aren

حول “اتفاقية سيداو”… أين كنا وأين أصبحنا؟ \\ بقلم : د.ماهر الشريف
الخميس - 26 - ديسمبر - 2019

الدكتور ماهر الشريف

الدكتور ماهر الشريف

منذ أكثر من قرن، عالجت باحثة البادية (1886-1918) بالتفصيل الظواهر الاجتماعية ، المتعلقة بحياة المرأة وعلاقتها بالرجل، فرأت أن طريقة الزواج في مصر “طريقة معوجة عقيمة، نتيجتها في الغالب عدم الوفاق بين الزوجين”، مضيفة أن ما “جعل مسألة الزواج عندنا (نحن المسلمين) هينة لينة إباحة الدين الحنيف الطلاق وتعدد الزوجات”.

ولكن حاشا أن يكون قصد الشارع -كما تابعت- “ما نراه الآن من الفوضى في أدق الروابط الاجتماعية، ومن نقض عهود الأسر وقلب نظامها، فإن الأديان لم تخلق لجلب البؤس ، وإنما خلقت لإسعاد البشر”. ونظرت باحثة البادية إلى تعدد الزوجات ، باعتباره “عدو النساء الألد، وشيطانهن الفرد”، وهو “مفسدة للرجل، مفسدة للصحة، مفسدة للمال، مفسدة للأخلاق، مفسدة للأولاد، مفسدة لقلوب النساء”. كما عارضت الزواج المبكّر، والرأي القائل بأن “سن البلوغ يجب أن يكون هو بعينه سن الزواج”، معتبرة أن الفتاة في الثانية عشرة من العمر “لا تفهم شيئاً من معنى الزواج، ولا تعلم شيئاً من أمور البيت”، ومؤكدةً أن تزويج الصغار”لعب فيه شقاء للأمة من عدة وجوه: عناء في الزوجية، ونتيجته دائماً الشقاق أو الانفصال، كثرة وفيات الأطفال، ضعف النسل، إصابة النساء بالأمراض العصبية والأمراض النسائية الأخر ” ( باحثة البادية (1886-1918)، “الزواج؛ “تعدد الزوجات أو الضرائر”؛ “سن الزواج “؛ في: الخطيب، محمد كامل، قضية المرأة، القسم الثالث، دمشق، وزارة الثقافة، 1999، ص 37-53).

وفي الاتجاه نفسه، نبّه المصلح التونسي الطاهر الحداد (1899-1935) في كتابه: “إمرأتنا في الشريعة والمجتمع” إلى أن القهر المسلّط على المرأة ليس ناتجاً عن الدين بل هو من فعل التاريخ، معتبراً أن الدين قد منح المرأة حقوقاً حرمها منها المسلمون، كما أن “الأحكام الشرعية”، التي كان لها دور كبير في ما تعيشه المرأة من أوضاع مزرية، ليست الأحكام التي قررها الله في كتابه وعبّر عنها الرسول في سيرته قولاً وفعلاً، بل هي أحكام وضعها فقهاء خضعوا لظروف عصورهم ولأحوال بيئاتهم أكثر مما خضعوا لروح النص ولمقاصده الكبرى. وانطلاقاً من قناعته هذه، شن الحداد حملة على تعدد الزوجات، ودعا إلى تمكين المرأة من حقها في اختيار زوجها، وعارض طرق إيقاع الطلاق ودعا إلى إرجاع الأمر فيه إلى القضاء المختص وإلى تمكين المرأة من الحق في طلب الطلاق. وذهب إلى أنه ليس في نصوص القرآن ما يمنع المرأة من تولي أي عمل في الدولة أو المجتمع مهما كان هذا العمل عظيماً (أورده عبد الرزاق الحمامي في مقاله: “المرأة في مشروع الحداثة التونسي”).

وفي مقال لها يعود تاريخه إلى سنة 1947، قدّرت الناقدة الفلسطينية ، سلمى الخضرا الجيوسي ، أنه “ليس هناك أفدح من الخطأ الذي يرتكبه الكثيرون عندما يقولون إن الدين الإسلامي لم يوسّع أمام المرأة مجال التقدم والترقي، بل جعل ميدانها في الحياة ضيقاً محفوفاً بالأشواك. وقد قالوا إن الدين فضّل عليها الرجل، وسمح له ما لم يسمح لها. وقالوا إنه جعل منها أداة تخدم الرجل وتعينه وتلد له، ويعلم الله ربي أنهم في أقوالهم هذه قد ظلموا الدين الحنيف، وتعدّوا على أنظمته البديعة وشرائعه الفائقة وعدله السامي العظيم”. وأضافت: “قد اعترفت ولست أنكر أن المرأة اليوم قد استكانت وخبا مركزها. ولكن هذا الضعف أمام الرجل، والاستكانة له، إنما هما جزء من الضعف والاستكانة اللذين يعمان الشعب بأجمعه رجاله ونساءه. وقد نظر الرجل حوله فوجد بلده في حالة ضعيفة، ووجد نفسه قد فقد سلطته الخارجية بفقدان العز السياسي، وما يحمله العز السياسي من قوة وثقة بالنفس عظيمتين…فخضعت [المرأة] للرجل، وقد استعبدها استعباد الضعيف للأضعف، ولو كان قوياً لما استعبد من كان أضعف منه…والغريب الغريب أن الرجل يفتخر، بزهو وخيلاء، أن الدين قد خوّله حق التحكم بالمرأة، والأغرب من ذلك بكثير أن المرأة نفسها تعترف للرجل بهذا الحق المزعوم”. وخلصت إلى أنه “لا يُستعبد في الناس إلا من رضي لنفسه بالاستعباد” (“هل أنصف الإسلام المرأة؟”، مجلة القافلة، القدس، 14 تشرين الثاني 1947، ص 8 و ص 16).

ويرى المصلح التونسي صلاح الدين الجورشي ، أن السلطات السياسية التي تريد مكافحة الأصولية المتعصبة ، مدعوة إلى تمكين المجددين ودعاة الثقافة الإسلامية المستنيرة من الوصول إلى مخاطبة جمهور المؤمنين عن طريق وسائل الإعلام الجماهيرية. كما هي مدعوة إلى إصلاح مؤسسات التعليم الديني، والقيام بمراجعات جدية لمناهجها ومقرراتها الأساسية، وإدراج الدراسات المقارنة والنقدية لتاريخ الأديان فيها، وتشجيع الجهود الرامية إلى إصلاح فقه النساء وتبيان حقيقة أن التمييز والقهر اللذين تعاني منهما المرأة ليسا ناتجين عن الدين بل هما من فعل التاريخ، وأن “الأحكام الشرعية”، التي تبررهما هي أحكام وضعها فقهاء في أزمنة معينة وبيئات محددة.

______________________________________________________________________________________________________

\المحرر \

اتفاقية سيداو \ (CEDAW) ، تعرف بأنّها اتفاقية دولية للقضاء على جميع أشكال التمييز ضدّ المرأة، اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 1979، بأنّها مشروع قانون دوليّ لحقوق المرأة، تتألّف من مقدمة و30 مادة، تحدّد ما يشكّل تمييزاً ضدّ المرأة،

وبعد اعتماد الجمعية العامة للاتفاقية، تمّ التوقيع على الاتفاقية في احتفال عقد في تموز/ يوليو 1980 في كوبنهاغن من جانب 64 بلداً، ودخلت الاتفاقية حيز التنفيذ بعد مرور عام واحد فقط في 3 سبتمبر 1981، بعد أن صدّقت عليها 20 دولة عضواً، وكانت الولايات المتحدة من الدول الموقّعة الأصلية، وظلت إلى القرن الحادي والعشرين، ولم تصادق على المعاهدة، وعلاوة على ذلك، أدرجت الولايات المتحدة مزيداً من التحفّظات على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة من أية معاهدة رئيسية أخرى لحقوق الإنسان.

629024.1574157737.b

بنود الاتفاقية : تنصّ الاتفاقية على المساواة بين الرجل والمرأة، وحقوق الإنسان والحريات الأساسية في الميادين السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، أو أي ميدان آخر،كما تحثّ الدول الأعضاء على اتّخاذ بعض الإجراءات، وتشمل أحكامها ما يأتي:

تتخذ جميع الدول الأطراف أو الأطراف الموقّعة على الاتفاقية جميع التدابير المناسبة لتعديل أو إلغاء القوانين والممارسات القائمة على التمييز ضد المرأة.

تقوم الدول الأطراف بمنع التجارة بالمرأة واستغلالها. تكون المرأة قادرة على التصويت في الانتخابات على قدر المساواة مع الرجل. المساواة في الحصول على التعليم، بما في ذلك المناطق الريفية. المساواة في الحصول على الرعاية الصحية، والمعاملات المالية، والحقوق الملكية.

أهمية الاتفاقية : ساعدت الاتفاقية على القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، ويشير صندوق الأمم المتحدة الإنمائيّ للمرأة إلى العديد من قصص نجاح الاتفاقية، منها:

نفّذت النمسا توصيات اللجنة المعنية بالقضاء على التمييز ضد المرأة بشأن حماية المرأة من العنف الزوجيّ. حظرت المحكمة العليا في بنغلادش التحرّش الجنسيّ، استناداً إلى بيانات المساواة في العمالة التي وضعتها اللجنة. ذكرت محكمة في كولومبيا على أنّها رفضت الحظر التام على الإجهاض، واعترفت بالحقوق الإنجابية باعتبارها من حقوق الإنسان. قامت قيرغيزستان وطاجيكستان بتنقيح عمليات ملكية الأراضي، لضمان المساواة في الحقوق والوفاء بالمعايير الواردة في الاتفاقية.