aren

راهنية “سبينوزا” عربياً وإسلامياً … نقد اللاهوت والسياسة \\ بقلم : نبراس دلول
الأربعاء - 7 - مارس - 2018

 

Spinoza

 

يبدو كتاب ” رسالة في اللاهوت والسياسة ” مهملاً على رفوف المكتبات ، غبار القرون يغطي الملامح الأولى لولادة عصر العقل والعقلانية في العالم ، حتى أن الكتاب ومؤلفه لم يمرا ولو مرور الكرام ضمن منهاج الفكر السياسي الأوربي المعاصر في كلية العلوم السياسية حيث درست، هذا على الرغم من الأبواب الموصدة بإحكام التي فتحها هذا الكتاب لتدخل من خلاله الكثير من أشعة الحداثة والعقلانية وتضئ بها ليل أوربا والعالم الحالكان بالسواد.

فالكتاب الذي وضعه الفيلسوف الهولندي باروخ سبينوزا عام (1670) ، ونشره بدايةً تحت إسم مستعار، قد صُنف وللأسف فقط ضمن الدراسات الفلسفية المجردة ، هذا على الرغم مما يحويه بين دفتيه من منهاج ومقاربات فكرية هامة ، تساعد على تطوير أكثر مايهم المجتمعات عبر التاريخ ، أي النظم السياسية التي يعيش فيها الإنسان ويتفاعل من خلالها مع غيره ، والفكر الديني الذي يهيمن ، لا بل في أحيان كثيرة يحدد، علاقة هذا الإنسان بالأخرين كما بالسلطة السياسية وبالدولة.

وهذا تحديداً ماتحتاجه اليوم منطقتنا ، وعموم المجتمعات الإسلامية التي تعيش نكوصاً حضارياً رهيباً بدأ بالإستبداد السياسي قبل عقود وانتهى اليوم إلى الرجعية الدينية والفكر التكفيري ، الذي يمارس الذبح والقتل والمجازر بحق الأفراد كما بحق الجماعات الدينية والمذهبية المتنوعة ، كما يمارسه أيضاً بحق بعضه بعضاً.

وهذا حقيقةً ماكان الدافع وراء إعادة قراءة فكر سبينوزا ، ومحاولة تقديمه في هذه المادة ، لما لذلك من أهمية حيوية في تدعيم التيار العلماني الديمقراطي في سوريا والمنطقة ، لتأدية مهمته التاريخية القائمة على عقلنة علاقة الإنسان بالدين ( وبالأيديولوجيا الوضعية أيضاً) وتالياً علاقة الدين بالسلطة والدولة ، وصولاً لدمقرطة السلطة السياسية ، ونقلها من حيز الإحتكار إلى حيز التداول السلمي.

طبعاً ، لايمكن في هذه العجالة تقديم كل فكر سبينوزا ومواقفه ونقده واستنتاجاته ، لذا نحن هنا فقط نحاول تقديم المفاتيح الأولية والإشراقات الأساسية في فكر سبينوزا، وذلك للأهمية الكامنة في ضرورة التسلح به في النضال من أجل مجتمع علماني ديمقراطي.

فسبينوزا الذي خصص كتابه لمناقشة ونقد اللاهوت اليهودي بالدرجة الأولى والأساسية ، وعرج في بعض تعميماته وشواهده على اللاهوت المسيحي وقليلاً جداً على التراث الإسلامي ، لم يكن ليستطيع أن يُشمل جميع التاريخ اللاهوتي في العالم بين دفتي كتاب ، إلا أنه استطاع وبشكل خلاق ، وضع مفاتيح أساسية لفهم أي لاهوت منظم وأي تراث ديني ، لا بل وأي فكر إنساني يتصف فيه امتزاج الواقع بالأسطورة ، و الخرافة ، وبتشويهات أصحاب السلطات عبر التاريخ.

يهم القول هنا : ان فكر سبينوزا لم يك وليد الصدفة ، فهو إبن القرن السابع عشر ، الذي شهد بدايات النقد التاريخي للكتب المقدسة ( مع ريتشارد سيمون وجاك أوستريك وغيرهم) ، وللنظم السياسية ( مع جون لوك وغيره).

كما أن سبينوزا لم يكن حبلاً مقطوعاً ، بل كان حلقة في سلسلة طويلة ، قد تكون بدأت بشكل واضح مع ديكارت ، إلا أن سبينوزا أضاف عليها الكثير لدرجة أنه يعد الحلقة الذهبية في تلك السلسلة.

فرغم استفادة سبينوزا من المنهج العقلي ، الذي أرسى دعائمه رينيه ديكارت، إلا أن قصور ديكارت في تطبيق منهجه ، قد جعل من سبينوزا الديكارتي الأول في العالم ، حتى قبل ديكارت (نفسه) . !

فقد طبق سبينوزا ، منهج ديكارت ذي المراحل الأربع على المواضيع ، التي استبعدها ديكارت ذاته ، أي الدين واللاهوت والسياسة ، وأيضاً المجتمع وعاداته . إذ لا ننسى هنا أن ديكارت ، قد أعلن في كتابه المهم ” مقال في المنهج ” ، أنه يطيع قوانين بلاده وعاداتها ، وأنه سيبقى على الدين الذي كرمه الله به ونشأ فيه !! هذا إضافةً إلى أن ديكارت قام بإهداء كتابه ” تأملات في الفلسفة الأولى “، إلى رجال اللاهوت وأساتذته.

أما سبينوزا، فإنه سيحمل منهج ديكارت ليطبقه على كل الحقول أعلاه، خصوصاً منها الحقلين الأهم، أي حقل اللاهوت وحقل السياسة ، لكن كيف يرى سبينوزا ، الصلة بين هذين الحقلين ؟

إن الدين الذي يشرحه سبينوزا وينتقده ، ليس هو الحالة الإيمانية لدى الناس ، ولا علاقتهم بالقوة الخفية التي يسمونها الإله، بل هو الدين الذي ينشأ عنه سلطة لرجال الدين – والتي تأخذ مسميات وأشكال مختلفة في كل دين- يحتكرون تفسير النص المقدس وتوجيه إيمان الرعية ، ويعتبرون أنفسهم سدنة الدين ، إذ يحاربون كل إيمان فردي أو لا إيمان، بالإضافة إلى محاولاتهم الدائمة للحفاظ على رونق مزعوم للدين من خلال تقديس الحرف وتراث الأولين ، دون النظر فيه من الناحية التاريخية ونقده.

إذاً ، يبدو سبينوزا هنا واضحاً في هدفه ، فهو لا يراجع النص الديني والتراث التاريخي وأحداثه القديمة الممتزجة به من باب الترف الفلسفي، وإنما كون الدين كما نلاحظ ينشأ عنه سلطات، منها السلطة الإجتماعية وأيضاً السلطة السياسية، وهذه الأخيرة لاتقف عند حدود الدين اليهودي – موضوع بحث سبينوزا-  وإنما نراه خصوصاً في بقية الأديان التوحيدية.

فسلطة الكنيسة ، ولكونها تعبيراً عن وحدة الدولة المسيحية في القرون الوسطى ، لدرجة طاعة الملوك والأمراء لها وطلبهم الإعتراف بشرعيتهم من خلال خطب ودها ، يقابلها سلطة الخليفة في الإسلام الذي يجمع بين ماهو ديني وماهو سياسي.

كما أن مؤسسة الخلافة هنا ، لاتختلف عن سلطة الكنيسة ، فهي أيضا تعبير عن وحدة الدولة الإسلامية ، ومنها يستمد الولاة والسلاطين شرعيتهم ( راجع مقالنا : في أسباب الأحكام السلطانية ولاراهنيتها – موقع رأي اليوم ). إن كلا السلطتين بنظر سبينوزا ، وكونهما قائمتين على الإحتكار ، فإنهما يميلان بالضرورة لنشر الخرافة ومحاربة العقل ، والحرية الفردية.

ويطرح سبينوزا في هذا السياق ، استفساره الإستنكاري الأهم، وهو كيف أن لدولة أن تنتصر لمذهب على مذهب، إن كان في الدين أو في السياسة؟ إن هذا الإستنكار الخلاق عند سبينوزا ، هو حقيقةً نفس الإستنكار الذي لازلنا نطرحه في دول العالم الثالث عموماً ، والدول ذات الخلفية الإسلامية خصوصاً.

فحتى أيامنا المعاصرة هذه، لازالت هناك دول قائمة على فكرة الحزب الواحد أو الحزب القائد أو الزعيم الأوحد، كحال الدول الشيوعية سابقاً وبقاياها اليوم، وأيضاً حال الديكتاتوريات غير اليسارية في الدول العربية وأميركا اللاتينية.

كما أن هناك دولاً لازالت قائمة على أنها لحماية الدين ورعايته ونموه خصوصاً في العالم الإسلامي كالسعودية وإيران بشكل واضح ، وباكستان وأفغانستان والسودان بشكل أقل وضوحاً، مضافاً إليهم إسرائيل.

وطبعاً لاننسى أن هناك حركات سياسية ، تتبنى نفس الفكرة ، ولها انتشارها الكبير ك(داعش) و(القاعدة) و(جبهة النصرة) ، وهذه كلها تحاول إحتكار الدين لتصل فيمابعد إلى إحتكار السياسة ، فهي كلها بطبيعة الحال تجليات معاصرة لاستنكار سبينوزا للدولة القائمة في عصره ، أي الدولة التي يحتكرها الكهنوت و الحاكم الفرد المطلق.

إن هذا الواقع الذي يستنكره سبينوزا في سطور، قد احتاج منه لصفحات بالمئات لدحضه وإثبات عكسه ، فاحتكار السلطات السياسية قائم على إحتكار السلطة الدينية ، وكلاهما يتغذيان من بعضهما البعض ، لذلك كان لابد من ضعضعت كل الأسس التي تقوم عليها السلطة الدينية، وأهمها إحتكار التفسير وتوجيه الإيمان الجمعي للمواطنين، والتي هي أهم مايريح الحاكم المطلق، أي السيطرة على الجماهير بلغة عصرنا.

وهنا ، يبدأ سبينوزا بالإستخدام الخلاق لمنهج ديكارت ذي المراحل الأربع والتي تبدأ ، كما هو معروف، بالشك بكل مايعرض أمامنا ، ثم ينتقل إلى تحليل النبوة والأنبياء والمعجزة ، وغير ذلك الكثير مما ورد في التوراة والتراث اليهودي.

وكلمحة سريعة عما ذهب إليه سبينوزا في كل ذلك، نورد تشكيكيه في نسب الأسفار الخمسة إلى موسى، فبالنسبة لسبينوزا ، يستحيل أن يكون موسى هو من كتب تلك الأسفار، وأن كتابتها جاءت في مراحل لاحقة ومتباعدة بعد حقبة موسى،  وذلك لأسباب عديدة منها : أن الأسفار كتبت بصيغة الغائب لا بصيغة المتكلم – الأسفار تقارن مابين موت موسى والحزن والعويل عليه مع موت الأنبياء اللاحقين له – الكثير من أسماء الأماكن المذكورة في تلك الأسفار تختلف عن أسماءها زمن موسى – تستمر الأسفار بالسرد لتغطي أزمنة لاحقة على موسى.

تهم الإشارة هنا ، إلى أن تشكيك سبينوزا في نسب الأسفار الخمسة إلى موسى ، لم يكن الأول في التاريخ، فقد قال به أيضاً ابن (عزرا) ، لكن بحجج مختلفة.

طبعاً، إن ماذهب إليه سبينوزا بهذا الشك وهذه المقاربات ، يمكن اللجوء إليه وتطبيقه بسهولة في معالجة السيرة النبوية عند المسلمين بالإضافة إلى الأحاديث وقليلاً على القرآن . وهذا بالفعل ماقام به عدد كبير من المثقفين والمفكرين في العالمين العربي والإسلامي، وهذا ليس فقط لناحية صحة الأحاديث والمرويات من عدمها ، وإنما أيضاً لتناقضها مع القرآن ، الذي يفترض به أنه أعلى مكانة ومرتبة من الأحاديث والمرويات.

كما أن جمع القرآن ، قد تم بعد موت (محمد) على زمن (عثمان) ، بينما جرى تنقيطه على زمن (علي)، وهذان بحد ذاتهما ، يشكلان دافعين للبحث والتمحيص في الجمع وماتم جمعه وكيف؟ وفي التنقيط وشكل الحروف ، وإمكانية تغير المعنى ، بتغير التنقيط.

لا يدحض سبينوزا ظاهرة الدولة ، التي تجمع بين السلطتين الدينية والزمنية (الدولة الدينية) خلال تجلياتها في التاريخ القديم ، بل بالعكس، فهو يبرر وجودها في مراحلها الأولى.

وسبينوزا بذلك يقدم أهم مقاربة عقلانية على الإطلاق ، فهذه الدولة عنده كانت ملائمة لفترة زمنية معينة  هي تحديداً فترة إمتزاج النبوة بالملك، ووضوح هذه النبوة وهذا الملك عند الناس، أي هي فترة دولة العبرانيين زمن موسى ، الذي كان ممثلاً بيناً للإله بإجماع شعبه في تلك الفترة.

وبحسب فهم سبينوزا ، فإن الحاكمية الإلهية قد انتفت بعد زمن موسى ، وذلك لإنتفاء هذا الوضوح وهذا الإجماع في علاقة الشعب بربه لغياب النبي المرسل المحمل بوحي إلهي. من هنا تماماً تتصلب دعوة سبينوزا لفصل الديني عن المُلك، ولإعطاء الناس حرياتها الدينية والسياسية.

تأخذنا مقاربة سبينوزا تلك ، لدحض ظاهرة لطالما انتشرت في منطقتنا في العقود الماضية . فلو أردنا مثلاً – وبشكل قد يطور مقاربة سبينوزا ذاته- النظر إلى عدد كبير من العلمانيين العرب والمسلمين الذين يحاولون تأصيل العلمانية من خلال التراث الإسلامي القديم ، فإنهم للأسف يجنحون إلى تقويل القدماء مالم يقولوه أو يمارسوه أو يقصدوه.

وهذا أشد مانراه أيضاً في محاولات تأصيل حقوق المرأة في التراث الإسلامي ، خصوصاً دولة المدينة والخلافة الراشدة. فمايذهب إليه هؤلاء يوحي بأن دولة المدينة كانت دولة علمانية بالمقاييس المعاصرة لا بمقاييس ذلك الزمان، وأن محمد والخلفاء الراشدين كانوا من أصحاب الثقافة النسوية !!

ينسى هؤلاء ، ومعهم مسلمون متدينون يحاولون إثبات إنفتاحهم ، أن العلمانية والنسوية ، (هما) مفهومان معاصران ، لايمكن تأصيلها بقدر مايمكن إثباتهما من خلال ما أوصلنا إليه تاريخ العالم الديني والدولة الدينية من حروب ومجازر، ومن خلال ضرورة وجودهما لتلبية متطلبات العصر الحالي.

فالعلمانية والنسوية ، مثالنا هنا، لم يكونا بشكل من الأشكال على جدول أعمال القرون القديمة، وهذا أمر لا يضير يسوع المسيح ولا محمداً ودولة المدينة، كما لايضير دولة العبرانيين التي يتخذ منها سبينوزا مادةً للدراسة.

فمن يعاين التاريخ الإغريقي القديم ، ويمجد النبوغ العقلي لفلاسفته ، سيصدم عندما يرى رأي أرسطو الذكوري جداً في المرأة ، وهو رأي رجعي يحط من كرامتها ، وكلمة رجعي هنا ليست قياساً بالعصور الحديثة ، وإنما قياساً على رأي فلاسفة أخرين من زمن أرسطو ، ك(أفلاطون).

من كل ذلك ، يستخلص سبينوزا وينهي مقارباته بالتأكيد على أن الحفاظ على سلامة الدولة وقوتها الداخلية لايكونان ، إلا عندما يصبح الدين ، ذا مهمة أخلاقية في المجتمع ، قائمة على الخير والإحسان (قوة روحية) ، وأيضاً عندما تصبح السلطة في ممارستها ، تستهدف توجيه سلوك وأعمال مواطنيها في شؤونهم الدينية والدنيوية، لا سلبهم حريتهم في التفكير والتعبير والسلوك.

وهو مايختصره سبينوزا ، بعدد من المبادئ العامة يمكن إيرادها كالتالي :

8538100

لايمثل التمتع بالحرية الفردية الدينية أو السياسية ، أي خطر على سلامة الدولة ، طالما أن السلطة لاتحتكر تشجيع دين على أخر ولا مذهب على غيره، وبالتأكيد طالما أنها لاتحتكر رأياً سياسياً على غيره – من المستحيل سلب الناس حريتهم في التفكير وابداء الرأي –

لا يهدد الإعتراف بالحرية الفردية هيبة السلطة وحقها – أن يتمتع الناس بحريتهم هذا لايعني تهديداً للحياة الإيمانية وللإيمان – يعجز أي قانون تصدره السلطات على منع التفكير ، قد تمنعهم عن مد ألسنتهم والتحدث لوقت، لكن يستحيل أن تستطيع أي سلطة منع التفكير والتأمل في الأمور النظرية.

لذلك فإن الحريات الفردية – كما يختم سبينوزا – هي ضرورة للحفاظ على السلام المجتمعي في الدولة، وللحفاظ على الإيمان ، وعلى حقوق سلطات الدولة ، وهيبتها.

فالدولة عند سبينوزا لم توجد بغرض السيادة ، وإنما بغرض تحرير الناس من الخوف ، وفتح المجال أمامهم للحياة و للعمل المشترك والبناء والتطوير وتقدم علومهم وفنونهم ، وذلك بغض النظر عن جنسهم ودينهم ومعتقداتهم السياسية، وإنما فقط بشرط عدم إيقاع الأذية بالغير.

ويضرب سبينوزا في ذلك ، مثال مدينة ” أمستردام “ ، التي كانت تمثل قمة الحرية والتطور والإزدهار في القرن السابع عشر، ويدلل على مجمل أرائه بالنظر إلى واقعها كجمهورية يعيش فيها أناس من أديان مختلفة ومذاهب متنوعة وأجناس متباينة ، لكنهم جميعاً، وبفضل من الحرية التي يتمتعون بها، فإنهم يتعاونون في العمل والبناء والتطوير والإزدهار ، وفق إرادة مشتركة لا وفق رأي واحد.

فالدولة الديمقراطية عند سبينوزا ، هي التي لا تحتكر رأياً واحداً ، وإنما تفسسح المجال لكل مواطنيها في أن يبدوا أرائهم من ثم تعمل برأي الأغلبية.

ويقول سبينوزا بالحرف حول هذه النقطة : ” فلما كان الناس يعلمون أنهم لايستطيعون دائماً الإجتماع على رأي واحد، فقد اتفقوا على العمل بالرأي الذي تجتمع عليه أغلبية الناس، وعلى إعطائه قوة القانون مع الإحتفاظ بحقهم في الغاء هذا القرار الأول عندما يجدون ماهو أفضل منه ، وكلما قلت حرية الرأي عند الناس ابتعدوا عن حالة الطبيعة (أي عن النظام الديمقراطي)، واشتد عنف السلطة “.

إن مثال سبينوزا عن مدينة أمستردام ، شبيه بمثال “قرطبة” في التراث العربي الإسلامي، مع فارق كبير وهو أن مثال أمستردام قد جرى تطويره وتأصيله ونشره ، وتعميمه في الوعي الجمعي الأوروبي الغربي الديمقراطي ، بينما مثال قرطبة ، انقطع ولم يجرِ لا تطويره ولا تأصيله ولا تعميمه، ما أحال واقعنا المعاصر إلى واقع قاتم وبائس ، تتصدره منظمات إرهابية تكفيرية ، وأنظمة سياسية شمولية ، تعيش في كنفها ، وبسببها مجتمعات لا تبني ولا تتقدم ولا تزدهر، طالما أنها تفتقر للحرية الفردية والجمعية.

هذه الحرية ، التي قال عنها سبينوزا يوماً، أنها كلما قلت ، كلما ابتعد الناس عن حالة الطبيعة ، واشتد عنف السلطة !!

Nebras-uk@hotmail.com