aren

رحل «طيب تزيني» وبقي مشروعه الفكري الجدلي \\ كتابة : سمير مرقص
الخميس - 23 - مايو - 2019

 

بعد هزيمة 1967، انشغل الفكر المصري والعربي بسؤال محورى هو: لماذا هُزمنا؟ ، في هذا السياق تعددت محاولات الإجابة وزواياها المختلفة ، فبعضها عنى بالمراجعة التاريخية مثل: لويس عوض في «تاريخ الفكر المصري الحديث». وأحمد صادق سعد في: «التكوين الاجتماعي والاقتصادي لمصر منذ الفراعنة وحتى محمد علي». وبعضها الآخر ركز على إعادة فهم الشخصية المصرية وهويتها مثل: جمال حمدان في «شخصية مصر».

ومحمد العزب موسى في: «وحدة تاريخ مصر» ، والبعض الثالث اهتم بإعادة فهم العقل العربي، فكانت مساهمة زكي نجيب محمود الرائدة: «تجديد الفكر العربي» ، كما كانت هناك مراجعات اقتصادية معتبرة مثل التي أنجزها عادل حسين في مجلديه: «الاقتصاد المصري من الاستقلال إلى التبعية» ، وشكلت هذه الإجابات مرجعا فكريا ثريا لانطلاق العديد من المشروعات الفكرية ، التي من شأنها أن تسهم في «بعث النهوض وتجاوز التخلف والتأسيس لتقدم جديد».

ومن المشروعات الفكرية المبكرة «الجريئة»، و«العميقة»، و«الضخمة» في آن واحد ، المشروع الفكري الذي أنجزه المفكر السوري «طيب تزيني» الذي رحل عن دنيانا في 18 مايو ، فلقد شرع في كتابة عمل فكري متعدد الأجزاء (اثني عشر جزءا) تحت عنوان: «مشروع رؤية جديدة للفكر العربي منذ بداياته وحتى المرحلة المعاصرة».

كان مشروعه «مزيجا مُضفرا» بين الوقائع والأفكار، التي جرت على أرض الواقع وتبلورت في قيم وتوجهات عبر العصور. قاربهما وهو يأخذ في الاعتبار السياق الاقتصادي وطبيعة العلاقات المجتمعية التي واكبتهما. وكانت مقاربته «نقدية». ساهمت في تفسير كل من: أولا: التاريخ؛ بوقائعه وتفاعلاته وصراعاته التي جرت في لحظة زمنية معينة. وثانيا: «التراث»؛ وما أنتجته من أفكار إيجابية وسلبية في الماضي عبر عصوره المتعاقبة.

والأهم كيف يمكن لنا، في الحاضر، من خلال، ما يطلق عليه «تزيني» الوعي الاجتماعي؛ أن نتواصل أو ننقطع عن التاريخ بما يفيد التقدم من جهة. وفي نفس الوقت نمارس الوجه الآخر من المهمة المركبة، في تنقية «التراث» من قيمه السلبية المعطلة وتحريره من الأساطير المعوقة للإبداع والاجتهاد والتجديد من جهة أخرى.. بهذا المعنى، وبحسب طيب تزيني، «يبرز الوعي الاجتماعي بمثابة ناظم وضابط لمصداقية الدلالات التاريخية والتراثية للوعي التاريخي والآخر التراثي».. في هذا الإطار، جاء عمله/ مشروعه تأسيسيًا وشاملًا وممتدًا.

تناول «تزيني» على مدى أجزاء مشروعه الفكري (بصفحاته الألفية) مايلي: الجذور التاريخية والمعرفية للفكر الفلسفي المادي والمثالي ، ومعالم المشكلة الفلسفية في شكلها المبكر اليوناني. والله، يهوديا ومسيحيا. والفكر العربي الإسلامي الوسيط في حلقاته الأساسية: مجتمع ما قبل الإسلام (الجاهلي) ومعالم الحياة الفكرية في المجتمع القبلي البطريركي (الأبوي).

فالإسلام الباكر ومساره التاريخي ، ثم المجتمع العربي الإسلامي وتحول البنية الاجتماعية الاقتصادية والسياسية للمجتمع العربي ، والعوامل الأساسية في تكوين علم وفلسفة في المجتمع العربي الإسلامي الوسيط وبدايات الفكر الفلسفي العربي ـ الإسلامي.

إطلالة تفصيلية تحليلية على الفلاسفة: الكندي، والفارابي، وابن سينا، وابن طفيل، وابن رشد وابن خلدون، والمقريزي ، وأخيرا استفاض في دراسة بنية النص الديني وكيفية قراءته وتأويله ، كما أفرد جهدا كبيرا في تناول «التصوف العربي الإسلامي»..

ومن يقرأ ما كتبه «تزيني» يجد أنه أمام كتابة رفيعة المستوى، متعددة المستويات: فلسفيا، وتاريخيا، وأنثروبولوجيا، وسوسيولوجيا، ودينيا، وصارمة منهجيا تنم عن وعي تام بمناهج البحث الجديدة ، ورغبة في التحرر من المنهجيات الغربية (الاستشراقية)، والنمطية المحلية لصالح منهجية مستقلة.

لقد استفدت جدا من قراءته مبكرا (منتصف الثمانينيات). وأستطيع أن أقول إن مشروعه: «الجرىء والعميق والضخم»، بالرغم من كل الملاحظات التي تعرض لها، يمثل تحديًا فكريًا كبيرًا، ولا غنى عن الاشتباك معه ـ مجددًا ومع غيره من المشروعات الفكرية ــ إذا ما أردنا بلورة أي مشروع نهضوي تقدمي مستقبلي..

رحم الله الرجل، فلقد كانت مجلداته «مشروع عمره» وكان طموحه أن ينقل بها العقل العربي من السكون إلى الثورة على التخلف.. وكم أتمنى أن يعاد نشر عمله التاريخي الكبير طبعة شعبية على غرار الطبعة الشعبية «للثابت والمتحول» لأدونيس.

“المصري اليوم”