aren

درس عملي في “فن” المقابلة الصحفية مع “الكبار”……….. “هنري كيسنجر- جيفري غولدبيرغ”
الإثنين - 21 - نوفمبر - 2016

أشبه ب ” تحية الى المهزوم “… مدير تحرير مجلة أتلانتك يحاور ( سوبر ك )

على المسرح : ” هنري كيسنجر ” … ” ثعلب أميركا العجوز”

 أستاذ المكر الديبلوماسي \عراب كامب دايفيد \مؤسس ديبلوماسية البينغ بونغ \…

…………………………………………………………………………………………..

“خاص” التجدد

أجرت مجلة «أتلانتك» الشهرية الاميركية المعروفة ، حديثا (مقابلة) ، مع هنري كيسنجر وزير الخارجية ، ومستشار الامن القومي في عهد ادارتي الرئيسين(الجمهوريين ) : ريتشارد نيسكون ، وجيرالد فورد …

اللقاء ، جاء اشبه ب ” تحية الى المهزوم ” ، حيث كان كيسنجر ، قد انحاز خلال الحملة الانتخابية الرئاسية ، الى جانب هيلاري كلينتون (الديمقراطية) – رغم انه جمهوري –

أسباب أخرى ، غير ” طول عمره ” ، الذي يدفعنا للقول : بانه قد شارف على كتابة وصيته الاخيرة  ، فان الكثير من قادة العالم وعلى رأسهم ( الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وكذلك الصيني شي جين بينغ ) ، يواصلون السعي للحصول على مشورة ” ثعلب أميركا العجوز” .

ففي فلسفة مرسومة ، وتقييم متزن للسياسة الخارجية على ضوء المصالح الوطنية الاميركية ، أطل كيسنجر على العالم ، بمقابلة أجراها معه (كبير) محرري مجلة “أتلانتك” الشهيرة ، ومدير تحريرها ، الصحفي الشهير (جيفري) غولدبيرغ

2319901

جيفري غولدبيرغ

المقابلة ، جاءت على مرحلتين زمنيتين :

الاولى ، وهي سابقة على حصول الانتخابات بوقت طويل نسبيا – قبل اسبوع من موعد الانتخابات الامركية – تتضمن عددا من المقابلات السابقة ، التي أجراها غولدبيرغ مع كيسنجر، وقد شملت الحديث عن قضايا في مستقبل روسيا ، صعود الصين ، والفوضى في الشرق الاوسط.

أما المرحلة الزمنية الثانية من عمر هذه المقابلة ، فهي اتت بصيغة مكملة للاولى ، وقد تضمنت عددا من الاسئلة ، التي استهلها غولدبيرغ ، مستفسرا عن العناوين والقضايا المتعلقة بانتخاب ترامب ، رئيسا .

المقابلة الطويلة – نوعا ما – نشرت قبل أيام، وبتوقيت متعمد ، فقد جاء غداة انتهاء الانتخابات الرئاسية الاميركية, التي حملت الجمهوري ترامب الى رئاسة أميركا ، وهو الامر الذي أثار وما يزال العديد من الاحتمالات ، والكثير من المخاوف …

موقع التجدد وفي قراءة للمقابلة بشقيها ( أسلئلة جيفري) و(أجوبة هنري) ، يقدم لمتابعيه هذا المادة ” التحليلية لأجوبة كيسنجر ، و المهنية لأسئلة غولدبيرغ ” .

بينما أوباما ، هو حالة الاستثناء الوحيدة منذ الرئيس ايزنهاور ، الذي لا يطلب (يلجأ) للمشورة من كيسنجر ، وذلك على النقيض من معظم رؤوساء أميركا ، السابقين واللاحقين

larger

عقيدة أوباما ” – غلاف مجلة اتلانتك” 

فان كيسنجر، الذي تنحى عن منصب وزير الخارجية الاميركي منذ ما يقارب من أربعة عقود، سيوجه انتقادا كيسنجريا ، وحكما شديدا ل( عقيدة ) أوباما في شقها الخارجي

 اسئلة سجالية وأجوبة كيسنجرية:

لم يخف ، أول وزير خارجية أميركية (يهودي) في تاريخ السياسة الاميركية ، دعمه لكلينتون في الانتخابات الرئاسية ، وهو ما عاد ليؤكده في جوابه على سؤال …

جفري غولدنبرغ : “هل انتم متفاجئون بفوز دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة ؟ “.

هنري كسينجر: ” انا اعتقدت ان الفوز سيكون لصالح هيلاري كلينتون ” .

ليتبعه غولدبيرغ بسؤال : عن معنى فوز ترامب بالنسبة لـ (دور) أميركا في العالم؟

وهنا يبادر ثعلب السياسة ، بالاجابة : ” قد يسمح هذا بتأسيس توافق بين سياستنا الخارجية وحالنا الداخلية، فقد كانت هناك فجوة واضحة بين منظور العامة ومنظور النخب … حول السياسة الخارجية “.

كيسنجر ، أضاف : ” أظن ان الرئيس الجديد، لديه فرصة للاصلاح بينهما، والأمر لديه باستغلالهما.. من عدمه “.

يستمر غولدبيرغ ، في ممارسة الاستفزاز المطلوب في هكذا سبق اعلامي ، (المستساغ ) لكيسنجر .

وذلك بغية استخلاص اجابات كيسنجرية ، غير تقليدية (كلاسيكية) من شخص ، متعدد المواهب ، وغيرعادي بتجربته ، وهو أحد الرموز الكبيرة في السياسة الدولية المعاصر .

جهد غولدبيرغ ، لاستدراج كيسنجر، عبر سؤال آخر: ” هل تحسن شعورك نحو كفاءة ترامب او جديته؟ “.

عند هذ النقطة ، بدا ملفتا حذر كيسنجر : “علينا ان نكف عن هذا السؤال، فهو الرئيس المنتخب الآن، وعلينا ان نمنحه فرصة التعبير عن فلسفته” .

وفي سؤال مباشر من غولدبيرغ : ” هل ستساعده ؟ ” .

جاءت اجابة كيسنجر في النقطة الاخيرة ، لتوضح خبرته الكبيرة ورؤيته في العمل السياسي : ” أنا أمد يدي له ، ولكن لم اتواصل معه، فهذا توجهي مع كل رئيس منتخب منذ ان تركت مكتبي في الوزارة, ولكن اذا سألني العودة ، سأعود ” .

كيسنجر ، مؤسس العصر الذهبي للانفتاح الاميركي في عهد الرئيس نيكسون على الصين عام 1971 ، ولأن التنين الصيني اليوم ، في مكانة متقدمة على مسرح الاحداث العالمية ، ولان الحديث مع كيسنجر عن بكين ، له طعم سياسي مختلف ، بنكهة تاريخية كيسنجرية

2015110307562433673

فإن حس غولدبيرغ المهني سيدفعه ، ليطرح على كيسنجر سؤالا ، يسعى من خلاله ، وعبره لتكون (بكين) حاضرة في الحوار :

” ما هو القلق الاكبر لديكم حول الاستقرار العالمي بعد الانتخابات؟ ” .

يجيب كيسنجر : ” أعتقد أن دول العالم ستتفاعل مع هذه الحالة ب(الصدمة), وإن حصل ذلك, فأنا أرغب ، بان أُبقي افاق الاحتمالات مفتوحة حول اجراء حوارات جديدة .

فقد صرح ترامب للشعب الاميركي (هذه فلسفتي للسياسة الخارجية), واذا كانت بعض سياساته غير متوافقة مع سياساتنا السابقة, لكنها مشتركة في أهدافها الرئيسية, وبالتالي فان الاستمرارية أمر ممكن” .

يبادر غولدبيرغ الى ادراج (الصين) على خريطة المقابلة ، سائلا : ” برايكم ما هي ردة فعل الصين اتجاه هذه التحولات؟ “.

يرد كيسنجر: ” انا (واثق ) من أن رد الصين سيكون من خلال استعدادها لدراسة خياراتها, لكن أشك ان روسيا سيكون رد فعلها شبيه بالصين “.

يلتقط غولدبيرغ من كيسنجر ، طرف الحوار والسؤال عن موسكو ، وقد استند في سؤاله على ما كانت قد اتهمت به المرشحة الخاسرة كلينتون ، وفريقها الانتخابي مع معسكرها الديمقراطي ، المرشح الجمهوري ترامب ، بأنه عبارة عن (دمية) في يد الرئيس الروسي بوتين

kissinger-meets-putin

وقد سال غولدبيرغ : ” هل تعتقد أن ترامب مؤيد لبوتين ؟ ” .

يجيب كيسنجر : “مطلقا ، انا اعتقد ان ترامب قد وقع في خطأ بلاغي ، على خلفية أن بوتين قد أكثر من مدحه ،وقال كلاما جميلا بحقه، فاستشعر أنه من الواجب عليه ان يرد الجميل له “.

يلاحق غولدبيرغ ( كيسنجر) ، متعمدا تحريضه : ” ألا تعتقدون بأن علاقاتهما معا (معدة) مسبقا ، بشكل ما ؟” .

يكتفي كيسنجر بالإجابة : ” لا، لا اعتقد ذلك ” .

غولدبيرغ ، يتبع سؤاله السابق بسؤال لاحق آخر : ” اذا لا تعتقدون ان هناك فرصة تسمح لروسيا من الاستفادة من هذه الحالة ؟” .

يرد كيسنجر باجابة مطولة : ” على الارجح ان بوتين سيدرس خياراته وما ستؤول اليه الاوضاع ، وكيف تطور الحالة في المرحلة المقبلة من خلال المزيد من الترقب .

فروسيا والولايات المتحدة ، يتفاعلان في ساحات لا يستطيعان السيطرة على كل عناصرها ، ولا حل الاشكاليات المتعلقة بها ، مثل النزاع في (اوكرانيا وسوريا)  .

فمن المتحمل، ان بعض الاطراف المشاركة في هذه النزاعات ، قد يشعرون بمزيد من الحرية والتحرك ، وبالتالي فان بوتين ، سينتظر الاحداث ، وما ستؤول اليه من خيارات .

يعود غولدبيرغ ، هذه المرة من الباب الخلفي ، ليسأل متشككا : ” هل يعني ذلك انه هناك فرصة لمزيد من الاستقرار في المرحلة المقبلة ؟”.

كيسنجر، الذي تجذبه الدقة في السياسة الخارجية ، وبحنكة ديبلوماسية ، سيرد مفسرا : ” ان المسار العالمي ، يتجه الى المزيد من الترقب عما ستؤول اليه الاحداث والتطورات في السياسات الداخلية الاميركية .

ومن ثم العمل على المزيد من البحث وخلال مدة معينة ، من أجل دراسة السياسات الخارجية لاميركا في المرحلة المقبلة ، فالعالم امام مفاجئة بانتظاره في الايام القادمة .

غير ان هناك عدد من الدول ، غير الحكومية ، قد تعترض وتبادر بردة فعل معاكسة مكثفة ومختلفة ، الامر الذي سيعزز من دور اميركا على المستوى العالمي “.

فرصة أخرى (اضافية)، سيمنحها (كيسنجر) لمحاوره ( غولدبيرغ ) ، الذي سيحسن بدوره استغلالها ، من اجل السؤال : ” ان داعش الان اصبح مصدر تهديد كبير، ما هي سياستكم تجاه داعش في المرحلة المقبلة ؟ ” .

كيسنجر يقول : ” ان الدول غير الحكومية ، قد تأخذ في حساباتها موقف ترامب ، على انه ردة فعل تجاه العمليات الارهابية ، لتقابله بكراهية تخدم وتعزز اهدافها “

tntaubmantrumpkissingertrunp_

صورة تجمع ترامب مع كيسنجر – أرشيف

غولدبيرغ ، سيتابع ملاحقته الصحفية لمعرفة الحقائق السياسية ، من ( فم ) زعيم من زعمائها خلال القرن الماضي ، والذي تطلق عليه الصحافة اسم ( سوبر ك ) ، متوجها له بالسؤال :”برايكم ، كيف ستكون ردة فعل ايران على ذلك؟ “

بشهوة التخمين في السياسة الخارجية ، وكرجل دولة أميركي ، كيسنجر سيجيب : ” من المحتمل ان تستنتج ايران ، بان الاتفاقية النووية ، ستصبح اكثر هشاشة الان ، عما كانت عليه سابقا.

لكن ، سيكون عليها التظاهر بالصمود والعزم ، حتى بوجه الضغوط ، وذلك خلال دراستها لسياسات وشخصية ترامب.

لا احد يدري شيئا ، عن سياسة ترامب الخارجية، لذلك كل واحد سيدخل مرحلة الدراسة ، في الواقع ، ان الدراسات الدقيقة ، هي الخيار الاكثر دقة “.

نحو التعمق أكثر في فكرة كيسنجر ، وبسرعة ملفتة ، سيطرح غولدبيرغ سؤاله التالي : ” لماذا تعتقد ان ذلك قد يحصل؟ ” .

كيسنجر ، الذي لطاما كان في عهد ادارتي (نيسكون وفورد) ، هو من يضع الاطار الاستراتيجي ، الذي يمكن من خلاله معالجة التحديات التي تواجه اميركا .

سيشرح الحالة كالتالي: “ان الظاهرة (الترامبية) ، تشكل بمساحة كبيرة منها ، ردة فعل على الهجمات التي تستهدفها من جانب المفكرين والمجتمعات الاكاديمية، هناك اسباب اخرى ، لكن هذا هو السبب الاساسي “

15435-29-1-1

وصول الرئيس ترامب للقاء كيسنجر في حي منهاتن – نيويورك

غولدبيرغ ، الذي كان حاضر البديهة ، والفهم الكافي لشخصية ضيفه ، مما انعكس على اسئلته لكيسنجر ، واستخلاصه للاجوبة منه .

سينهي مقابلته بسؤال ، يعبر عن حالة الفوضى الاستراتيجية ، التي تعيش فيها الآن، العديد من المجموعات الاميركية الاكاديمية الحكومية ، وغير الحكومية .

وبذات الوقت ، سيكون سؤال غولدبيرغ ، هو ل(ملهم) السياسيين والاكاديميين من اميركيين وغربيين على السواء .

ففي صيغة طلبية من كيسنجر ، سيدعوه مدير تحرير مجلة اتلانتك (غولدبيرغ) ، للقيام بدوره في المرحلة القادمة من الحياة السياسية الاميركية ، متوجها اليه :

” كيف ستقدم نصيحتك لترامب من اجل تقديم نفسه الى العالم؟ “.

كيسنجر ، الذي يرى ان للتاريخ أهمية مضاعفة في صناعة القرار السياسي الاميركي ، سيحمل جوابه ، شيفرة الحاجة الماسة الى نهج (كيسنجري) ، متوجها عبره ، الى اميركا – واضعو السياسات ، وعامة الشعب أيضا – :
“عليه ان يعلم انه على راس التحديات المعروفة ، ثانياً انه يعكس طموحات الاميركيين وطبيعة التطورات الاميركية.

ان الرئيس لديه مسؤولية لا مفر منها لتقديم الخيارات ، ( ما هي الاهداف التي نسعى الى تحقيقها ؟ وما علينا ان نتجنبه؟ ولماذا؟… ولفعل ذلك عليه ان يحلل ، وان يعكس ذلك بالتطبيق”.

……………………………………………………………………………………………………..

مصدر المادة :

. https://www.theatlantic.com/magazine/archive/2016/12/the-lessons-of-henry-kissinger/505868/

هامش : – “عقيدة أوباما” – هو عنوان مقال مطول يتضمن سلسلة أحاديث (لقاءات) أجراها غولدبيرغ مع أوباما في اماكن متعددة وخلال فترات مختلفة زمنيا ، حول رؤيته للعالم ،   نشرته مجلة اتلانتيك في عددها الصادر بتاريخ 27 مارس \آذار 2016 .