين بين منازل أعضاء التنظيم ، معظمهم أجانب .

RAQQA, SYRIA, MARCH 8: Destruction seen in an affluent neighborhood of Raqqa. The central area of the city was the most heavily damaged as the military operation to expell the militants last year surrounded the city from all sides, gradually pushing the remaining militants to the center. (Photo by Alice Martins/For The Washington Post)

أحد أحياء “الرقة” الراقية

وهي تتذكر آخر مرة بشكل واضح . في الأيام الأخيرة من معركة طرد مقاتلي داعش في تشرين الأول \ أكتوبر ، تم استدعاؤها إلى منزل أحد المقاتلين الصوماليين وزوجته اليمنية. كانت المرأة بالفعل في المخاض ، ولديها جرح ينزف في الرأس. حيث أخبرها المقاتل أنه كان يركب دراجته النارية بسرعة عالية ، لتجنب الضربات الجوية للتحالف الذي قادته الولايات المتحدة ، وأن زوجته سقطت من على ظهر الدراجة .

وقالت القابلة ، إن أعضاء التنظيم وزوجاتهم ، لم يكونوا يحترمون مهنتها ، إذ كانوا يعاملونها كمجرد مقدمة لخدمة ، كأي خدمة ، وليس ممارسة لمهنة ذات بعد إنساني ، تتضمن الرعاية والرفق بالبشر ممثلين بالمواليد ، وأمهاتهم.

وأضافت ، أن أطفال أعضاء التنظيم ، كانوا يعاملون أيضا مجرد وسائل للاستغلال في الفيديوهات الدعائية ، التي تعرضهم للتباهي بتعدد أصولهم وأعراقهم، إذ نجد بينهم ( الأوروبيون والآسيويون والأفارقة ) ، وهم يدرسون تعاليم التنظيم أو يلعبون أو يتدربون على السلاح. وهناك أشرطة فيديو أخرى ، تظهر صبية مراهقين يعدمون أشخاصا يعتبرون (مرتدين ) أو ( أعداء ) .

وقالت إن زوجات المقاتلين في الغالب ، تتراوح أعمارهن بين (13) و(18) عاما، وكثير منهن سوريات ، وإن الآباء والأمهات يصرون على ضم المولود قويا وإرضاعه من ثدي أمه ، حتى قبل قطع الحبل السري، وفي الغالب تقوم الأم بهمس بعض الأدعية باللغة العربية أثناء ضم الوليد بقوة لصدرها .

وتروي سميرة مشاهداتها عن الآباء ، الذين كانوا يمنعون من إعطاء زوجاتهم أي أدوية لتهدئة ألمهن أثناء المخاض ، إذ تقول إن بعضهن تستمر فترة الطلق لديهن حوالي (10 ساعات ) دون المواد الأفيونية (المسكنات ) أو مرخيات العضلات ، والتي كانت قد اعتادت (سميرة) على إعطائها للأمهات ، قبل مجيء تنظيم الدولة .

وفسرت القابلة السورية هذا المنع ، بخوف المقاتلين من أن تسمم زوجاتهم وأطفالهم ، رغم أنهم كانوا يقولون لها ، إن المهدئات تخالف الشرع ، الذي يبشر الأمهات بأجر عظيم ، لقاء صبرهن عند الولادة . وتوضح أنها كانت ممنوعة من إعطاء الزوجات والأطفال حتى ماء الشرب ، إلا بعد أن يسكبه الزوج بنفسه في الكوب .

وحكت سميرة أنها وبعد أن توطدت سيطرة داعش على الرقة أواخر 2014 ، جاء إليهم جارهم (الكردي) ، ليبلغهم بأنه مطرود من المدينة، وحل محله بالمنزل رجل (كيني الجنسية ) وزوجته ، وأبناؤه الثلاثة “بالغون” ، وزوجة أحد الأبناء الألمانية الجنسية .

وانتشر بين السكان ، أن هذا (الكيني) هو المسؤول عن شؤون الأرامل بالتنظيم وأن اسمه (أبو وليد) ، وبعد أيام قليلة من استقرار أسرة أبو وليد بالمنزل المجاور، استدعى سميرة للمجيء لمنزله ، الذي أصبح يسمى “بيت الأرامل” ، اذ رفضت سميرة بحجة أنها أصبحت كبيرة السن وضعيفة ، وتخلت عن مهنتها ، حيث رفض أبو وليد حجتها ، وأصر على أن ترافقه إلى منزله .

ووجدت سميرة داخل المنزل ، عددا كبيرا من الحوامل ومن جنسيات دهشت لكثرة تباينها ، فهناك ( تونسيات ، سعوديات ، مصريات ، يمنيات ، صوماليات ، مغربيات ، أيرلنديات ، فرنسيات ، ألمانيات ، روسيات ، تركيات ) وأيضا نساء من القوقاز ، ودول أفريقية لم تستطع (سميرة ) معرفتها ، وقالت انه كان يتم ضربها من قبل الزوجات السوريات ، بينما على مدى السنوات الثلاث ، ستلاحظ (سميرة) أن الزوجات السوريات لم يتجاوزن سن 18 عاما أبدا ، وهو مثال يوضح كيف أن حكام الرقة الجدد ، ومعظمهم من الأجانب ، قد سلبوا كل شيء .

وقالت القابلة السورية : إنها لا تتذكر عدد الأطفال ، الذين ساعدت على ولادتهم خلال سيطرة تنظيم الدولة على الرقة لفرط كثرتهم ، وكان كل طفل تخرجه من رحم أمه ، تتمنى أن يكون الأخير.

أما ابنها (الدكتور علاء) ، ففي عيد ميلاده الأربعين في تشرين الأول \ أكتوبر ، كان قد توجه (علاء) إلى الرقة خلال قصف جوي ، لتقديم الرعاية الطبية للضحايا. وقد توسلت (سميرة) إلى ابنها ألا يذهب ، لكنه قال لها : إنه سيكون “إهانة له كطبيب لعدم مساعدة المحتاجين”. وبينما كان علاء يعالج الناجين من غارة جوية سابقة ، سيتم قصف المبنى الذي كان فيه . قتل علاء ، وستقول (سميرة )  لل”واشنطن بوست ” ، وهي تبكي : ” قلبي مظلم . ألمّي عميق”.