aren

ذاك الغيم قد اتى بهذا المطر … \\ بقلم : د. جورج نادر
الأربعاء - 12 - يوليو - 2017

دفعتني الأحداث السياسيّة الأخيرة الّتي طرأت في غير بقعةٍ من بلاد العرب (أوطاني)، بما فيها ذلك الاحتراب النّاشب بين القبائل، وذاك الّذي نشب ضمن القبيلة الواحدة، لا بل والفخذ الواحد، والّتي تشي بارتداداتٍ لن تهدأ في المدى المنظور، بل ويمكن القول بأنّها على الأرجح ستعيد رسم تاريخ المنطقة على اعتبار أنّ سياسة الحاضر هي تاريخ المستقبل، تماماً كما كانت سياسة الماضي هي التّاريخ الحاضر…

دفعتني لأن أعيد قراءة تاريخ هذه المنطقة، بعد أن شعرت بأنّ الصّدأ قد اعتلى ذاكرتي حياله في مفاصل كثيرة … فالتّاريخ هو المعلّم الأوّل، أو هكذا يجدر به أن يكون، والسّياسة هي بنت التّاريخ، أو- مجدّداً- هكذا يجدر بها أن تكون.

والأمر المثير للسّخرية، وللأسف أيضاً، أنّ قراءة التّاريخ وإسقاطه على السّياسة قد علّمتني بأنّ قلّةً قليلةً جدّاً في هذه الجغرافيا اللّعينة ، هم من قرؤوا التّاريخ ، ولم أجد مصدراً لأعيد قراءة تاريخ هذه الجغرافيا المعنيّة ، خيراً من الملحمة الخالدة «مدن الملح» للمفكّر  الرّاحل “عبد الرّحمن منيف”…

ومن المفيد أن أشير هنا ، إلى أنّ «مدن الملح» بالرّغم من كونها تندرج ضمن فئة الرّواية، إلّا أنّها وثيقة تاريخيّة مهمّة، لا بل ربّما تكون الأهمّ على الإطلاق بين الوثائق ، الّتي أرّخت لتلك الحقبة.

وأمّا العنصر الرّوائي فيها ، فقد أضفى متعةً قلّ نظيرها على قراءة مثل هذه المواد التاريخيّة الجافّة، دون أن يكون ل(الفانتازيا ) أيّ دورٍ على الإطلاق فيها ، فالوقائع التاريخيّة تمّ سردها بدقّةٍ وأمانة، وهنا تكمن عبقريّة منيف الأدبيّة.

بالطّبع لم يستخدم منيف في ملحمته هذه أسماء الشّخوص وأسماء الأماكن الحقيقيّة، بل استعاض عنها بأسماء وهميّة، وهذا أمرٌ مبرّرٌ، لا بل ولازمٌ أيضاً، في التقنيّة الروائيّة ، لكنّ القارئ لا يحتاج سوى إلى قدرٍ يسيرٍ من الإلمام التّاريخي ، لكي يستدلّ على الشّخوص المقصودين ، والأماكن المعنيّة.

وعدا عن كون تلك الملحمة وثيقةً تاريخيّةً مهمّة ، فقد رصد منيف من خلالها، وبكثيرٍ من الحصافة، التحوّلات الاجتماعيّة الّتي أفرزتها طفرة النّفط على مختلف الأصعدة، كما ألقى الضّوء ببراعة على أدوار السّياسة الامبراطوريّة البريطانيّة أوّلاً، والأمريكيّة لاحقاً، في عمليّة التحوّل من القبيلة إلى الدّولة (أو بالأحرى مسخ الدّولة ) الّتي تزامنت مع الطّفرة النفطيّة.

إضافةً إلى الصّراع بين القوى السياسيّة ضمن العائلة الحاكمة، وكذلك على قوى المعارضة الشعبيّة والعماليّة. من هنا يمكن اعتبار «مدن الملح» ملحمةً ثلاثيّة الأبعاد: تاريخيّة – اجتماعيّة – سياسيّة.

وأستطيع أن أزعم، وبكلّ ضميرٍ مطمئنّ، أنّ «مدن الملح» ، تعدّ من بين أهمّ الملاحم الروائيّة، لا على صعيد الرّواية العربيّة فحسب، بل على صعيد الرّواية العالميّة أيضاً.

عندما سئل “عبد الرّحمن منيف” عن مغزى اختياره لخماسيّته ، هذا العنوان ، أجاب:

«قصدتُ بـ«مدن الملح» ، المدن الّتي نشأت في برهةٍ من الزّمن بشكلٍ غير طبيعيّ واستثنائيّ، بمعنى أنّها لم تظهر نتيجة تراكمٍ تاريخيٍّ طويلٍ أدّى إلى قيامها ونموّها واتّساعها، وإنّما هي عبارةٌ عن نوعٍ من الانفجارات نتيجة الثّروة الطّارئة.هذه الثّروة (النّفط) أدّت إلى قيام مدنٍ متضخّمةٍ أصبحت مثل بالوناتٍ يمكن أن تنفجر، أن تنتهي، بمجرد أن يلمسها شيءٌ حادّ» …

وعدا عن هذا التّكثيف المدهش في عنوان الخماسيّة ككلّ، كان منيف موفّقاً للغاية في اختيار عناوين كلّ جزءٍ من الأجزاء الخمسة، وسأتحدّث عنها فيما يأتي بكثيرٍ من الإيجاز…

الجزء الأوّل: «التّيه» …

يتحدّث منيف في هذا الجزء عن اكتشاف حقول النّفط في الظّهران في المنطقة الشرقيّة وقدوم الشّركات الأمريكيّة لاستخراج النّفط وتصنيعه وتصديره.

مع ما رافق ذلك من طردٍ لسكّان الواحات من منازلهم وأراضيهم، واقتلاع أشجار النّخيل والشّروع في بناء الكتل الاسمنتيّة الصمّاء، واستجلاب العمّال البائسين للعمل تحت إمرة الأمريكان ضمن ظروفٍ إنسانيّةٍ قاسية، ومن ثمّ مجيء الحالمين بالثّراء من المناطق المجاورة ، والّذين سال لعابهم لمرأى الذّهب الأسود الّذي بدأ يسيل، وتحالف قوى السّلطة المحليّة مع المال، وارتهان الاثنين معاً للأمريكي.

كلّ ذلك يحدث بشكلٍ متسارعٍ دون توافر فسحةٍ زمنيّةٍ كافيةٍ لاستيعاب هذا الانقلاب الرّاديكالي في الحيوات والمصائر. يظهر التّمايز الطّبقي ويتّسع بشكلٍ مهول . ما حدث يستحقّ وصف الصّدمة .

الصّدمة الثّقافية أو الحضاريّة أو الاجتماعيّة أو الاقتصاديّة… سمّوها ما شئتم ، أو ربّما كلّ هذه الصّدمات مع بعضها البعض . حالةٌ من التّشويش تطغى على المشهد بأسره. ومن هنا أتى هذا العنوان «التّيه» ، ومعناه الضّياع.

ينتهي هذا الجزء ، بسحق الانتفاضة العماليّة الّتي اندلعت جرّاء الاستغلال الرّأسمالي البشع للعمّال، الّذي بلغ حدود الاستعباد أو تجاوزها، والّتي كان من رموزها المناضل “ناصر السّعيد”.

ويستمرّ التّيه.

الجزء الثّاني: «الأخدود» …

مدن الملح ، الّتي تمّ وضع حجر الأساس لها وبوشر ببنائها في الجزء الأوّل، تكتمل في الجزء الثّاني. والتّمايز الطّبقي والمجتمعي الّذي بدأ واتّسع في الجزء الأوّل، أخذ شكله النّهائي في الجزء الثّاني.

الرّياض الواحدة باتت رياضين. قصور العائلة مع حلقةٍ ضيّقةٍ من المتملّقين الفاسدين من جهة، وكلّ من تبقّى في الجهة الأخرى، ويفصل بين الاثنتين ، أخدودٌ عميق لا قرار له.

يبدأ هذا الجزء بوصول الملك سعود إلى العرش بعد وفاة والده، وينتهي بخلعه عن العرش من قبل أخيه الملك فيصل . الملك مشغولٌ بزيجاته، ولا يرى أبعد من خصيتيه، ولا همّ له سوى تحطيم رقم والده الرّاحل من حيث عدد الزّيجات (وما ملكت أيمانه).

وفي مسخ الدّولة الوليدة المال وفيرٌ، وكلّ شيءٍ قابلٌ للشّراء. الإعلام الدّعائيّ مزدهرٌ، وأسعار الإعلاميّين، وعلى الأخصّ اليساريّين السّابقين منهم، تشجيعيّةٌ.

باختصار، تتمّ إدارة الدّولة الوليدة بنفس أسلوب إدارة الشّركة الخاصّة، وليست شركة ناجحة حتّى ، بل رديئة. وسط كلّ ذلك ، كانت هنالك معارضة شعبيّة، لكنّها معارضة خجولة ولم تقم بما هو أكثر من الكلام وتأليف النّكات السّاخرة.

(إحدى النّقاط الّتي أضحكتني في هذا الجزء هي عندما أراد الإعلامي، الّذي جرى استيراده، لكي يكتب سيرةً ذاتيّةً للملك أن يلتقيه لكي يحدّثه عن مآثره، ولأنّ وقت الملك ضيّقٌ للغاية بين زوجةٍ وأخرى، فلم يستطع لقاءه إلّا عندما كان الملك متوجّهاً لدورة المياه… لكنّ اللّقاء كان مثمراً بالطّبع).

الجزء الثّالث: «تقاسيم اللّيل والنّهار» …

يختصّ هذا الجزء بالذّاكرة. يختصّ بالعودة إلى وقائع التّاريخ القريب عملاً بالقول المأثور: «ذاك الغيم أتى بهذا المطر» …

يعود منيف في هذا الجزء للبدايات، نحو مطلع القرن العشرين، ويسرد لوقائع استيلاء عبد العزيز آل سعود على الرّياض بعد دحره لحكم أسرة ( آل رشيد) ، ومن ثمّ غزواته “النّاجحة” للطّائف وجدّة وعموم الحجاز، وتحالفه مع الأخوان ، الّذين شكّلوا قسماً كبيراً من جيشه، ومن ثمّ انقلابه عليهم في فترةٍ لاحقة بتحريضٍ بريطانيّ، إلى أن انتهى الأمر بإعلانه توحيد القبائل على مساحة الجغرافيا المعروفة حاليّاً، ومنحها اسم أسرته بإيحاءٍ بريطانيٍّ أيضاً.

ويسهب منيف في هذا الجزء بكثيرٍ من التّفصيل في الحديث عن الدّور البريطاني في رسم سياسات عبد العزيز في تلك الحقبة ، كما يسهب في الحديث عن التّحالف التّقليدي القائم ، بين السّلطة والمؤسّسة الدينيّة.

الجزء الرّابع: «المُنبتّ» …

يستهلّ منيف صفحات هذا الجزء بإيراد الحديث التّالي: «فإنّ المُنبتّ لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى» …

المقصود من كلمة “المُنبتّ” كما وردت في العنوان وفي الحديث، وبحسب القاموس، هو من أثقل كاهل راحلته ، فعطبت به ، وانقطع به السّفر.الدّلالة واضحةٌ ، والعنوان معبّرٌ عن المحتوى ، ف(منيف) في هذا الجزء يحكي عن أيّام الملك المخلوع سعود في المنفى وعن محاولاته اليائسة للعودة.

إنّها قراءةٌ للهزيمة، وتفنيدٌ لموجباتها، مع الكثير من الألم والحسرة ، وانتظار ما لن يأتي أبداً. ينتهي هذا الجزء بوفاة سعود في منفاه.

الجزء الأخير: «بادية الظّلمات» …

يبدأ هذا الجزء باستيلاء الملك فيصل على العرش، وينتهي باغتياله على يد ابن أخيه غير الشّقيق “فيصل بن مساعد”.

بدأت الدّولة في عهد فيصل ، تتحوّل بشكلٍ متسارعٍ ، نحو دولةٍ بوليسيّةٍ قمعيّةٍ دمويّة. فيصل ، الّذي تلقّى تثقيفه السياسيّ وتهيئته للحكم على أيدي البريطانيّين، ما لبث أن انقلب عليهم وألغى دورهم بشكلٍ شبه كامل بعد استيلائه على العرش، وأعطى مقاليده للأمريكان الّذين باتت لهم الكلمة العليا، بل والوحيدة.

إحدى العبارات الّتي تكرّرت غير مرّة في هذا الجزء هي: «بلدٌ مثل موران (الرّياض) لا يُحكم إلّا من بعيد» ، وهذه العبارة تلخّص واقع الحال منذ تلك الأيّام إلى زمننا الرّاهن.

يعرض منيف في هذا الجزء بإسهاب لدور “حصّة السّديري” من وراء الكواليس، ولبروز الأشقّاء المعروفين بالسّديريين السّبعة، ولا سيّما لدور (فهد) الّذي كان وزيراً للداخليّة، و(سلطان) الّذي كان وزيراً للدّفاع.

وكان فهد يهيّئ نفسه لأن يستلم العرش بعد فيصل، لكنّ خوفه من إمكانيّة اغتياله بعد اغتيال فيصل جعله يحجم عن هذا الأمر ويرفضه، لذلك ذهب العرش لأخٍ غير شقيق وغير معروف ، ولا دور له على الإطلاق هو (خالد).

كما يعرض بإسهابٍ أيضاً للعدوان العبثيّ الّذي شنّه فيصل على اليمن، وللخسائر الفادحة الّتي مني بها قبل أن يستسلم وينهي العدوان دون أن يحقّق أيّاً من الأهداف الّتي وضعها له، لا بل كان العدوان على اليمن سبباً مباشراً في الانشقاق الّذي حدث في الأسرة آنذاك، وسبباً غير مباشرٍ في عمليّة اغتياله لاحقاً.

(تكرار آل سعود (أو آل كوليرا كما يجب أن يسمّوا) اليوم ، بسبب عدوانهم على اليمن ، هو مؤشّرٌ إضافيٌّ إلى أنّهم لم يقرؤوا التّاريخ، حتّى القريب منه).

امتلأت السّجون وغصّت بالمعتقلين في تلك الحقبة، وأنشئت سجونٌ إضافيّةٌ، وجرى تنفيذ الآلاف من عمليّات الإعدام من دون محاكمة. تخلّت المعارضة عن خجلها وأصبحت أكثر جرأةً، لكن تمّ التّعامل معها بدمويّة. جرت عدّة محاولاتٍ انقلابيّة، لكنّهم، وبمعونةٍ من الأمريكان، أجهضوها.

في إحدى العمليّات الانقلابيّة ، كاد بعض العناصر أن يحتلّوا مبنى الإذاعة، لكنّهم هُزموا بعد معركةٍ قاسية، وقيل أنّ من بين العناصر المقتولين شقيق فيصل بن مساعد، وأنّ هذا الأخير قد اغتال عمّه انتقاماً لشقيقه.

تمّ تبديد القسم الأكبر من ثروة النّفط. «ستكون اللّعنات النّشيد الأخير قبل أن يعمّ الصّمت، وتمتلئ الصّحراء بالوحشة مرّةً أخرى» …

قبل أن أختم، أنوّه إلى أنّني قد قرأت دراسةً نقديّةً للكاتب “الياس نصر الله” حول مدن الملح، وذلك في كتابٍ عنوانه «السعوديّة وبدعة التّاريخ البديل» .

لا أعلم شيئاً عن هذا الكاتب، ولست أريد هنا أن أتّهمه بأنّه يعمل خدمةً لأجندة آل سعود، رغم أنّي لا أستبعد هذا الاحتمال، لكنّ دراسته المزعومة حفلت بتجنّياتٍ لا سابق لها، وإن كنت أريد أن أحسن الظنّ به لقلت بأنّه لم يقرأ الخماسيّة حتماً.

لا أريد أن أشير لجميع تلك التجنيّات في هذه العجالة، إنّما هي نقطةٌ وحيدة لن أستطيع ألّا أقف عندها. يتّهم الكاتب بأنّ منيف قد قام بتمجيد قوى المعارضة (السلفيّة) و(الأخوان) ، واعتبار أنّها البديل الوحيد عن آل سعود. أيّ سخفٍ هذا يا رجل؟!

أحد أهمّ رجالات المعارضة في الرّواية ، هو مغنٍّ وعازفٍ موسيقيّ، وهو الّذي كان يشدو ببيت الجواهري الشّهير: «أنا حتفهم، ألج البيوت عليهم… وأغري الوليد بشتمهم والحاجبا» ، فهل الغناء والسلفيّة ، يستويان؟!!!

وأحد رجالات المعارضة الآخرين في الرّواية ، يتوجّه للسّماء ويقول: «أخاف تكون نسيتنا يا الله… وتجي آخر شي تقول ما لي علم» ، فهل هذا فكرٌ سلفيّ؟! أساساً حتّى المعتدلين بين المتديّنين ، يصنّفون هكذا كلام مع قائله في خانة الكفر، فما بالكم بالسلفيّين؟!

وبشأن إشارته إلى العصيان المكّي ، و”جهيمان العتيبي”، فهذه الحادثة جرت وقائعها عام 1979 ، بينما انتهت أحداث رواية منيف عام 1975 ، وأمّا فيما خصّ الأخوان، سأشير فقط إلى أنّ منيف ذكر في الجزء الثّالث ، أكثر من مرّة أنّ الأمّهات كنّ إذا ما أردن تخويف أطفالهنّ ، يذكرن لهم اسم “ابن مياح” ، وهو أحد قادة الأخوان في الرّواية، وذلك لكثرة المجازر الّتي ارتكبها، فهل هذا اسمه تمجيد؟!

مجدّداً… ذاك الغيم قد أتى بهذا المطر