aren

دبلوماسیة”المقالات”… أو أردوغان كاتباً لـِ”نیویورك تایمز” \\ كتابة : د. محمد خروب
الأربعاء - 15 - أغسطس - 2018

اردوغان

 

وجد الرئيس التركي أردوغان،بعض الوقت لكِتابة مقالَة لصحيفة”نيويورك تايمز”الأميركية، تحدث فيها عن الأزمة المُتدحرِجة والآخذة في التعمّق، بما يُنذر بقطيعة مُحتمَلة بين أنقرة وواشنطن، وإن تكن مُستبعَدة في المدى القريب، بدت (المقالة)التي حملَت عنوان”كيف ترى تركيا الأزمة مع الولايات المتحدة”،وكأنها نداء إلى البيت الأبيض لوقف الانحدار المتسارِع لعلاقات الشراكة الإستراتيجية بينهما، فضلاًعن كونِهما حليفان في الناتو منذ 60 عاماً،وأنهما ــ وِفقاً لأردوغان ــ جابَها مَعاً الصعوبات المُشترَكة في فترة الحرب الباردة وما بعدها، مُذكّراً الأميركيين بأنّ تركيا هرَعت لمساعدة الولايات المتحدة في كل وقت على مدى أعوام، قواتنا– يواصل الرئيس التركي –قاتلَت معها في كوريا،وفي أحلَك أوقات أزمة الصواريخ مع كوبا،كما ساهَمنا من أجل تهدِئة الأزمة، من خلال السماح للولايات المتحدة بنشر صواريخ”جوبيتر”على أراضينا، مُستطرِداً الإضاءة على الدعم التركي للسياسات الأميركية بالقول:إنّ بلاده”أرسلَت قواتها إلى أفغانستان، من أجل إنجاح مهمة حلف الأطلسي، عندما كانت الولايات المتحدة تنتظِر أصدقاءها وحلفاءها، من أجل الردّ على مَنْ نفّذوا هجمات 11 ايلول الإرهابية.

المقالة إذاً عرضت أهم المحطات في سِجلّ الخِدمة التركية للسياسات الأميركية في المنطقة على وجه الخصوص، في وقت يُدرِك اردوغان اكثر من غيره،ان الأميركيين لايتعاملون مع الدول الأخرى،أيّاً كانت درجة تحالفِهم معها، بندِيّة بل إن علاقتها بهذه الدول او تلك الأحلاف، يمكن ان تنتهي في أي لحظة، إذا ما تعارَضت مع المصالح الأميركية،التي تتخفى خلف العِبارة الغامِضة وحمّالة الأوجُه، التي لا يستطيع أحد في العالم حصرها بدقة أو الوقوف على حدودها وهي:”تهديد الأمن القومي الأميركي”.

لهذا…لم تنجح مقالة أردوغان في تغيير السيناريو الذي اعتمده الرئيس الأميركي للإضرار بتركيا ومعاقبتها،الأمر الذي دفع بأردوغان نفسه للاعتراف(في تصريح صحفي وليس في مقالته بنيويورك تايمز) بأنّ”المسألة ليست دولار أو يورو أو ذهب،وإنما حرب اقتصادية ضدَّنا”.

ما يعني أن كل ما ورَد في مقالته المطوّلة وحديثه المُسهب عن الشراكة والخدمات التركية للسياسات الأميركية،وغيرها من الإجراءات التي اتّخذتها أنقرة في العقود التي تلت الحرب العالمية الثانية, وانخراط تركيا لخدمة الاستراتيجية الأميركية الكونية, عبر انضمامها لحلف شمال الأطلسي ومنحه قواعد عسكرية على أراضيها,باعتبارها ساحة مُطلّة على الاتحاد السوفياتي ورأس الحربة لمحاصرته،لم تُسهِم في نيل الرضى الأميركي أو حتى الإعتراف بالجميل.فما الذي بمقدور أردوغان فِعله الآن لمواجهة الحرب الأميركية هذه,الهادفة.. ضمن أمور أخرى,تركيع تركيا ودفعها للإعتذار والإنتظام في سِرب الأنظمة التي تسير في ركب السياسات الأميركية التي تنتهجها إدارة ترمب,والتي تأخذ طابع الإنتقام والمسّ بسيادات الدول والإضرار بمصالح الشعوب؟.

من السذاجة الاعتقاد أن تركيا توشِك على الدخول في قطيعة مع واشنطن،رغم كل ما فعلَته أو تفعله الأخيرة في الأزمة الراهنة بين البلدين,لأن أنقرة لم تحسِم ــ ولا يبدو انها ستحسِم ــ خياراتها السياسية والاستراتيجية,وتقوم باستدارة دراماتيكية ذات أبعاد استراتيجية,وليس مجرد تكتيك أو خطوة مرحلية,لاستدراج واشنطن ودفعها للتراجع أو التخفيف من إجراءاتها وعقوباتها التجارية،حتى لو أخذنا في الاعتبار تهديدات أردوغان باتّخاذ خطوات حاسمة للتخلّي عن الدولار في التعاملات التجارية لتركيا,واستعدادها لاستخدام العملات”المحلية”في التبادلات التجارية البَينِيّة الخارجية,خصوصاً مع الصين وروسيا وإيران وأوكرانيا,وغيرها من الدول التي تملك أنقرة التبادل التجاري الأكبر معها،وخصوصاً ما أبداه من استعداد لتأسيس نفس نظام استخدام العملات المحلية مع (الدول الأوروبية) التي تُريد الخروج من قبضة الدولار.

صحيح أن ثلاث دول ذات وزن وتأثير على الساحة الدولية،تُواجِه عقوبات أميركية تجارية واقتصادية متفاوتة الحجم والأثر,تم إضافة تركيا إليها اخيرا,ما أدّى لتدهور سعر صرف الليرة التركية ودخولها مرحلة الخطر,اذا ما تواصل تدهورها في سوق صرف العملات،إلاّ ان تركيا لا تسارع للإستدارة نحو طهران وبيجين وموسكو,بل تُلوِّح فقط باحتمال ذهابها الى ذلك المسار,وإن بشكل غير مؤكَّد حتى الآن.

إذ لأردوغان سياساته ومخططاته الإقليمية ذات النزعة العثمانية التي لا ترى فى الآخرين حلفاء أو شركاء بل مجرد”أوراق”تُناوِر بها لخدمة سياسات ذات نزعة فردية وأنانية,تُدير الظهرلها حال,تَحقّق مصالحها أو بروز طرف آخر يزيد من مستوى”أرباحها”السياسية أو الاقتصادية أو الدبلوماسية. ومسار استانا وسياسة تركيا السورية والعراقية,دليل واضح على ما ذهبنا إليه,وبالتالي فإن الرهان على قطيعة أميركية تركية سيكون رهاناً خاسراً,ما بالك بمن يرفَع”سعر”ومستوى رهاناته ليقول:إن تركيا ستخّرج من حلف شمال الأطلسي,وتُغلِق قاعدة إنجرليك في وجه أميركا؟.

ما ذهبنا إليه لا يستهدف الشماتة بتركيا,أو الدفاع عن سياسات ترمب العدوانية والإستعلائية,التي لا تُقيم وزناً لأحد ولا تحترِم حليفاً أو صديقاً,على قاعدة “أميركاً أولاً”,بل المقصود القول:إنّ اردوغان يدفع بعض أثمان سياساته,التي تتماثل وتتماهى في النهاية,مع سياسات ومقاصِد الهيمنة الأميركية على العالم.

“الرأي ” الأردنية