aren

خاتمة الجنوب السوري بداية نهاية الشمال \\ كتابة : حسن أبو هنية
الأربعاء - 11 - يوليو - 2018

 

تشير النهاية المتوقعة للجبهة الجنوبية في سوريا إلى بداية الترتيبات للجبهة الشمالية الخاصة بالكرد مع بقاء جيب محافظة إدلب مؤجلا بانتظار ترتيبات أشد تعقيدا بعد أن أصبحت مركزا أخيرا لتجمع فصائل المعارضة المسلحة على اختلاف إيديولوجياتها وانتماءاتها مع تفوق كبير للجماعات الإسلامية الموصوفة بالمتطرفة والإرهابية،ويبدو أن التفاهمات الأميركية الروسية التي أفضت إلى دخول القوات السورية إلى جنوب سوريا سوف تفضي إلى دخول العسكريين الروس مع القوات الحكومية السورية إلى مناطق الأكراد شمالي سوريا،فقد أفضت التطورات المتلاحقة إلى بروز قناعة لدى الأكراد بتخلي الولايات المتحدة عنهم كما فعلت مع فصائل الجبهة الجنوبية،وهو ما دفع الأكراد المؤيدين لأميركا للدفاع بحماسة شديدة عن قبول هدنة مع دمشق.

إن تحسن العلاقات بين الأكراد ودمشق جاء نتيجة التحولات العميقة التي طالت المسألة السورية عقب هزيمة تنظيم “الدولة الإسلامية”،والتقارب الأميركي الروسي حول مستقبل سوريا ومصير الأسد،وبدا واضحا بعد تحسن علاقات أميركا بتركيا،فقد اضطرت الولايات المتحدة إلى سحب مقاتلي وحدات حماية الشعب الكردية من مدينة منبج تحت ضغط من أردوغان والتوصل إلى خريطة طريق مشتركة،وعززت التصريحات الأميركية حول الانسحاب من سوريا بعد المؤتمر الصحفي الذي عقد في ٢٨ آذار2018،حين رد الرئيس دونالد ترمب على سؤال ما إذا كان لا يزال يريد سحب القوات الأميركية من سوريا قائلاً:” أريد الخروج،أريد أن أعيد جنودنا إلى وطنهم.أريد أن أبدأ بإعادة بناء أمتنا،من قناعة الأكراد بضرورة فتح حوار مع دمشق.

تحت عنوان”ترمب يسلم الأكراد السوريين لبوتين”،نشرت صحيفة”سفوبودنايا بريسا”الروسية،مقالا للمحلل السياسي زاؤور كاراييف،حول دخول العسكريين الروس مع القوات الحكومية السورية إلى مناطق الأكراد شمالي سوريا،ولهذه الغاية، يمكن أن يتخلى ترمب عن الأراضي السورية التي استولى عليها الإرهابيون لبوتين.

الأسد نفسه، لم يكن ليقرر مثل هذه المغامرة،فليس لديه قوة لمواجهة تركيا،لكنه قادر على القيام بالكثير مع الجيش الروسي. لذلك، بالنسبة له تمثل هذه الصفقة نجاحا كبيرا للغاية،ويقال إن قوات النظام السوري والجيش الروسي قد دخلت بالفعل المحافظات الشمالية.لن تمنح وحدات حماية الشعب كل السلطة للنظام، لكنها ستسمح بوجوده في المنطقة.

وفي ذات السياق، وتحت عنوان”واشنطن أعطت الفكة” كتبت أنجيليكا باسيسيني، في صحيفة “آر بي كا” الروسية، حول ترك الولايات المتحدة الجنوب السوري للقوات الحكومية السورية،أن تراجع التورط الأميركي في الصراع السوري، تؤكده أيضا تقارير عن بداية مفاوضات بين الحكومة السورية و”قوات سوريا الديمقراطية “الكردية،التي دعمتها واشنطن طوال حربها ضد تنظيم الدولة ومواجهتها مع الجيش السوري.

علما بأن هذه القوات تسيطر على الأراضي إلى الشرق من نهر الفرات،وأكد خبير المجلس الروسي للشؤون الخارجية كيريل سيمينوف،أن ترك واشنطن جنوب سوريا لسيطرة القوات الحكومية، وكذلك المفاوضات الجارية بين قوات سوريا الديمقراطية ودمشق، حلقات في سلسلة واحدة، وقال:”من الواضح أن واشنطن أوضحت للأكراد السوريين أنهم يجب أن يعتمدوا فقط على قوتهم”. ووفقاً له،فإن رفض واشنطن دعم الأكراد في الشمال والمعارضة في الجنوب سيؤدي إلى سيطرة تدريجية للحكومة على هذه الأراضي. وسيكون على روسيا أن تلتزم بمنع انبعاث تنظيم الدولة والحيلولة دون تعزيز الوجود الإيراني في سوريا”.

لا شك أن أكراد سوريا يدركون تعقيدات المشهد وصعوبة أن تقوم أميركا بالتخلي عن تركيا لصالحهم،كما أنهم يدركون عدم وجود استراتيجية أميركية متكاملة وشفافة،ولطالما كان السؤال عن مدى التزام أمريكا بالبقاء في سوريا وعدم الانسحاب،وباتت مخاوف الأكراد مؤكدة بعد سلسلة من التحولات في طبيعة التحالفات الدولية والإقليمية، ففي 4 حزيران2018 أعلنت تركيا والولايات المتحدة عن وصولهما لاتفاق حول تطبيق خريطة طريق لتعزيز السلم في مدينة منبج السوريّة الخاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية منذ عام 2016 بعد طرد تنظيم الدولة منها. وجاء الاتفاق ضمن مساعي الولايات المتحدة لإرضاء تركيا بعد فترة طويلة من توتر العلاقات بشكل كبير بين الطرفين، ولم تقتصر تحولات المشهد الكردي على انقلاب

بعض التحالفات الإقليمية والدولية بل طالت المكون الكردي ذاته حيث تفجّر خلاف جديد بين أكبر قوتين سياسيتين في الشارع السوري الكردي في محافظة الحسكة السورية على خلفية قيام حزب”الاتحاد الديمقراطي”الكردي والذي يتقاسم السيطرة على المحافظة مع النظام السوري بحملة اعتقالات طاولت قيادات من”المجلس الوطني الكردي”.

لقد دفع الاتفاق الأميركي التركي والأميركي الروسي الأكراد إلى الإعلان عن الرغبة بالتفاوض مع النظام السوري، حيث صرح صالح مسلم الرئيس السابق لحزب الاتحاد الديمقراطي لوكالة الأنباء الألمانية بالقول: ” إذا توافقت مصالحنا مع الأميركيين فسنسير معهم،وإذا توافقت مع الروس فسنسير معهم، وإذا توافقت مع الأسد فسنسير معه،كما أعلنت إلهام أحمد الرئيسة المشتركة لمجلس سوريا الديمقراطي، الجناح السياسي لقوات سوريا الديمقراطية،عن استعدادهم للتفاوض مع النظام السوري دون شروط مسبقة.

لا يزال من المبكر دخول الأكراد في مفاوضات مباشرة مع التظام في مناطق شرق الفرات، إذ لا تزال الولايات المتحدة تحتفظ بقواعد وقوت تنتشر في تلك المنطقة،وهي قادرة على إفشال أي اتفاق بين النظام وقوات سوريا الديمقراطية ، أو روسيا ، أو إيران ، لكن المؤكد أن خيارات الأكراد أصبحت محدودة وأكثر تواضعا، لكن قرار الانسحاب الأميركي المبهم والتفاهمات مع روسيا،قد تعزز من الإسراع بالتفاوض بوساطة الروس نظرا لموقفهم القريب من الرؤية الأميركية حول مستقبل سوريا،إذ يتمثل موقف موسكو بالحفاظ على وحدة الأراضي السورية وتحديد مستقبل سوريا عبر الحوار بين جميع أطراف النزاع بمن فيهم الكرد،وقد تضمن

مشروع الدستور السوري، الذي قدمته روسيا، منح الكرد حكما ذاتيا واسعا، وكانت روسيا افتتحت عام 2016 في موسكو أول ممثلية لكردستان الغربية”روجا آفا”في العالم،وساهمت روسيا في آذار 2017 التوصل إلى اتفاق سلمت بموجبه قوات سوريا الديمقراطية المناطق الواقعة غرب مدينة منبج التي تسيطر عليها إلى القوات الحكومية السورية.

خلاصة القول أن ثمة مؤشرات واضحة على قرب التوصل إلى تفاهمات حول شمال سوريا شرق الفرات التي يسيطر عليها الأكراد، وهي تفاهمات يسهل بلوغها مع تواضع طموحات الأكراد ونزعتهم البراغماتية الواقعية، فالموقف الرسمي لكرد سوريا لا يصل حد الانفصال والمطالبة بالاستقلال،وقد احتفظ الكرد بصلات مع النظام السوري،وصداقة مع الروس،وعلاقات مع إيران، وتقتصر مطالبهم عقب التحولات على مسألة الاتفاق مع دمشق بشأن الحكم الذاتي وهو أمر لا يجد ممانعة من أي أطراف المعادلة.

“الرأي” الأردنية