aren

دراما “صاحبة ضمير” … و” لا تلبس القصير” ! \\ بقلم : د.فؤاد شربجي
الخميس - 10 - سبتمبر - 2020

ح

كان لتلفزيون “دبي” ومؤسساته الانتاجية ، الريادة في انتاج وتوزيع الدراما التلفزيونية العربية وكان سر هذه الفعالية ، الاعلامي العربي ، الاستاذ رياض الشعيبي (رحمه الله – توفي مطلع 2007)، والذي كان وراء تأسيس القنوات الفضائية العربية الاولى ، التي نقلت التلفزيون العربي من البث الارضي الى الفضائي ، وله أيضا ، الفضل الاول في انشاء مؤسسات الانتاج التلفزيوني الدرامي ، والبرامجي لمؤسسة الخليج للانتاج ، ومركز (دبي) للانتاج ، اللذان ساهما في تسعينيات القرن الماضي بانتاج كلاسيكيات الدراما التلفزيونية ، ذات القيمة الفنية والثقافية والفكرية ، والتي أسست لعلاقة مع المشاهد ، تقوم على روح ثقافية فنية معبرة.

مع انتقال البث التلفزيوني العربي الى الفضاء ، نهضت صناعة الدراما التلفزيونية ، وبرزت الدراما السورية في العالم العربي ، كجنس ثقافي فني حضاري جميل وجذاب ، ممتع ومعبر. وهذا خلق علاقة جيدة بين المشاهد العربي ، وهذه الدراما التلفزيونية السورية.

المؤسسة-العامة-للإنتاج-التلفزيوني

على هذا الاساس ، نشأ في سورية ، حركة انتاج درامي تلفزيوني سورية ، ممولة من الخليج ، وخاصة من (دبي) ، كما سعت كبرى مؤسسات الانتاج في دبي الى “الانتاج المشترك” مع التلفزيون العربي السوري ، وكان هنا دور مهم للاعلامي العربي الاستاذ “رياض الشعيبي”، الذي كان مسؤولا عن الانتاج التلفزيوني في دبي ، ومن خلال عملي معه كـ(كاتب) بعدد من المسلسلات ( أبو كامل – الداية – النصية – بنت الضرة – الخشخاش…) ، وكـ(مشرف) على الانتاج في عدد من المسلسلات ، لاحظت مدى حماس هذا الاعلامي العربي للانتاج في سورية و(مع سورية)، وهو الحماس النابع من ايمان قومي عربي بالثقافة والفن ، والسياسة في سورية.

رياض الشعيبي

رياض الشعيبي

وفي جلسة خاصة مع الاستاذ الشعيبي ، سألته صراحة : (أبو محمود ، مالذي يجعلك تفضل الدراما السورية ، رغم انك تنتج في مصر والاردن ولبنان؟ فكان جوابه ، مازحا حاسما : ” تتميز الدراما السورية عن مثيلاتها العربية ، انها صاحبة ضمير” . وبعد تفكير معمق ، تابع : ” شو يعني اتكون دراما صاحبة ضمير؟ يعني انها تعرف دورها ، وتتقن وظيفتها ، وتعمق فعلها في خلق وجدان المشاهد العربي ، المتمسك بقيمه الحضارية ، والمتحمس لبناء حضارته ، والمشحون بطاقة الارتقاء باستمرار”. ثم اختصر كل ذلك بكلمة : ” انها دراما مدهشة بجاذبيتها ، قوية بضميرها المؤثر”.

ومن يومها لم يفارق عقلي ، عبارة هذا الاستاذ الاعلامي الكبير (الدراما السورية، صاحبة ضمير) ، ومن يومها ، صارت لدي معيارا ، ليس لجودة الدراما أو جاذبيتها أو جمالها ، وانما معيارا لمحتواها ، وتأثيرها ، وحضاريتها.

 

فهل من ابداع ، يمكن أن يبني حضارة … ، ان لم يكن صاحب ضمير؟!

من مجمل تصرفات الاستاذ الشعيبي واختياراته وقراراته ، فهمت مقصده عن عبارة (صاحبة ضمير) :

أولا : هو تعامل مع الدراما التلفزيونية على انها (كائن حي ، يمتلك قلبا ودماغا وضميرا. القلب الباعث لحياة الدراما ، هو جاذبيتها الفنية وسحر ابداعها ، ودهشة مساراتها. أما الدماغ ، فهو رسالة هذه الدراما الفكرية المنسقة عبر احداثها وصراعاتها وشخصياتها ، والناتجة عنها. أما الضمير ، فهو الرادع الاخلاقي والحافز للارتقاء ، والدافع لتجويد العمران ..).

ولان الاستاذ الشعيبي ، اعتبر ان ضمير الدراما ، هو مايحدد قلب حياتها ، ودماغ رسالتها ، لذلك اكتفى بالتعبير عن تقييمه لها : انها (صاحبة ضمير).

بالفعل وبسبب الابداع السوري العريق ، كانت الدراما التلفزيونة السورية في نهضتها خلال تسعينيات القرن الماضي ، وبدايات القرن الحالي (صاحبة ضمير) ، لانها اهتمت بهموم الاسنان العربي في معاشه ، وفي بحثه عن الارتقاء ، وفي توقه للحرية ، وفي حرصه على هويته ، وفي سموه الانساني ، واندفاعه للابداع الحياتي عبر الحب وبناء العائلة ، والتمسك بالوطن الحر المبدع.

وهذا ماجعل الدراما التلفزيونية السورية ، منتشرة ومؤثرة بالعالم العربي ، وهذا أيضا ما جعلها هدفا لحروب درامية ، بعضها عربية ، وبعضها اقليمية ، وهذا ما أثر في ضميرها…

مازحني أحدهم ، وأنا اروي تجربتي مع الاستاذ الشعيبي ، حول سر الدراما (صاحبة الضمير) بقوله : “أي . صاحبة الضمير ، صارت تلبس قصير” باشارة الى توجه درامي ، صرف هذا الجنس الابداعي عن مساره ، ليأخذه الى مسارب الاهتمام بالاثارة والشهوانية ، وقلة الحياء.

ولان ثلثي المزح ، جد ، فان علينا أن نتوقف عن المزح ، وأن نتجه الى صحوة ، تعيد الضمير لهذه الدراما ، التي ما زالت في بعض أعمالها ، تحمل وعودا باستعادة النهوض والارتقاء ، كما كانت وأفضل ، لان ما رآه الاستاذ الشعيبي ، فيها ، لم يكن صفة مؤقتة ، بل هو جوهر أصيل لا يحتاج الا لمن يمسح الغبرة عنه ، ليتضح الالماس ، الذي فيه.

رحم الله الاستاذ (رياض الشعيبي)،كم كان عروبيا، وحريصا على الثقافة العربية الاصيلة، المبدعة.