aren

دع سوريا وشأنها ، سيد ماكرون .. أنت ‘خارج‘ اللعبة \\ بقلم : برونو غيغ
السبت - 23 - سبتمبر - 2017

 

 

063_849584342-e1505845478642

الرئيس الفرنسي ( إيمانويل ماكرون ) في أول خطاب له أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة

 

ترجمة خاصة \ التجدد

أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة ، وصفت السيد بشار الأسد بأنه “مجرم” ، وأعلنت أنه يجب أن يمثل أمام “العدالة الدولية”. لقد تلفظت باتهام خطير بحق الرئيس الشرعي لدولة عضو في الأمم المتحدة ، وبذلك قمت بتكذيب أولئك الذين لا يزالون مصرين على القول : ( إن سياستك تشكل انعطافاً ).

أية سلطة قضائية خوّلتك، سيد ماكرون، بإصدار مذكرة توقيف بحق المسؤولين الأجانب الذين يمكنهم، بالمناسبة، أن يعلموك شيئاً باعتبارك “غراً ” ؟

بأي حق يسمح رئيس دولة أوروبية، تمثل القوة الاستعمارية السابقة في سوريا (1920- 1946)، لنفسه أن يمنح شهادات حسن أو سوء السلوك لنظرائه في الشرق الأوسط ؟

هذا التدخل مروع إلى درجة أنك تثابر، مثل من سبقك من الرؤساء، على مراعاة تلك الممالك النفطية المطلقة التي تبيعها السلاح الذي تستخدمه في مجازرها ضدّ الشعب اليمني الشجاع.

إتك تستنكر الجرائم التي تنسبها أنت للرئيس (السوري) ، لكنك تغض الطرف عن جرائم قاطعي الرؤوس، مدللي الغرب الأثرياء أولئك.

إن 10 آلاف قتيل في اليمن، و 500 ألف طفل يعانون سوء التغذية، ووباء الكوليرا المرعب ، الذي تسببت بها الغارات السعودية لا تثير القلق ، ولا تهزّ شعرة في رأسك ندماً ، وتريدنا أن نأخذ سخطك عما يجري في سوريا على محمل الجدّ ؟

الجميع ، يعلم أن المأساة السورية نتج عنها الآلاف من الضحايا الأبرياء ، وأن حمام الدم هذا قد طال أمده، وأنه يجب إيجاد حلّ سياسي عند تصفية آخر تجمع إرهابي.

وبينما أنت تتكلم ، يعمل الروس والإيرانيون والأتراك المجتمعين في (آستانة ) على إيجاد هذا الحل ، لكنك حين تقوم يإلصاق الجرائم بالسيد الأسد، قل لي عما تتكلم بالضبط ؟

منذ ربيع 2011، تلوثت التظاهرات ضد الحكومة بالمسلحين ، الذين أطلقوا النار على قوى الأمن . قامت “بعثة المراقبين العرب في سوريا” بالعمل على أرض الواقع من يوم( 24 ) كانون الأول 2011 ، حتى يوم (18 ) كانون الثاني 2012 ، بناءً على طلب الجامعة العربية.

رغم الضغوط السعودية ، شجب تقرير البعثة ، أعمال العنف التي يمارسها الطرفان . سيد ماكرون ، في سوريا ليس هنالك أشرار وأخيار. إن أسطورة “الثورة السلمية” قد ماتت منذ أمدٍ بعيد ، وحان الوقت للقطع مع هذه الرواية الرومانسية. لقد نتجت هذه الحرب ، التي تم التخطيط لها عن سابق الإصرار من قبل رعاة وممولي المعارضة ، عن محاولة تخريب الدولة السورية.

للنظام البعثي أخطاؤه ، لكن سوريا كانت بلداً بلا ديون ، بلداً منتجاً ، تتعايش فيه أصول وطوائف متعددة. لقد كانت المظاهرات ، الأكثر تأثيراً وضخامة ، سنة 2011 ، هي تلك المؤيدة للحكومة وللإصلاحات.

إن تحميل المسؤولية عن الحرب لحكومةٍ تواجه تمرداً مسلحاً مدعوماُ من الخارج ، يعني ليّ عنق الواقع ،  يعني الاحتفاظ ببعض الوقائع ، لأنها تخدم الرواية التي ندافع عنها.

توقف ، سيد ماكرون، عن انتقاء الوقائع ، وعن التمييز بين الضحايا ! قاسية مثل جميع الحروب ، كان للحرب السورية نصيبها من التجاوزات. لكن من هو المسؤول، غير أولئك الذين أرادوا الاستيلاء على دمشق من أجل فرض (الشريعة ) الوهابية عليها بمساعدة الولايات المتحدة ، وفرنسا، وبريطانيا، وملوك النفط ؟

حتى في الحصيلة ، التي ينشرها ” المرصد السوري لحقوق الإنسان” ، المقرب من المعارضة ، فإن 40% من الضحايا – منذ صيف 2011 – هم من قوى الأمن ، و 40% من المجموعات المسلحة ، و 20% من المدنيين ، الذين علقوا بسبب الاشتباكات .

إن كان هنالك حرب يمكنها أن تتجنب المدنيين ، والحرب التي تدعمها فرنسا في اليمن لا تفعل ذلك ، يمكن حينها للقصف الغربي على الموصل أو الرقة أن يفعل.

لكن اتهام الجيش السوري بارتكاب الجرائم المتعمدة ضد شعبه ، هو إهانة للحسّ السليم . إنه جيش من المجندين يدافع عن التراب الوطني ضد جحافل المتعصبين . بينما تلقي خطابك الرنان في الأمم المتحدة، سيد ماكرون،  يقوم “جنود السيد الأسد” بعبور الفرات ، لتصفية الحساب مع “داعش”.

طبعاً، لا زال بيدك ورقة كبرى في لعبة المتوهمين ، هي ورقة الهجوم الكيماوي من أجل تدوير عجلات التلاعب. مستغلاً هذه الرواية المسلسلة ، التي صنعتها المخابرات الأميركية، تبحجت بوضع “خط أحمر” ! يبدو أن قيام خبراء  من معهد ” ماساشوسيتس للتكنولوجيا ” بإثبات أن هجوم الغوطة بتاريخ – 21 آب 2013 – لا يمكن أن يتم ، إلا من المناطق التي يسيطر عليها المسلحون لا يهمك .

كما أن قيام نفس الخبراء ، باستنكار فراغ الملف ، الذي يتهم دمشق يهجوم خان شيخون (نيسان 2017) ، لا يهزك أيضاً ,

ويبدو أنك لم تقرأ التحقيق الرائع ، الذي قام به أفضل صحفي أميركي ” سيمور هيرش” ، والذي مزق رواية الهجوم الكيماوي من قبل الجيش السوري إلى أشلاء. احترس ، سيد ماكرون ، لأن هذه المهزلة الكيماوية ، التعويذة الحقيقية للدعاية الغربية ، أصبحت تثير الغثيان.

لقد أزاحت هذه الكذبة ، كذبة كولن (باول ) ، وهو يلوح بأنبوب صغير في يده أمام مجلس الأمن عن المرتبة الأولى في قائمة الكذب ، الذي تلجأ إليه الدول ، وكل يوم يمر، تفقد شيئاً من سحرها . من لا يزالون يصدقونها، هم من يريدون تصديقها، أو الذين يصدقون أن الحكومات الغربية لا تكذب أبداً ، لكن غالبية الشعب السوري لا تصدق هذه الكذبة، وهو الأمر الجوهري.

ما إن يتم تحرير منطقة (ما ) من قبل الجيش السوري ، حتى يعود اللاجئون إليها ، وتدب الحياة فيها، ويولد الأمل من جديد. إن قيامك ببعض الحركات بيديك الصغيرتين على منصة الأمم المتحدة ، لن يغير في الأمر شيئاً، وهذه الثرثرة غير المجدية سوف تضيع وسط الهرج الإعلامي . كما أن “مجموعة الاتصال” التي اقترحتها ، هي آلية ولدت ميتة ، لن يتم ذكرها بعد ثمانية أيام.

لأنه ، هل بقي من يصغي للرئاسة الفرنسية ، حقاً ؟ هذه الرئاسة – بغض النظر عن حامل اللقب – التي قامت منذ سنة 2011 بشيطنة الحكومة السورية، والتي رفعت إلى السحاب الخونة ، الذين خانوا بلدهم مرتدين قناع المعارضين ، والتي أيدت عنف المعارضة المسلحة ، والتي شجعت ذهاب الإرهابيين إلى سوريا ، والتي أغلقت المدرسة الفرنسية في دمشق ، والتي رفضت التعاون الأمني مع الأجهزة الأمنية السورية ، والتي سلّمت السلاح للمجموعات المتطرفة ، والتي رفضت قتال “داعش” حين كانت “داعش” تقاتل دمشق، والتي دعت إلى قتل رئيس شرعي، والتي فرضت على الشعب السوري مقاطعة للدواء.

هذه الرئاسة ، التي انتهكت القانون الدولي ، وعادت إلى أسوأ أنواع الاستعمار الجديد، من يستمع إليها حقاً؟ باختيارها التدخل في شؤون الآخرين، وضعت فرنسا نفسها خارج اللعبة.

دع سوريا وشأنها ، سيد ماكرون ، أنت “خارج” اللعبة.

كاتب سياسي فرنسي

هذه المقالة تعبر عن رأي صاحبها