aren

رحيل المفكر سمير أمين .. نصير فقراء الجنوب \\ كتابة : مهاب نصر
السبت - 18 - أغسطس - 2018

سمير أمين

في كتاب «ثورة مصر»، الصادر في 2011، جامعاً طيفاً من المقالات والمقتطفات للمفكر والاقتصادي الراحل سمير أمين، لفت الأخير إلى سيناريو أكدت الأيام جانباً منه. فبينما كان الإخوان المسلمون في الأشهر الأولى للثورة يبشرون بنظام شبيه بحزب العدالة والتنمية التركي، كان أمين يحذر من أن الخطة «الأميركية» المعدة، هي أن تكون مصر شبيهة بالنظام الباكستاني. كان أمين، بخلاف كثيرين ممن انخطروا في التفسير السريع للانتفاضات العربية، ينظر بعين أكثر اتساعا إلى صراعات القوى العالمية وعلاقات التبعية، فهو سليل الفكر الماركسي الأممي، وأحد المفكرين الذي حاولوا تطوير المقولات الماركسية، ضمن نظريات التابع وعلاقات المركز والأطراف. ومن ثم، ووفقا لهذا التراث بالذات، ارتبط عمله البحثي بجانب نضالي في مواجهة الرأسمالية الجشعة والاستعمار وتوابعه، محاولا أيضا سد الثغرات النظرية في الفكر الماركسي ليلائم أوضاع ما بعد الاستعمار وصراعات الشمال والجنوب والعولمة وغيرها.

رحل سمير أمين مساء الأحد الماضي، تاركاً ذخيرة واسعة من المؤلفات التي تناولت قضايا فكرية واقتصادية وسياسية، حيث حرص أمين، كما غيره من المفكرين ذوي الخلفية الماركسية، على ربط السياسة بالاقتصاد، ورفض فصل فكرة «السوق» عن مسارات صراعات القوة السياسية والعسكرية. كما يعد أمين واحدا من قلة نادرة من المفكرين المصريين والعرب، الذين تجاوزت شهرتهم الحدود، وبات اسمه وقوائم مؤلفاته مدرجة ضمن بحوث ودراسات عالمية كمرجع أساسي.

اليوم، بغياب أمين، ربما تطوى صفحة اتسم فيها الفكر الماركسي بالإصرار على ربط التغيرات الاجتماعية والاقتصادية بالصراع ضمن التطور الرأسمالي وقواه المادية، حيث نجد أنفسنا الآن أمام عالم مختلف تسقط فيه السياسة نفسها أو تحتجب، معيدة إنتاج صراعاتها داخل حقول الهوية والثقافة والصراعات العقائدية والجندرية.

لم ينظر أمين إلى دولة «الاستقلال الوطني» بثقة زائدة، بل إلى كيفية تشكل النخب الوطنية والدولة القومية في دول ما بعد الاستعمار كامتداد مستور للهيمنة. كما لفت كغيره إلى مزاعم العولمة الوهمية، التي أثبت الوقت بأسرع من المتوقع، كم أن وعودها بحرية اقتصادية واسعة وتعاون عالمي وفتح لكل الأبواب ذهبت أدراج الرياح.

باحث مجدد

وقد نعى حبيب الصايغ، الأمين العام للاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب، المفكر الراحل معتبراً إياه أحد أبرز الشخصيات الثقافية المصرية، التي أضافت إلى رصيد الثقافة العربية الكثير من الأسماء والإنجازات.

وقال الصايغ إن المفكر المصري الكبير عمل مستشاراً اقتصادياً يى عدة دول أفريقية، مثل مالي ومدغشقر، كما عمل مديراً لمعهد الأمم المتحدة للتخطيط الاقتصادي IDEP بداكار بالسنغال طوال سنوات السبعينات، وشارك في تأسيس منظمات بحثية وعلمية أفريقية، مثل المجلس الأفريقي لتنمية البحوث الاجتماعية والاقتصادية (كوديسريا)، ومنتدى العالم الثالث.

وأكد الأمين العام للاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب أن الثقافة العربية بمفهومها الواسع الجامع خسرت خسارة فادحة برحيل أمين، المفكر الذي إنحاز إلى الفقراء، وساهم في تنمية اقتصادات دول فقيرة في أفريقيا، والذي تصدى لمقولات عديدة سائدة عن التنمية والتحديث وخطط المؤسسات المالية الدولية، روجتها القوى الرأسمالية العالمية، لتبرر بها الاستيلاء على موارد دول الجنوب في أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية، حيث قدم أمين مجموعة من القراءات لعدد من القضايا الأساسية، مثل العلاقة بين المركز والاطراف، التبيعة والعوالم الأربعة، ومحاولة لتجديد قراءة المادية التاريخية وأنماط الإنتاج.

سيرته ومؤلفاته

ولد أمين عام 1931 في إحدى قرى الدلتا لأب مصري وأم فرنسية، كان كلاهما طبيباً، وعاش معظم طفولته في بورسعيد، ليحصل عام 1947 على شهادة الثانوية العامة من مدرسة فرنسية، ويغادر إثر ذلك إلى باريس، التي استغرقت دراساته الجامعية فيها 10 سنوات، حصل خلالها على شهادة دبلوم في العلوم السياسية عام 1952، قبل أن يحوز شهادة التخرج في الإحصاء عام 1956، ثم الدكتوراه في الاقتصاد من جامعة السوربون بعد عام من ذلك.

لم يمكث أمين وقتاً طويلاً في فرنسا قبل أن ينضمّ إلى «الحزب الشيوعي الفرنسي»، حينما كان طالباً في جامعاتها عام 1951، غير أنّه كان أقرب إلى أفكار الجناح الماوي (نسبة إلى ماو تسي تونغ، مؤسس الحزب الشيوعي الصيني) من الجناح الماركسي السوفيتي في الحركة الشيوعية.

من أهم مؤلفاته: «دراسة في التيارات النقدية والمالية في مصر عام 1957» (1959)، و«التبادل غير المتكافئ وقانون القيمة» (1973)، و«الأمة العربية: القومية وصراع الطبقات» (1978)، «ما بعد الرأسمالية» مركز دراسات الوحدة العربية ــ بيروت 1988، و«من نقد الدولة السوفيتية إلى نقد الدولة الوطنية» (1993)، و«في نقد الخطاب العربي الراهن» (2009).

“القبس “