aren

“درس” جديد من النمسا للبنان : النأي بالنفس الايجابي \\ كتابة : جهاد الزين
الأربعاء - 4 - أبريل - 2018

 

فيينا

حين يحضر الأدب الكبير في السياسة يرتفع مستوى السياسة حتى لو كان اللعب أو التلاعب السياسي بالحقائق يوظِّف الأدبَ الكبير أيضا. القوة الرمزية التي تمنحها الكلمات المتخيَّلة للشخصيات الواقعية تشحن السياسة بجاذبية طاغية.

بوريس جونسون وزير الخارجية البريطاني لجأ إلى استعارة ذكية حين شبّه جريمة تسميم العميل الروسي السابق وابنته في منزلهما في جنوب انكلترا بالجريمة التي ترتكز عليها رواية فيودور دوستويفسكي “الجريمة والعقاب” وبطلها “راسكولنيكوف” الذي هو إحدى أعظم الشخصيات الروائية تأثيرا دراميا في تاريخ الآداب العالمية.

الوزير البريطاني، المؤرِّخ والصحافي السابق، قال إن جريمة تسميم العميل الروسي السابق “تشبه بداية رواية دوستويفسكي بمعنى أننا جميعا متأكدون من هو المذنب ولكن السؤال الوحيد هو ما إذا كان سيعتَرف أو سيُضبط بالجرم”.

مجرد التشبيه مؤثّر لأنه ورغم ردود الفعل القوية لأكثر من عشرين دولة في العالم الغربي ضد روسيا عبر طرد ديبلوماسيين روس من كلٍّ من عواصمها فإن بعض الدول الأوروبية لا تزال تعتبر التحقيقات غير منتهية وبالتالي فإن التهمة غير ثابتة على المخابرات الروسية حتى الآن.

الاستعارة الأدبية في الفصل الجديد من الصراع المديد والتاريخي بين الغرب وروسيا، أعني الاستعارة غير الإنشائية، هو الذي أملى هذه المقدمة. ففي العلوم السياسية تقليد متزايد لدراسة الاستخدام الأدبي في الدراسات السياسية والاجتماعية. روسيا كانت دائما لاعبا ملتبسا وقويا ومنافسا في أوروبا والعالم بالنسبة لأوروبا وأميركا. وهذا تاريخ طويل انتهى بانتصار غربي جيوبوليتيكي واقتصادي وقِيَمي هائل على روسيا كان عنوانه سقوط الاتحاد السوفياتي. وها هي روسيا فلاديمير بوتين عادت تقف بالمرصاد للغرب على المستوى الجيوبوليتيكي والعسكري دون أن يتضح للآن هل ستستطيع هذه الروسيا الإفلات من قبضة التفوق الاقتصادي الغربي.

لكن ما يغري رصده بالنسبة لمراقب سياسي من بلدنا الصغير “لبنان الكبير” هو موقف النمسا. فمن كل الأزمة الكبيرة التي تعصف بالعلاقات الأوروبية الأميركية مع روسيا… يستحق الموقف النمساوي في هذه العاصفة الديبلوماسية الضخمة متابعةً خاصة من اللبنانيين لناحية رئيسية هي كيف ستتصرف النمسا، هذه الدولة المحايدة في صراعات الشرق والغرب أي بين روسيا والغرب.

اللبنانيون باتوا يطلِقون على رغبتهم بالحياد على الأقل في الصراعات العربية العربية تسمية “النأي بالنفس” ويقول السفير اللبناني الأسبق إلى فرنسا ناجي أبو عاصي أن هذا التعبير لفت نظر الرئيس ميشال سليمان وبعض معاونيه خلال تولّيهِ الرئاسةَ انطلاقا من سابقة موقف في مجلس الأمن تمّ تحت هذا الشعار لجأت إليه الصين في إحدى القضايا المطروحة… النمسا لا تستخدم تعبير “النأي بالنفس” بل قامت عمليا بما يشبهه إذا جاز التشبيه هنا.

والملاحظ أن وزيرة خارجيتها استندت إلى مبرر عدم اكتمال التحقيقات البريطانية في جريمة التسميم مما لا يقدم أدلة قطعية ضد موسكو. وأضافت “أن كل شيء يتغير”. والملفت أن النمسا واجهت موقفا شبيها عام 2009 عندما اغتيل المعارض الشيشاني البارز اسماعيل إسراييلوف في فيينا.

تجدر الإشارة أن خمسة دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي لم تشارك في عملية طرد الديبلوماسيين الروس وهي اليونان وبلغاريا وقبرص وسلوفينيا. لكن هناك فئة من الدول التي تتخذ الموقف التقليدي بـ”عدم الانحياز” في التحالفات العسكرية ولذلك ليست أعضاء في حلف الناتو هي النمسا، فنلندا، إرلندا، مالطا والسويد، ثلاثة منها شاركت في طرد ديبلوماسيين روس هي فنلندا، إرلندا، والسويد.

بالنتيجة 19 دولة في الاتحاد شاركت بالعقوبات 18 منها بالطرد وواحدة بسحب سفيرها هي لوكسمبورغ (الاتحاد نفْسُه سحب سفيره). وهناك خمس دول أوروبية غير عضو في الاتحاد شاركت بالطرد هي ألبانيا ومكدونيا ومونتينغرو والنروج وأوكرانيا وثلاث دول غير أوروبية هي الولايات المتحدة وكندا وأستراليا ورفضت نيوزيلندا المشاركة.

هل هذا التأطير للموقف النمساوي بـ”عدم اكتمال التحقيقات” يعني تحولا في معنى “الحياد النمساوي” علينا مراقبته في لبنان الباحث عن إغناء “فلسفته” للحياد التي تبدو أحيانا مكبوتة؟ لأن النمسا وافقت على سحب سفير الاتحاد الأوروبي من موسكو لكنها امتنعت عن طرد الديبلوماسيين. فبعد سقوط الاتحاد السوفياتي انضمت النمسا إلى هذا الاتحاد (1995) وأصبحت عضوا كاملا فيه.

هناك دول “غربية” بل داخل أوروبا لم تنضم إلى قرار طرد الديبلوماسيين الروس ولكن الموقف النمساوي له أهمية “لبنانية” خاصة على المستويات التالية:

1- “الحياد” هو تقليد النمسا الثمين بعد الحرب العالمية الثانية وتبعا لمعاهدة وقعتها مع الدول الأربع الحلفاء عام 1955 التي أنهت احتلالها وتلاها إعلان الحياد الشهير الصادر عن البرلمان النمساوي. وحرصت روسيا في مناسبات سابقة على تذكيرها بها لا سيما بعد انضمام النمسا إلى الاتحاد الأوروبي.

في حدود علمي لم تستخدم الحكومة النمساوية تعبير “الحياد” في مواقفها المعلنة من هذه الأزمة وإن كان إرث الحياد وفلسفته كامنين طبعا وبقوة في خلفية ما يحصل.

على أي حال مفهوم الحياد النمساوي تعرض لتغيير بعد دخولها الاتحاد الأوروبي عام 2005 سوى في الالتزام الجوهري لمعاهدة 1955 التي تمنع وجود قواعد عسكرية أجنبية على أراضي النمسا.

2- أبدت الحكومة الروسية ترحيبها بعرض النمسا للوساطة بينها وبين لندن وشركائها. وهذا أيضا مستوى من ممارسة موقف “حيادي” يمكن للبنان أن يمارسه في بعض الأزمات المستقبلية.

3- هل يتغير مفهوم حياد الدولة اللبنانية وفقا لالتزاماتها بين عدم انحياز وبين حياد ونأي بالنفس؟

4- هل يعني الحياد عدم أخذ أي موقف سياسي أو قانوني بالمطلق في الصراع الناشب بين دولة وأخرى؟

5- لنلاحظ أن إقران النمسا لموقفهاالذي نسمّيه، ولا تُسمّيه هي، النأي بالنفس بعرض الوساطة بين فريقي الصراع يسمح لنا باعتماد مصطلح لبناني جديد أو إضافي هو “النأي بالنفْس الإيجابي”. وليس النأي بالنفْس اللبناني “السلبي”. والتعبير كله للتذكير المتكرر هو هنا “لبناني” لا نمساوي وأستخدمه لتوسيع القدرة على التأمل في مقارنة “ثنائية” مفترضة.

6- لا ينبني “الحياد” النمساوي أو النزوع إلى عدم التماثل مع السياسة الأوروبية السلبية حيال روسيا على مبادئ فقط. ولا حتى فقط على براغماتية جغرافية سياسية في وسط أوروبا. يجب أن لا ننسى لحظة المصالح الاقتصادية الكبرى للنمسا مع روسيا.

ففيينا هي مركز ضخم لشركات النفط والغاز والأعمال الروسية وتعتبر هذه المدينة المركز المفضل لرجال الأعمال والسياح الروس في أوروبا. إلى حد اتُّهِمت النمسا من بعض الأطراف الأوروبية الحريصة على توحيد السياسة الخارجية الأوروبية بأنها “حصان طروادة” روسي في داخل أوروبا. وهذا أيضا “درس” نمساوي للبنان من حيث أهمية بناء الموقف على قاعدة المصالح الاقتصادية.

فرغم كل التخبّطات في السياسة الداخلية اللبنانية يلمس اللبنانيون، حتى في ظل أزمة دولتهم المالية، حجم الفوائد الخدماتية العديدة التي يجنونها حاليا من المسافة النسبية المتاحة عن المحيط. ولنا أن نتصور في ظل الفساد السياسي الهائل وانعكاسه على موازنة الدولة حجم خطورة الأزمة لولا هذا التوافق على بعض “النأي بالنفس” اللبناني على مستوى الدولة.

7- طبعا من البديهي التذكير أن هناك أشكالاً مختلفة ومتفاوتة من حياد الدول يكرِّسها القانون الدولي، لكن التركيز على النمسا هنا هو بسبب خصوصية موقعها في الأزمة الروسية الغربية الراهنة والتي تشهد الآن مرحلتها الثانية في الرد الروسي المقابل ببدء طرد ديبلوماسيي الدول التي بادرت إلى طرد نظرائهم الروس.

طبعا هذا التأمّل لا يشمل وضع إسرائيل لأن الحياد اللبناني غير مطروح أصلا لا في الموضوع الفلسطيني ولا في الصراع العربي الإسرائيلي كما ينص “إعلان بعبدا” بوضوح.

لكن الذي لا ينص عليه “إعلان بعبدا” هو أن غياب الحياد في هذا الموضوع كمسلّمة وطنية هي جزء جوهري من الوفاق الوطني، لا يعني فرض أي طرف عربي أو إقليمي على لبنان مفهومه للعلاقة مع إسرائيل إذا كان مختلفا، سلما أو حربا، عن ثوابت الإجماع العربي ضد إسرائيل، الثوابت التي تنتمي إليها الدولة اللبنانية.

jihad.elzein@annahar.com.lb

“النهار”