aren

رجب الأول أردوغان والـ”نيوعثمانية” \\ بقلم : مركز المشرق للدراسات الإستباقية*
الخميس - 10 - سبتمبر - 2020

مقام "محي الدين بن عربي" في العاصمة السورية (دمشق )

مقام “محي الدين ابن عربي” في العاصمة السورية (دمشق )

\ ورقة خاصة \

(عندما تدخل “السين” على “الشين” سيعرف مكان قبر محي الدين )

بتلك النبوءة الغامضة نفذ السلطان سليم الأول(سين)،عسكرياً، ما خطط له الإسلام السياسي آنذاك والمعروف بالجهاردية، غزوه لبلاد الشام (شين) وصولاً لدمشق التي قابل من بها من العلماء، فأحسن وفادتهم، وفرّق الإنعامات على المساجد وأمر بترميم المسجد الأموي.

بلغ الترحيب به أن أضاف خطيب الأموي عندما دعا له عبارة “حاكم الحرمين الشريفين”، لكن سليماً فضّل استخدام لقب أكثر ورعاً ، هو “خادم الحرمين” ليصبح أول أميراً للمؤمنين غير عربي.

سليم الاول

السلطان – سليم الاول

إضافة لذلك أمر السلطان بترميم ، وإعادة بناء جامع الشيخ محي الدين (ابن عربي)، وكان ذلك في عام 1518 م، بعد أن رأى الشيخ محي الدين في منامه حيث طلب منه الشيخ بأن يبني له مقاما فوق ضريحه، مؤسساً لعلاقة عثمانية مع الصوفية الإسلامية عموماً والشامية خصوصاً تستمر إلى أن يؤدها (تركيا) تتريك الاتحاد والترقي وعلمانية أتاتورك ، و يبدأ رجب الاول أردوغان احيائها (عثمانيا).

النيوعثمانية

تركيا لنا جميعا. إنها منذ عام 1299م إلى عام 1923 ، كانت دائما تتولد منا نحن” بإصرار –على مستوى الطرح الفكري- أنه يمكن الجمع بين كل ما يُظَنُّ أنه متناقض “أنا حزبي محافظ، ديمقراطي محافظ، أسعى للحفاظ على عاداتنا وتقاليدنا وثقافة الأمة التركية، وأسعى لتطبيق ديمقراطية قوية ومتطورة ولا تقل عن الديمقراطيات في العالم.

بهذه العبارات وضع أردوغان خارطة طريق للنيوعثمانية.وشهدت السنوات الأولى لرئاسته تقدماً في المفاوضات الخاصة بانضمام تركيا إلى الإتحاد الأوروبي، وانتعاشاً اقتصادياً بعد الأزمة المالية في عام 2001 واستثمارات في البنية التحتية. كما نجح في تمرير استفتاءين دستوريين ناجحين في عامي 2007 و2010 وتصالح مع الأرمن واليونان، وفتح جسورا بينه وبين أذربيجان وبقية الجمهوريات السوفيتية السابقة، أعاد لمدن وقرى الأكراد أسمائها الكردية بعدما كان ذلك محظورا، وسمح رسميا بالخطبة باللغة الكردية.

المل السعودي الراحل فهد بن عبد العزيز مع الرئيس الفرنسي الاسبق (الراحل) جاك شيراك ، ويظهر في أقصى يمين الصورة "رفيق الحريري"لصورة فهد والحريري

الملك السعودي (الراحل) فهد بن عبد العزيز مع الرئيس الفرنسي الاسبق (الراحل) جاك شيراك ، ويظهر في أقصى يمين الصورة (الراحل) “رفيق الحريري”.

عربياً :

فصم الغزو الأمريكي للعراق عروة سنية القومية العربية عن البعث العراقي، ومهد طريق أردوغان لإحياء مشروعه كوسط بين الصوفية والجهادية السنية. فعبر منع أردوغان الأمريكيين من استعمال القواعد العسكرية في تركيا لاجتياح العراق 2003 وضع رجب الأول حجر الأساس لنيوعثمانيته، وكان هذا مكسبا مضافاً في تمتين ولاء القاعدة السنية للزعامة الأردوغانية التركية على حساب قومية عربية متنازع على زعامتها بين ناصرية تحتاج إلى حامل يرشدها بعد فقدانها لعبد الناصر وخروج مصر بكامب ديفيد، وبين بعثين أحدهما عراقي حامله الإسلام (السنّي) والآخر سوري حامله الرسالة الخالدة للإسلام. ومع عدم قدرة أي طرف على تحديد ماهية وشروط القومية التي يريد سقط الإجماع حول أي أمر عروبي، بل ساد منطق اللا اتفاق التخويني. وإذا كان غزو العراق قد أطلق النيوعثمانية، فإن إعدام الرئيس السنّي المقاوم للاستكبار والصهيونية (رمزياً) وفي عيد الأضحى أطلق العنان للمظلومية السنية. كما أدى اغتيال رئيس الحكومة اللبنانية رفيق الحريري إلى إجهاض نهائي للمشروع العروبي السنّي، وتحول (العرب السنّة) إلى مستضعفين، ليكون الفاتح رجب الأول حاملاً لفلول الناصريين وبعثيي العراق ومستضعفي العرب السنة باعتبار منجزاته أعلاه.

إلا أن الخلافة النيوعثمانية اصطدمت مع البعثية السورية التي خبرت جيداً الإسلام السياسي، وحافظت (العثمانية بنسختيها) تاريخياً على تعاطف مكبوت من البرجوازية المدنية والصوفية إضافة للدعم المصلحي للجهادية السلفية المدعومة قطرياً.

سكتت دول الاعتدال العربي على النيوعثمانية كون أركان خدمة الحرمين الشريفين ستبقى عربية ولاخوف عليها، وطالما أن النيوعثمانية لا تهددهم، وتتلقى الصدمات عنهم وتقف معهم في مواجهة تصدير الثورة الخمينية والهلال الشيعي بعد صدام حسين. وصلت إلى أن منحته السعودية جائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام لعام 2010، وكذلك تم منحه شهادة دكتوراه فخرية من جامعة أم القرى بمكة المكرمة.

ــــــ استفاد رجب الأول من حقيقة تعامى عنها العرب بأن السنّة هم أمة والأمم تحتاج زعماء، ونقلها للأمة التركية التي تقدر بحوالي 175 مليون إنسان يمثلون الشعوب التركية الأوروآسيوية والتي تقيم في شمال ووسط وغرب أورآسيا، وتتكلم لغات تنتمي إلى عائلة اللغات التركية، وتتشارك فيما بينها بنسب متفاوتة في سمات ثقافية وتاريخية محددة. (يستخدم مصطلح “تركTurkic ” للتعبير بشكل واسع عن مجموعة الإثنيات اللغوية لهذه الشعوب، مثل: الآذاريون والكازاخ والتتار والقيرغيز والأوزبك والتشوفاش وأتراك الجمهورية التركية والتركمان والإيغور).

ولقيادة هذه الأمة فإنه يحتاج إلى رمزية دينية بدأها من أولى القبلتين لتحويل القضية الفلسطينية من قضية عربية إلى قضية إسلامية، حيث حذرت مراكز دراسات إسرائيلية من التغلغل التركي في القدس، متخذاً شكل جمعيات خيرية على رأسها منظمة IHH ومنظمة تيكا، وأفاد مسؤولون أمنيون إسرائيليون  إن الدولة العبرية على دراية تامة بالموضوع وتعيره المزيد من الإهتمام في الآونة الأخيرة. وكشفت صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية بأنّ السلطة الفلسطينية -التي أيدته لاحقاً في قضية آيا صوفيا- والأردن والمملكة العربية السعودية، حذروا “إسرائيل” مرارا من تنامي حجم النفوذ التركي في القدس المحتلة.

اختيار أردوغان لأولوية القدس ، أربك العلاقة المرتبكة أصلا بينه وبين إسرائيل، فتركيا التي اعترفت بدولة إسرائيلية في فلسطين عام 1949 مشكلة سابقة إسلامية، تحالفت معها كدولة ناتو للوقوف في وجه الإتحاد السوفيتي في حينها، وتعاونت معها في المجالات العسكرية والاستراتيجية، والدبلوماسية التي وصلت إلى تأسيس سفارة في 1952. لكن الخيار التركي الكمالي-الأميركي-الإسرائيلي لم يلغ استمرار الأصوات المناهضة لإسرائيل والتي تعتبرها دولة احتلال، وتربط استقرار المنطقة بانسحاب إسرائيل من الأراضي الفلسطينية التي احتلتها في حرب1967، والتي قادها حزب “الرفاه الإسلامي”

بدءا من العام 2008 وفي أعقاب حرب غزة وحادثة السفينة “مرمرة” اتخذ الخلاف شكل الصراع، وتحضيراً لانتهاء مدة معاهدة لوزان (التي تعرضت لانتقادات مفادها إن الأتراك تخلوا عن قيادة المسلمين ورضوا بقطعة صغيرة من الأرض)، عاد الأتراك إلى هاجس الزعامة الإسلامية التي تجسدت إخوانيا في حركة حماس. التقط الأتراك سريعاً رغبة حماس في التعبئة الدينية ، التي تلتقي مع مصالحهم بدلاً من التعبئة القومية  ليتصاعد الدور التركي سياسياً واجتماعياً ودينياً من خلال:

1ـ تخفيض أسعار تذاكر الطيران إلى القدس وإدراج المسجد الأقصى ضمن برنامج المعتمرين الأتراك قبل التوجه إلى المدينة المنورة ومكة المكرمة، بقرار من هيئة الشؤون الدينية التركية في عام 2015.

2ـ تنفيذ بعض الأنشطة والفعاليات من قِبل الجمعيات الخيرية التركية الناشطة في جميع أرجاء العالم، مثل تقديم وجبات الإفطار للصائمين والمعتكفين في المسجد الأقصى طيلة أيام شهر رمضان، وإقامة الأمسيات الثقافية، ومبادرات غرس الزيتون في القدس والتي دعت لها جمعية “الشباب الواعد في تركيا”. حيث كان رأس الحربة في تنفيذ هذه النشاطات هي حركة حماس.

3ـ على المستوى السياسي محاولة تأليب الرأي العام العالمي على مجمل القرارات المتعلقة بفلسطين كصفقة القرن ونقل السفارة الأمريكية إلى القدس، وآخرها طرد السفير الإسرائيلي من أنقرة بصورة مُهينة في أعقاب المجزرة التي نفذها الاحتلال بحق المتظاهرين على الحدود في قطاع غزة في مايو/أيار 2018.

4ـ بحسب نشطاء فإن شركة ليماك التركية التي فازت بعقود تصميم وبناء السفارة الأمريكية في القدس بمبلغ 21 مليون دولار هي شركة مملوكة لرجل أعمال تركى مقرب من أردوغان يدعى حمدي آكين.

تحاول تركيا تأمين الدائرة الاستراتيجية القريبة منها والمتمثلة بدرة الامبراطورية العثمانية ، وهي بلاد الشام لما لها من قيمة دينية ومعنوية. القضية الفلسطينية التي طالما فشل العرب في الحصول على أدنى الحقوق بها ، ولكن تركيا عادت للإمساك بزمامها وارتأت أن تفتتها لتعود إلى تجميعها وفقاً لأولوياتها بدءا من ورقة القدس الشرقية.

العروبة التي فشلت بمنع تهويد القدس ، لم تمانع  بأخونتها على يد الأتراك، حيث لم تنجح العروبة ومفاعيلها التاريخية بإعطاء العرب الأمان الذي فقدوه منذ أيام الخلافة العثمانية. وفي ظل القطيعة الفكرية والعقائدية والقومية بين العروبة والعرب وإذا تحولت القدس إخوانيا فسوف تفقد ميزتها العروبية، وهو بالضبط ما عمل عليه بنجاح رجب الاول.

على إثر إزاحة الإخوان في مصر بدعم سعودي توترت العلاقات بين دول الخليج وتركيا مما جعل إسطنبول عاصمة المعارضين العرب وبالمقابل شمرت الإمارات عن ذراعي محمد دحلان للمواجهة التي تجلت بالاشتراك في محاولة الانقلاب الفاشلة 2016.

محمدبن سلمان

ولي العهد السعودي – محمد بن سلمان

أما سعوديا فكانت طاقة الفرج مع انتخاب الرئيس ترامب وسياسته ضد إيران والموالية للسعودية التي دفعت ما عليها، وبعد أن نأت قطر بنفسها عن السعودية، نجحت السعودية بضم تركيا والإخوان إلى “مثلث شر” واحد مع إيران، حسب ما أشار ولي العهد السعودي (محمد) بن سلمان.

نتج عن ربط إيران بتركيا والإخوان أن توسعت رقعة الصراع حيث اختصت الإمارات بسوريا وليبيا ونالت السعودية العراق ومصر. وقد اتهمت الإمارات العربية المتحدة تركيا بـ”السلوك الاستعماري والتنافسي” عن طريق “محاولة الحد من سيادة الدولة السورية” من خلال وجودها العسكري في سوريا. واستمر تدهور العلاقات بعد أن شارك وزير خارجية الإمارات العربية المتحدة، عبد الله بن زايد آل نهيان، تغريدة تدعي أن تركيا سلبت المدينة المنورة خلال الحكم العثماني. ورد أردوغان من خلال وصف نهيان بـ”الرجل السفيه” الذي كان “مدلل بالنفط”.

بعد ذلك، ذكر أنور قرقاش، الدبلوماسي الإماراتي، أن “النظرة الطائفية والحزبية ليست بديلاً مقبولاً، وأن العالم العربي لن تقوده طهران أو أنقرة” وعليه تم توزيع الصراع لمحورين  تركيا اختصاص اماراتي وايران حصة السعودية ، هذا الأمر رسخ مفهوم إسلامية الصراع الإسلامي الإسرائيلي على حساب العربي الإسرائيلي، عبر محورية القضية الفلسطينية ورمزية القدس.

والأكثر من ذلك فقد حجم أردوغان منظمة التعاون الإسلامية عبر عقد مؤتمرات سنوية بمشاركة إيران وباكستان وماليزيا وقطر وإندونيسيا تعالج قضايا الإسلاموفوبيا  والإسلام والمعاصرة ، وقد احتل رجب طيب أردوغان المرتبة الأولى في قائمة الـ “500 شخصية مسلمة الأكثر تأثيرا” بنهاية عام 2019 .

قضية آيا صوفيا، هي رسالة لتثبيت فكرته حول الأمة التركية القادرة وهي موجهة برمزيتها لشعوب الأمة التركية في كافة بقاع العالم وللمستضعفين للعرب لإفهامهم أنه لا مستضعفين سنّة بعهد رجب الأول، وبذلك يكون قد ضمن الدنيا والآخرة ، فإذا فقد السيادة بقي الزعيم الروحي.

الرئيس التركي رجب اردوغان

الرئيس التركي – رجب اردوغان

خاتمة

من ليبيا إلى المشرق بات من الواضح أن الرئيس التركي قد نجح في استقطاب أطياف واسعة من المستضعفين ويعزى نصف النجاح له والنصف الآخر يمنح بجدارة للقوميين العرب بمحاباتهم للترك  في سبيل قضاياهم التي هم بين بعضهم مختلفون عليها فبدلا من تحديث قوميتهم أضحوا أداة في المشروع النيوعثماني أسوة بحلفائهم الإخوان المسلمين (بني يعرب لا تأمنوا الترك بعدها‏ بني يعرب ان الذئاب تصول‏)، إضافة لعدم انفتاحهم على الأقليات الدينية والإثنية التي تعيش في كنف الوطن العربي  واعتبارهم من الأغيار فكيف سيتقبلهم الآخر طالما يتعاملون مع الكل ومن ضمنهم جامعة الدول العربية على هذا الاعتبار وقضية سامي كليب احد الامثلة.

ويجب على الدول العربية الفاعلة العمل على استقطاب سوريا و احياء مفاهيم البعث السوري لتنوعه وانفتاحه على مختلف الأطياف وعاصمته قلب العروبة النابض لإعادة لم شمل العرب على مصطلحات عصرية قبل فوات الآوان .

تَنَبَّهُـوا وَاسْتَفِيقُـوا  أيُّهَا  العَـرَبُ        فقد طَمَى الخَطْبُ حَتَّى غَاصَتِ الرُّكَبُ

فِيمَ  التَّعَلُّـلُ بِالآمَـال  تَخْدَعُـكُم        وَأَنْتُـمُ بَيْنَ  رَاحَاتِ  القََنَـا  سُلـبُ

*مركز يعنى بالدراسات المستقبلية قيد التأسيس والاطلاق

هذه المقالة تعبر عن رأي صاحبها