aren

دبلوماسية الأميرال «كوزنتسوف» …… فيصل جلول
الأربعاء - 25 - يناير - 2017

عرفت المياه الإقليمية الليبية قبل أسبوعين، حدثاً لا يقع إلا مرة واحدة خلال عقود طويلة، فقد انتقلت حاملة الطائرات الروسية الأميرال «كوزنتسوف» من الشواطئ السورية إلى الشواطئ الليبية، واستقبلت الجنرال الليبي خليفة حفتر على متنها، وأتاحت له حواراً بواسطة «الفيديوكو نفرانس» مع وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو.

لا تحمل هذه الزيارة معنى المجاملة، شأنها شأن زيارات حفتر السابقة إلى العاصمة الروسية، بل تفيد أنباء متواترة أن فلاديمير بوتين قرر الانخراط في الأزمة الليبية والرهان على مركز قوة مهم بين مراكز القوى المتنازعة في هذا البلد.

نتبين ذلك أيضاً من اهتمام وسائل الإعلام الروسية الواسع بزيارات قائد الجيش الليبي إلى موسكو ، فضلاً عن زيارته للحاملة «كوزنتسوف» ، وهناك من يعتقد أن موسكو قد اختارت التحالف مع الجنرال الليبي أو على الأقل الرهان على الجيش الليبي من أجل حل الأزمة، وليس على حكومة السراج التي تستقر في طرابلس وتحظى باعتراف رسمي من الحكومة الروسية التي يبدو إنها لن تطعن باعترافها الرسمي بالحكومة المذكورة ، وإنما العمل في ليبيا على هامش هذا الاعتراف، كما تفعل دول أخرى ومن بينها فرنسا التي تؤيد رسمياً حكومة طرابلس.

يفصح سياق الاتصالات الروسية مع الجنرال حفتر عن تغيير أساسي في السياسة الخارجية الروسية تجاه ليبيا والمتوسط وإفريقيا ، يمكن حصره في النقاط الآتية:

أولاً: يطوي هذا التحرك صفحة الموقف الروسي من قرار مجلس الأمن رقم 1973 بتاريخ 2011 الذي أجاز إنشاء مناطق حظر جوية سرعان ما استخدمها الحلف الأطلسي لشن حرب طاحنة على النظام الليبي بزعامة العقيد الراحل معمر القذافي. معلوم أن الموافقة على هذا القرار، قد تمت في حينه من طرف الرئيس ديمتري ميدفيديف، الذي اتسمت سياسته تجاه القوى الغربية بالتساهل، ومعلوم أيضاً أن هذا الموقف لم ينل في حينه موافقة بوتين الذي كان رئيساً للوزراء بل قيل حينذاك إن الرجلين اختلفا علناً حول هذه المسألة.

إن انتقال روسيا من موقف الشريك في قرار مجلس الأمن المذكور أعلاه، والعمل بما لا يرضي الحكومة الليبية التي تعتبر امتداداً لذلك القرار، وهي المعترف بها دولياً، هذا الانتقال يعني أن موسكو صارت لاعباً مهماً في ليبيا يجب أن يؤخذ بالحسبان من الآن فصاعداً.

ثانياً: يزيد الموقف الروسي قوة حفتر على الأرض ويتيح له منبراً دولياً بعد أن حظي بدعم الجيش وقسم كبير من القبائل وإشرافه على الشرق الليبي، فضلاً عن قسم من الجنوب ونجاحه في تطهير مناطق تواجده من الإرهاب، ناهيك عن إشرافه على موانئ تصدير النفط، هذا إذا أردنا إغفال التأييد من القوى الإقليمية.

من جهة ثانية يحتفظ حفتر بعلاقات جيدة مع الولايات المتحدة منذ العام1987.

ثالثاً: يوحي التوسع الروسي باتجاه ليبيا أن بوتين يريد التمدد في المتوسط وربما يطمح إلى الإفادة من قاعدة عسكرية في ليبيا، تضاف إلى الوجود العسكري في الساحل السوري ، وهذا أمر في غاية الأهمية، لأن الشواطئ الليبية تبعد أقل من 300 كلم عن الحدود الأوروبية.

رابعاً: يضمر الرهان على ليبيا محاولة جديدة للعودة إلى إفريقيا ، وبالتالي استعادة النفوذ الذي تراجع منذ الفترة السوفييتية. وإذا كان صحيحاً أن ليبيا ليست دولة محورية في إفريقيا، فالصحيح أيضاً أنها تملك الوسائل التي تتيح لها أن تلعب دوراً في القارة السمراء على غرار الدور الذي كان يلعبه القذافي.

خامساً: إذا أتيح لروسيا الإفادة من تراجع الولايات المتحدة وأوروبا في العالم العربي وبالتالي التقدم في أكثر من موقع وبلد عربي، فإن حاصل هذا التقدم يمكن أن يساعد الروس على لعب دور مهم في الصراع العربي «الإسرائيلي» ، خصوصاً أن موسكو تتمتع بنفوذ كبير داخل الكيان الصهيوني، سواء عبر اليهود الروس، أو عبر العلاقة التاريخية العميقة بين الطرفين، ذلك أن موسكو كانت من أوائل العواصم التي اعترفت بالدولة العبرية وعبرت مراراً عن تمسكها بأمن الكيان.

في هذا السياق لا يمكن أن نغفل الأفضليات الاقتصادية التي من المحتمل أن تحققها روسيا جراء تأييدها لطرف قد يربح التنافس على السلطة ، وذلك لجهة العقود النفطية المحتملة أو لجهة صفقات الأسلحة ، خصوصاً أن الجيش الليبي كان مبنياً على الطريقة السوفييتية ويستخدم الأسلحة الروسية في القسم الأعظم من قطاعاته، ويضاف إلى ذلك حاجة ليبيا إلى إعادة بناء ما خربته الحرب.

يفيد ما سبق أن الرهان الروسي على لعب دور في الأزمة الليبية يزداد جدية يوماً بعد يوم ، والواضح أن نجاح الروس في سوريا بات مغرياً لهم ولمن يرغب في شراكتهم في العالم العربي وإفريقيا، وإن تم لهم ذلك يمكن أن يحلم بوتين باستئناف دور بلاده الأممي في كل مكان ، وليس فقط في الشرق الأوسط

الخليج الاماراتية