aren

دروس التغيير من تشيلي إلى لبنان \\ كتابة : جهاد الزين
الخميس - 13 - يناير - 2022

تأتينا الأخبار الجيّدة في نهاية العام من أميركا اللاتينية. ليس فقط لأن جيلا جديدا بدأ يحتل مكانه،عبر الانتخابات، في أعلى مواقع السلطة في عدد متزايد من دول أميركا اللاتينية، وآخرها، وربما أهمها تشيلي، حيث تأسست تاريخيا الموجة النيوليبرالية الناجحة في تلك المنطقة، وبدأت مع ديكتاتور كريه في الذاكرة هو الجنرال بينوشيه ولكنها انتقلت لتصبح تحت قيادة ليبراليين منتَخبين وفق الأصول الديموقراطية أداروا اقتصادا تشيلياً طليعيا تحت راية أقصى حريات اقتصاد السوق.

إذن ليس الخبر الجيد فقط وصول  ديموقراطيين من جيل جديد إلى مواقع الرئاسات بل كون الواصلين كما كتبت “الواشنطن بوست” من جيل يساري يساريته غير متطرفة بمعنى اهتمامه بقضايا إعادة التوازن الاجتماعي العادل،  داخل مجتمع بلده وليس الانخراط في أولوية معارك ضد الولايات المتحدة الأميركية. ففي أميركا اللاتينية، بلاد تشي غيفارا، وفيديل كاسترو وهوغو تشافيز وبابلو نيرودا والعشرات غيرهم من رموز “مناضلي مواجهة الإمبريالية” والديكتاتوريات المحلية طبع العداء للولايات المتحدة سجلا طويلا في القرن العشرين، لكنه تاريخ معقّد من تداخل النضال الاجتماعي مع العنف المسلّح والانتماء الماركسي.

إنه جيل جديد جعل وزير الخارجية الأميركي أنطوني بلينكن يكتب تغريدة على تويتر يهنّئ فيها الرئيس التشيلي الفائز غابرييل بوريك على فوزه  في انتخابات وصفها بلينكن بأنها “عادلة وديموقراطية” مع أنه من المفترض أن يكون بوريك وريث سلفادور ألليندي الزعيم اليساري الشهير الذي فاز في انتخابات الرئاسة في النصف الأول من سبعينات القرن المنصرم ليطيح به لاحقا وزير الخارجية يومها هنري كيسنجر وال CIA في انقلاب شهير خططا له مع جنرالات الجيش التشيلي بقيادة الجنرال بينوشيه (1973- 1990).

كذلك لاحقا هنّأ الرئيس الأميركي جو بايدن الرئيس التشيلي المنتخَب على فوزه “في انتخابات ستكون “مثلاً قويا للعالم”.

هو جيل جديد من اليساريين إلى حد أن أنطوني فايولا في مقاله القيّم في “الواشنطن بوست”, وهو المراسل المخضرم لأوضاع أميركا اللاتينية، ينقل عن ميكايل شيفتر رئيس مركز أبحاث “إنتر أميركان ديالوج”في واشنطن قوله له عن الرئيس التشيلي الجديد: “إنه فعلا قائد ما بعد حداثي (بوست مودرن) يعكس تغيُّراً جيليّاً يجمع بين الانتباه الشديد للروزنامة الاجتماعية مع الحقوق المتساوية والدمج والتنوع”.

“الدروس” من انتخابات تشيلي الأخيرة لا تقتصر إذن على عودة اليسار أو على يسار  ما بعد حداثي، ولكن على عمر الرئيس الذي بلغ فقط الخمسة وثلاثين عاما وهو حسب ما قرأت الحد الأدنى لقبول مرشح لرئاسة الجمهورية والأول في تاريخ تشيلي لعمر رئيس جمهورية.

بهذا المعنى من المهم أن يتابع شباب الموجة السياسية الجديدة في لبنان (17 تشرين) هذا التحول التشيلي بما هو فوق محض الاستقطاب الأيديولوجي بين يسار ويمين، فعدا عن مشكلة الجيل الشاب مع النظام الطائفي في بلدنا، هناك أزمة تحديد معايير صراع على برامج الحكم. ومن المفيد الإشارة ربما أن ما يؤخذ على التكتلات الشبابية من “تفتّت” وعدم قدرة على التوحّد قد يكون في أحد جوانبه عنصرا إيجابيا وبنّاءً لأنه يعيد الاعتبار إلى الخلاف البرامجي في العمل السياسي. وسننتظر فقط مجرى الانتخابات الآتية  من زاوية هل سيكون من الخطأ عدم توقع أي فوز ذي معنى تغييري لممثلي 17 تشرين وربما لا فوز بأي مقعد على الإطلاق أم لا ؟ وليس السبب الأساسي هو تشرذم هذا التيار وإنما كون النظام السياسي يُحكِم قبضته على “قواعد اللعبة” الانتخابية في تقسيم الدوائر وقوانين الترشّح والانتخاب وضوابطها الأمنية والإدارية والمالية.

من تشيلي في أقصى جنوب غرب الكرة الأرضية إلى بيروت ليست المسافة “بعيدة”. الأوطان التي تتغيّر نحو الأمام تشع  بأقوى مما نعتقد. والعكس في الأوطان المغلقة في ظلماتها.

ولئن كانت أميركا اللاتينية تأتي بيسار جديد أكثر استعدادا للتمرس بمسؤوليات الحكم وتحدياته كطريق للتغيير مما هو التمرس بخطاب الثورة، فما يواجه الحركة التغييرية الشبابية في لبنان ليس الاستقطاب الأيديولوجي، على أهميته، بل نوع مذهل من وضوح الحاجة إلى التغيير واستحالته في آن. إنها المعادلة الصعبة في انهيار دولة في ظل نظام سياسي مفلس أخلاقياً و”حوْكمياً” وفي الآن معاً نظام قوي وغير قابل للسقوط إلا من ضمن حراك تاريخي للتغيير في كل المنطقة وربما خرائطها.

“النهار”اللبنانية