aren

رحل و في نفسه شيء من “باب الحارة” !! \\ بقلم : د.فؤاد شربجي
الإثنين - 24 - يناير - 2022

الراحل بسام الملا

في عزّ البرد بالشام ، رحل “بسام الملا”، متدثراً بسيرته الإبداعية ، بعدما لاعب الموت وشاغله بحكايات عن الحارة ، لأكثر من عشرين عاماً ، تغلب فيها على المرض بالفن ، والإنتاج.

واليوم ، تودع الشام ، أنموذجاً من المبدعين، شق طريقه من دون شهادات عليا أو أكاديميات. وقد تدرج ترقياً في إخراج الدراما التلفزيونية ؛ درامية كانت أو برامجية ، معتمداً على المثابرة والإبداع الفطري، ولا أعرف كيف استطاع أن يبدع فرجة تلفزيونية ، تشع بجاذبية فنية مبدعة ، تشد الجمهور ، وتجعله متسامحاً عن بعض المعاني التي لا تقبلها حقيقة الحارة الشامية.

بالفعل ، كان “بسام الملا”، مبدع فرجة تلفزيونية ، بكلاسيكية حيوية لافحة ، مع تحقيقه واقعية لافتة في بعض أعماله.

تشاركت مع بسام ، أول مسلسل درامي أخرجه ، و بسبب صداقتنا ، أعطيته ليقرأ ما كتبته في نص مسلسل ( الخشخاش) ، فأصّر على إخراجه، وسعى لإيجاد منتجٍ مناسب.

وبالفعل ، استطاع الوصول بإخراجه إلى معاني نص (الخشخاش) ، حيث كانت المخدرات في المسلسل، المعادل الفني للفراغ الفكري والقيمي ، الذي يفتح الباب للطمع والاستحواذ والنهب ، وصولاً إلى القتل ، والتدمي ( الإرهاب).

وبإخراجه لمسلسل (الخشخاش)، سجل بسام نفسه ، مخرجاً واقعياً للدراما التلفزيونية بشكل مبدعٍ ، ومؤثر ، وجذاب ، قبل أن يبتعد بعيداً عنها في أعماله اللاحقة.

قبل أكثر من عشرين سنة ، دخل بسام في غيبوبة ، وأجريت له أكثر من عملية جراحية ، وأثناء ذلك ، كتبت عنه زاوية صحفية ، قلت له فيها ( لا تخف ستنجو ، لأنك مثلي … محظوظ على قلة دين- كما يقول المثل-).

وبعد شفائه ، ظل يردد المثل : (محظوظ على قلة دين). ولكني أخطأت بقولي ، فقد كان (محظوظاً بإبداع فطري) ، جعله مخرجاً متفوقاً بين مخرجي الصف الأول ، ورغم سيل الملاحظات و الانتقادات لأعماله ، شكل “بسام الملا”، علامة فارقة ، فيما قدمه.

آخر مرة ، كنت معه على غداء , قبل شهور، قال لي بحرقة ( باب الحارة لي … ، والله باب الحارة لي) ، وكانت حرقته بسبب أنه لم يستطع أن يكمل مسلسله الأشهر، بشكل يعيد للحارة معناها الإنساني الاجتماعي الحقيقي …

وللأمانة, فقد جاءني قائلاً : ” أتمنى أن تقبل عرضي ، أريدك أن تكتب لي الجزء العاشر من باب الحارة ، لأنني أريد أن أنتقل بالمسلسل إلى صيغة أفضل في تقديم الحارة وأهلها”. وكان متشوقاً و متحمساً لأن يقدم إحساسه الحقيقي بالحارة , ومعانيها, ومعاني أهلها.

وبالفعل ، أنجزنا صيغة في الكتابة ، حافظت على عناصر العمل الأصلية ، وارتقيت بالمحتوى الإنساني الاجتماعي التاريخي للحارة ، وبالبناء الدرامي ، وحشد بسام للتنفيذ كل مايلزم ، ولكن بسبب خلاف تجاري إنتاجي مع شركة أخرى ، حُشدت عناصر كثيرة لتجهض ما خطط بسام لإنجازه ، و تقديم صورة حقيقية لـ”باب الحارة” ، وهذا ما خلّف حرقة في نفسه. جعلته يقول : ( معقولة لما بدي قدم الحارة على حقيقتها بيمنعوني ؟!!) ، ويختم لوعته بالقسم : (والله باب الحارة إلي).

رغم كل ما حققه من أعمال ، ستبقى من كلاسيكيات الدراما التلفزيونية ، رحل وفي نفسه شيء من (باب الحارة) . غصة ، لعدم تمكنه من إكماله كما أراد ، وحضّر ، وجهّز.

ونحن في لحظة فراقه ، لا نصدق أنه غاب ، ومازلنا نظن أنه سيكمل “باب الحارة”، كما أراد .

(رحم الله بسام) . وعوّضه عما كابده من ألم ، ومرض ، وخيبة . خاصة أنه رحل وفي باله ، وأمله ، أعمال كثيرة.

“تشرين “السورية