aren

دمشق في خمسينيات القرن الماضي \\ بقلم : عبد الهادي محيسن
الجمعة - 18 - يونيو - 2021

حدثني تاجر دمشقي فقال: في خمسينيات القرن الماضي مابعد الإستقلال ، بعد وفاة والدي بشهر أو شهرين طلبت مني والدتي وأنا أرتدي ثيابي للذهاب الى مدرستي كطالب في الثانوية وقالت لي : ماما تعرف فلان صديق والدك فاجبتها نعم أعرفه وأعرف بيته ، فقالت الله يرضى عليك مر عليه فقد علمت مؤخرا أنه أصبح وزيرا للعدليه وقل له بعد السلام  : في لنا قضية عندكم واقفة أنظر لنا ماهي الأسباب .

ذهبت الى منزله صباحا فوجدت سيارته والشرطي على الباب فسألني الشرطي ماذا تريد فقلت له أريد مقابلة الوزير فسألني هل تعرفه فأجبته نعم أعرفه فقال انتظرهو يتهيأ للنزول ، وبعد دقائق نزل الوزير من بيته فتقدم مني وسلم علي … فقلت له أنا فلان ابن فلان فقال نعم نعم تذكرتك ورحم الله والدك … خير يابني فأجبته أن والدتي تسلم عليك وتقول لك أن هناك قضية تريدك أن تساعدنا فيها فالتفت الى الشرطي وقال له يابني خذ السيارة واذهب الى الوزارة وأنا قادم بعد قليل ، حيث سأذهب مع الأخ ! .

كنت طالب صف عاشر ثانوي ، والله سار معي الوزير حاملا محفظته الجلدية ومشينا من حي الحلبوني خلف محطة الحجاز في دمشق الى القصر العدلي في آخر شارع النصر والذي يبعد حوالي ألف متر ، وأنا أروي له حيثيات القضية وبين كل فترة وفترة يخفض رأسه نحوي ويقول ماسمعت عمو ماذا قلت نتيجة لضجة الطريق حتى استوعب القصة كاملة ، وأنا اتباهى بنفسي كثيرا .

دمشق في صورة تعود لعام 1950

كنت أرى الناس تنظر الي وأنا أسير مع الوزيرحيث كثيرا ما يكون وزيرا في جميع الوزرات كونه مستقل وغير حزبي ونظيف ومعروف أنه قانوني لا يقبل تجاوز القانون لأي سبب ، كنت أسير بجانبه بعد أن صرف السيارة والشرطي وسار معي كل هذا الطريق يسمع قصتي وحين وصولنا الى قصر العدل قال لي سلم على الوالدة وقل لها إن شاء الله بيصير خير .

وهذا الوزير علمت من صديق لي أنه اشترى ثلاجة من معرضه على ثلاثة أقساط لأنه لا يملك ثمنها حدثني فقال : جاء الوزير فتوقف أمام ثلاجة أعجبته فقال له تبيعني إياها على ثلاثة أقساط فدفع له قسط أول وأعطاه العنوان فأوصل له الثلاجة على أن يدفع القسطين الباقيين على شهرين ، فقال التاجر تأخر الوزير عن دفع القسط الثاني عن الموعد ولم أطلبه حيث معروف عنه أن سمعته طيبة ومستقيم .

وبينما كنت أراجع لصديق لي عن قضية في القصر العدلي فالتقيت الوزير في العدلية على السلم فنظر إلي فتقدم مني قائلا مرحبا هل أنت هنا لرفع قضية علي بسبب تأخري في تسديد القسط ، فقلت له استغفر الله سيدي والله القضية كلها ليست ببالي فقال لي لا..لا … اللة يرضى عليك أوعدك بعد يومين أكون عندك بالمحل ، وفعلا بعد يومين جاء الوزير ودفع لي القسطين معا وتشكرني كثيرا .

 لم يكن هذا بدعا ولم يكن عجيبا بل هذه هي الحياة الطبيعية التي كنا نحياها في دمشق التي كانت أشبه ببوتقة تصهر فيها كل من يأتيها إذا كان نظيفا وجاء ليعيش فإن دمشق تفتح ذراعيها له ولذلك نستذكر المرحوم الصافي النجفي وقد أدركته ورافقته مدة طويلة يقول جئت الى دمشق عابر سبيل فأحببتها وبقيت فيها .

              أتيت جلق مجتازا على عجل          فأعجبتني حتى اخترتها وطنا

             عجبت ممن أتاها كيف يبرحها         فهل يرى في سواها عن دمشق غنى

             يكاد ينسى غريب الدار موطنه         في ربعها ويعاف الأهل والسكن َ

وأنا أعرف حاجا جاء في طريقه الى دمشق فأعجبته وكتب الى زوجته وهي في بلد بعيد : أنا اتخذت دمشق موطنا فإن رأيت مجاورتي فأنا في انتظارك وإن قررت البقاء فستكون لي زوجة دمشقية ، والحقيقة ربما لا نجد في بلد عربي هذا التنوع في ألقاب العائلات فهناك في دمشق عائلة الحمصي والحموي والحلبي والديري والحلبوني والمنيني والأرناؤوط والكردي والمصري والجزائري والمغربي والتونسي والداغستاني .

وهذه الألقاب للعائلات الدمشقية السورية إنما تدل على أن من يفد الى دمشق متى عامل أهلها بقيمهم أصبح منهم … لقد تغيرت الدنيا وتغيرت دمشق لقد كان الجار كالأب وكالأخ فقد حدث حريق ليلا في منطقة العمارة في تلك الأيام التهم كل ما في البيت والله لم يأت الفجر وأرسلني والدي لأطمئن على أصحاب المنزل صباحا ، فخرج رب الأسرة فقلت له والدي يسألك ماذا تحتاجون حتى نؤمنه لكم فقال والله بلغ أباك السلام وقل له ما نقصني شيء لم يتركنا الجيران من فضلهم أبدا .

عبد الهادي محيسن …. كاتب وباحث 

هذه المقالة تعبر عن رأي صاحبها