aren

رأي في فيلم نادين لبكي “كفرناحوم” \\ بقلم : د.كمال ديب
الخميس - 28 - فبراير - 2019

طفل سوري ضحية الحرب في وطنه لنتذكر أنّ هناك ملايين الأطفال السوريين مثل زين بطل الفيلم.

شاهدت فيلم نادين لبكي الجديد “كفرناحوم”، في احدى دور السينما ، هنا في كندا ، وقد كوّنت انطباعاتي الخاصة المتواضعة عنه ، بعيداً عن الآراء الأخرى.

أولاً – أبدأ بالناحية الجيدة. فالفيلم قد أعجبني كثيراً وأفخر أن يصل فيلم لبناني إلى العالمية ، وفرحت لنادين (لبكي) وفريقها هذا النجاح والتفوق على افلامها السابقة ، وأن يكون الفيلم مخالفاً للسائد في صناعة السينما والتلفزيون في لبنان ، فيتعاطى في موضوع الفقر والمناطق العشوائية. وأقول أعجبني ، بنسبة 95 بالمئة.

ثانياً – أختم بالناحية التي لم تعجبني وهي الدقائق الأخيرة من الفيلم. ولو يا نادين؟؟؟ بعد ساعتين من المشاهد والمواقف المؤلمة وصراع الفقراء للبقاء أحياء، يصل الفيلم إلى استنتاج (وعلى لسان الطفل الفقير زين) ، أنّ الحق على الفقراء في مأساتهم ، لأنّهم بيخلّفوا كتير (كثيري الإنجاب).

وهذه النهاية السطحية المخيبة لا تليق بالفيلم ، وأقترح على السيدة (لبكي) ، أن تحذف مشهد المحكمة الأخير وتستبدلها بكلمات مكتوبة وأرقام ، بأنّ ما شاهدناه هو قمة جبل الجليد ، والمخفي أعظم ويستحق ثورة.. ، وكفى.

وصراحة تناقشت مع ابنتي في هذا الأمر ، وكان رأي ابنتي: ماذا ترى نادين لبكي فاعلة؟ هي قدّمت المشهد والباقي يعتمد على ذكاء القارىء ، وإلا دخلت نادين لبكي في مواجهة مع النظام المتوحش الذي يحكم لبنان لأنّ القضية أكبر بكثير من زين وأمه وأبيه ، ولا قدرة لنادين لبكي على ذلك ، وإلا سدّوا أمامها التمويل والتعاون.

نعم أعلم ذلك… ولكن الفيلم كما هو بنهايته.. ذكّرني بنكتة من فيلم طيور الظلام لعادل أمام: عادل إمام يعمل محامٍ ويأتيه جميل راتب بقضية ومعه عشرة صناديق كبيرة فيها ملفات القضية. وفي يوم المحكمة يحضر عادل إمام ومعه وريقة صغيرة ، تكفي لتغليف علكة ، ويعرضها على القاضي منفرداً، فيهز القاضي رأسه ، ويحكم ببراءة جميل راتب ، ويقبض عادل إمام مالاً كثيراً.

يعني برأيي أنّ قضية فيلم كفرناحوم ، التي عرضتها لبكي خلال ساعتين ، هي جبل عملاق من الآلام والأوجاع العظيمة ، وحرام أن تنتهي بفكرة مضحكة ، بأن الحل هو أن على الفقراء ، أن لا ينجبوا.

ودون الدخول في التفاصيل ، فعلى الأقل إنّ فكرة عالم الاقتصاد (مالطوز) حول الإنجاب ، وتوفر الغذاء ، قد ثبت عدم صحتها منذ مائة عام ، ولم يعد أحد فيه عقل يطرح هذا الأمر ، بل هناك أشياء مخيفة وكبرى ، كان يمكن لنادين لبكي ، أن تذكرها في نهاية الفيلم ، دون الإشارة إلى موضوع الإنجاب:

أنّ في لبنان مليون ونصف مليون نازح سوري ، أوضاع معظمهم أسوأ بكثير من أوضاع زين وأهله ، وأنّ في لبنان 300 ألف لاجيء فلسطيني في أوضاع مزرية ، وأنّ الطبقة الحاكمة في لبنان تأكل الأخضر واليابس وهي أصل البلاء والإفقار ، وهي طبقة لا تقدم برامج إجتماعية.

وأنّ ما قدمه الفيلم ، هو نظرة صغيرة ومتواضعة إلى بركان هائل يشكو منه لبنان. وأنّ على الغرب وقف الحرب على سورية التي سببت النزوح ويساعدة الفلسطينيين على العودة إلى بلادهم.

ما زال ممكناً لنادين لبكي ، أن تحذف مشهد المحكمة الأخير ، وتستبدله بنص مكتوب على الشاشة فيه أرقام ومعلومات تعظّم من قيمته. ولنا عبرة بفيلم “هي فوضى ليوسف شاهين عام 2008 ، الذي يحكي عن الفساد والظلم في مصر ، وينتهي في الدقيقة الأخيرة ، بمشهد خروج عشرات ألوف المواطنين إلى شوارع القاهرة في ثورة، وهو ما حصل فعلاً في 25 يناير 2011.

ولذلك ، فيلم “نادين لبكي” ، رائع ، ولكن نهايته مخيبة.

هذه المقالة تعبر عن رأي صاحبها