aren

رسالة ماجستير في “سيد قطب” : لقيط لحظة تناقضات تاريخية
الأحد - 28 - نوفمبر - 2021

التجدد\\

مايلي: رسالة “ماجستير” ترصد الانحراف فى أفكار مُنَظِّر الإرهاب ومرجعه الأول في العالم العربي والاسلامي ، انه \سيد قطب\ حيث نستعرض تلك التحولات والانحرافات من خلال الدراسة ، التي جاءت تحت عنوان : «سيد قطب والأصولية الإسلامية»، وهي لـ” د. شريف يونس”، أستاذ التاريخ بجامعة (حلوان)، نشرتها -سابقا- الهيئة العامة للكتاب في مصر (قبل سنوات).

وعندما تبحث عن المرجعية الرئيسية للتنظيمات الإرهابية والمتطرفة كافة، ليس في المنطقة فقط، بل والعالم أجمع، ستجد كل الطرق تؤدي إلى (سيد قطب). إذ تمثل أفكار قطب ، تمهيدًا نظريًا وحركيًا لميلاد كل التنظيمات والجماعات الإرهابية الموجودة اليوم ، والتي تهدد سلم العالم ، ومنطقتنا على وجه الخصوص. كما، ويعد “سيد قطب”، لقيط لحظة تناقضات تاريخية \ منظر الإرهاب الأول، وأفكاره ، تعد الذخيرة الأهم التي تستخدمها تنظيمات الإرهاب في صدر المجتمع ، وتجنيد عناصرها.

الحرب هنا محورها «الأفكار» وليست الذخيرة ، والأسلحة. انطلاقًا من ذلك، فإن رصد انحرافات “سيد قطب”، هو تناول لظاهرة الأصولية الإسلامية في مصر و(المنطقة)، حيث تعتمد تلك الجماعات في موقفها من العالم على نفي دور العقل، واستسلام الفرد والمجتمع في تناول قضاياه لسلطتهم المطلقة من دون أي مناقشة. حيث يتطرق الباحث للنشأة المضطربة لـ «قطب»، وصولًا إلى التحولات الكبرى وانحرافاته الفكرية فيمابعد.

من خلال دراسة حياة وفكر “سيد قطب” ، تقدم الدراسة ، تصورًا لطبيعة أفكاره على مدى مراحل عمره، التى تركت أثرًا عميقًا على مشروعه فى التنظير للإرهاب. وتقدم الدراسة ، طرحًا مهمًا لفهم تناقضات “سيد قطب”، وتناقضات اللحظة التاريخية ، التي نشأ فيها، وانتشرت أفكاره، محاولة لفهم وتشخيص المشكلة، التي وقعنا فيها لسنين طويلة حتى نستطيع تجاوزها في وقتنا الحالي.

يتوقف الكاتب عند المواجهة الأولى لـ”سيد قطب” مع المجتمع، والتي تشكل نقطة محورية في حقده عليه ، وشعوره بالاغتراب، حيث كان شاعرًا جاء من الريف ، لكنه لم يستطع تحقيق أحلامه ، أو التعايش مع المدينة ، وفشل في تحقيق مكانة – اعتقد أنه يستحقها- سواء في عالم الأدب ، أو في المركز الوظيفي في وزارة المعارف.

\ هنا أبرز نقاط الدراسة \

صدمة عاطفية حولته لإرهابي!

وسط مواجهات “قطب” مع المدينة، كان هناك فشل أكبر في حياته – كما يشير الكاتب- فشل في أعمق تجاربه الإنسانية بعلاقته العاطفية الوحيدة مع واحدة من بنات المدينة، لم يقدر على مواجهة قيمها المتحررة بالنسبة لقريته الصعيدية، فازداد تمزقه الداخلي ما بين الميل إلى التأقلم مع مفاهيم الحضارة الحديثة ، وبين رؤيته التقليدية للمرأة ، ومعاييره للحكم على أخلاقها.

بحسب الدراسة المتتبعة لخطوات “قطب”، تركت تلك العلاقة ، التي فشل فيها ، أثرًا كبيرًا فيمابعد على موقفه الفكري الأصولي من المرأة على وجه الخصوص، ومن القيم الحديثة والحضارة الغربية بشكل عام.

 خاض بعد ذلك ، تجربة سفره إلى الولايات المتحدة ، موفدًا من وزارة المعارف لتطوير مناهج التعليم في بعثة أُثير حولها الكثير من الشكوك والتساؤلات؛ فمهمة «إصلاح التعلم» كانت وما زالت حتى اليوم ، هدفًا لحركة الإخوان للسيطرة على مناهج التعليم والثقافة في جميع البلدان العربية، لكنها كانت مواجهة فاشلة أيضًا مع مجتمع أكثر انفتاحًا. وكأن “قطب” حول غضبه من الفشل في تلك المواجهات لقنابل مفخخة ،وطلقات في صدور المجتمع فيمابعد ، لينتقم لنفسه.

الانتقال من الأدب إلى الأصولية

يرصد الكتاب انتقال “قطب” من الأدب إلى الأصولية، حيث تخلى عن طموحاته الأدبية التي لم تكلل أبدًا باليقين، واهتم بالإصلاح الاجتماعي، مع إنشاء وزارة الشئون الاجتماعية عام 1939، وبدأ الكتابة في مجلتها «الشؤون الاجتماعية»، في ظل روح عامة علمانية ، تطالب بتحقيق إصلاح اجتماعي لكن بشرط إبعاد الجماهير عن السياسة.

وخلال مقالاته بمجلة الشئون الاجتماعية، طرح رؤيته الشاملة والتي يفرض فيها دوره في إعادة هندسة العالم، متجاهلًا تنوع المجتمع وتكويناته المختلفة والمتشابكة، فقط يحاول تفصيل عالم على حجم معتقداته وعقده ، كـ(ريفي) لم يستطع مواجهة المدينة.

آمن “سيد قطب” في تلك الفترة بضرورة العمل السياسي من أجل تحقيق مشروع أسماه «المجتمع المتوازن»، وبدأ في إدانة تعدد الأحزاب، ثم تمرد على النظام ككل عندما شعر بعدم قدرته على تحقيق أية مكاسب.

موقفه من الفن والمرأة

عكست مقالات “قطب” في تلك الفترة تصوراته عن الفن، وطالب بتشديد الرقابة على الإنتاج الفني لخدمة أفكاره، فضلًا عن تطرقه لفكرة استخدام رجال الدين في المساجد للتأثير على قطاع أكبر من الجماهير مما يساهم في انتشار فكرته.

فكرة “قطب” عن المجتمع ، تقوم على عقول موحدة ومبرمجة على استبعاد المرأة بحيث يقتصر دورها على الأعمال المنزلية ، وفقًا للنمط الواحد ، الذي يجب أن يكونوا عليه، وهي الأفكار التي روج لها دعاة الجماعة الإرهابية طوال سنوات، وحاولوا تنفيذها عند الوصول للحكم.

وبشأن تحول “قطب” من الأدب العلماني إلى تكفير المجتمع . يرى الكاتب أن ذلك لم يكن تناقضًا في شخصيته أو أفكاره ، لكنه التطور الطبيعي لشخصية “قطب” الذي اعتبر الأدب ، خادمًا لقضيته ومصالحه ، وليس هدفًا في حد ذاته، وهو ما يتضح من محاولته لإعادة تشكيل ثقافة موحدة للجماهير، أو من خلال دعوته فيمابعد إلى «أدب إسلامي» ليخدم أفكاره.

البداية الحقيقية للشيخ سيد

بدأ “قطب”، تاريخه كداعية إسلامي ، محاولًا أن يجمع حوله القوى السياسية باختلاف طوائفها سواء الحزب الوطني الجديد أو الاشتراكيين في حزب مصر الفتاة والإخوان.

لكن تلك الفترة ، كشفت تناقضًا كبيرًا في شخصيته، فهو الذي هلل للضباط الأحرار وثورة “يوليو” ، منتظرًا تولي وزارة المعارف ، التي لطالما كانت هدفًا له لتنفيذ برنامجه «الإصلاحي الإسلامي».. كان دعمه في مقابل الحصول على المنصب فقط، وكانت هذه طريقته طوال تاريخه : تحدد منفعته الشخصية أين سيقف ، وأي تيار سيدعم.

 لم يحصل “سيد قطب” على المنصب ، الذي طالما حلم بالحصول عليه كوزير للمعارف، فقرر الانضمام إلى الإخوان، واتخذها طريقًا لمهاجمة السلطة. “سيد قطب” الذي حلم طوال عمره بالسلطة ، والتأثير ، اختار الوقوف في صف الإخوان كـ(خيار استشهادي)، حتى أنه كان دائمًا ما يصف نفسه بـ«مشروع شهيد»، وهاجم كل القوى الوطنية والسياسية ، التي حاول مرارًا وتكرارا ، التخفي خلف عباءتها.

لم تكن هذه المرة الأولى ، التي يهاجم فيها “قطب”، الأحزاب والقوى الوطنية والحضارة الغربية، لكنها كانت الأكثر حقدًا وعنفًا، إذ سبق له أن اعتزل العمل الحزبي في حزب الوفد وغيره، واتهم النخبة المصرية بـ«التغرب ومداهنة الاستعمار وخيانة القضايا الوطنية والتآمر على الهوية القومية والإسلامية».

مرحلة التأسيس للإرهاب

خلال تجربته في الإخوان قام ببناء حزب انقلابي إسلامي «مقاتل» ، سماه «العصبة المؤمنة».وهنا قرر “قطب”، تحويل المواجهة الفكرية إلى حروب عصابات من خلال تبنيه لأفكار (المودودي)، وتطويرها بالآراء الحنبلية والوهابية المتشددة، ليخرج بتوليفته الخاصة المجتزأة والمشوهة للدين ، ويعلن بعد ذلك ، كفر النظام والمجتمع.

 لم تعد مواجهته مقتصرة على سلطة أو نظام، بل أعلن جاهلية المجتمع كله، زاعمًا أن مهمته : هي بناء الإسلام من جديد على مبدأ الحاكمية والدمج التام بين الإسلام والسياسة.  ويعد كتابه «معالم فى الطريق»، الذي نشره من داخل السجن ، دليل عمل الحركة الإسلامية الراديكالية. ويعتبر الكاتب ، هذه المرحلة ، أحد أخطر الانحرافات في أفكار قطب ، حيث تحول (الداعية) إلى (المقاتل).  اعتمدت كل التنظيمات الإرهابية، تعريفه للعصبة المؤمنة ، أو الصفوة باعتبارها الأمة الإسلامية ، المنوط بها إقامة النظام الإسلامي ، ومن حقها أن تغزو العالم كله.

كلهم ، ينفذون مهمة سيد الخبيثة «بإعادة إنشاء الإسلام في الأرض والفصل الحاسم بين الإخوان والعالم باعتبارهم كينونة جديدة تنشأ منفصلة عن جميع التشكيلات الوطنية أو القومية ، أو العالمية».