aren

حل الأزمة السورية بات الآن في أيدي روسيا \ كتابة : ديمتري ترينين
الخميس - 24 - أكتوبر - 2019

جنود روس في مرفأ بطرطوس السورية

جنود روس في مرفأ طرطوس السوري

التجدد – ترجمة خاصة – مكتب بيروت

يُقال على نطاق واسع ، إن انسحاب القوات الأمريكية من سوريا ، كان بمثابة هدية لروسيا، فقد تصبح موسكو الآن، باعتبارها الدولة الوحيدة من خارج الشرق الأوسط ، التي تتمتع بوجود عسكري ، ونفوذ سياسي في دمشق، هي المسؤولة عن الأمن في ذلك البلد، ولكن هذا لن يحدث ، إلا إذا ارتقت لمستوى الوضع الحالي، فصحيح أن روسيا قد حظت بالحق في لعب دور مهم في سوريا، ولكن إذا أرادت أن تكون القوة الرائدة هناك، فإن ملء الفراغ ، الذي خلفته الولايات المتحدة ، لن يكون كافيًا.

وقد لاحظ الكثير من المحللين منذ فترة طويلة ، أن الأمريكيين يخلقون مشاكل عندما يتدخلون في بلدان أجنبية وأيضًا عندما يغادرونها، وقرار الرئيس الأمريكي ، دونالد ترمب، التخلي عن حلفاء الولايات المتحدة الأكراد ،قد دفع الأتراك إلى التدخل في سوريا على نطاق أوسع من ذي قبل، وهو ما أتاح فرصة غير مستحبة لموسكو لحدوث تصادم مباشر بين حلفائها فى أنقرة ودمشق، فمن غير المرجح أن تكون روسيا ، قد أيدت الغزو التركي لسوريا، والذي يهدد التوازن الإقليمي.

وتعزو روسيا نجاحها في سوريا حتى الآن ، لقدرتها على البقاء على اتصال مع جميع اللاعبين المعنيين في المنطقة، ويشمل ذلك الخصوم الواضحين ، مثل : (إسرائيل) ، إيران ، و المملكة العربية السعودية، فقد أقامت موسكو تحالفات مع سوريا وتركيا وإيران ، تشبه التحالفات المتغيرة، التي كانت شائعة في أوروبا في القرن الـ١٨ أكثر من الكتل الصلبة، التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية، فمثل هذه العلاقات ،تكون ظرفية ومحدودة في المكان والزمان والهدف، فصحيح أن روسيا لا تخون حلفاءها، ولكنها أيضًا لا تكتب لهم شيكات على بياض.

ودائمًا ما تفخر موسكو بإنقاذ سوريا كدولة ، ومنعها من الانزلاق إلى الفوضى مثل ليبيا، ومع ذلك، فإن هذا لا يعني أن روسيا تدعم طموح الرئيس السورى بشار الأسد بإخضاع البلاد بأسرها لسيطرته،مهما كان الثمن، فقد اعتبر الكرملين ، أن الهجوم الشامل على معقل المتمردين في إدلب ، كان محفوفًا بالمخاطر من حيث الخسائر المحتملة في صفوف المدنيين، وردود الفعل الناتجة عنه، حيث كان يفضل تبني سياسة الاحتواء والتعاون مع تركيا للتعامل مع جهاديي تنظيم “داعش” هناك.

وعندما يتحدث الرئيس التركي رجب أردوغان عن المخاطر ، التي تهدد أمن بلاده من الجماعات المرتبطة بحزب العمال الكردستاني، فإن نظيره الروسي فلاديمير بوتين ، يستمع بإنصات، كما أن غارات أنقرة السابقة على الأراضي السورية ، التي كانت تهدف لتأمين المنطقة على طول الحدود المشتركة ،لم تثر أي ردود فعل قوية من قبل الكرملين.

ومن المرجح أنه قد تم إخطار الروس قبل بدء تركيا عمليتها العسكرية في سوريا، هذا الشهر، ومع ذلك، فإنه من المتوقع أن يكون بوتين قد أخبر أردوغان ،أن الهدف يجب أن يكون القضاء على الإرهابيين، وهو ما تدعيه تركيا فعلًا، وليس الاحتلال الدائم للأراضي السورية ، أو الإطاحة بالنظام في دمشق.

وصحيح أن روسيا لم تكن ترحب باعتماد الأكراد على دعم الولايات المتحدة ومساعدتها لهم، لكنها دعت إلى حصولهم على قدر من الحكم الذاتي في سوريا ما بعد الحرب، ولم تدعم جهود دمشق لإعادتهم إلى وضع ما قبل الحرب، وبمجرد أن فقد الأكراد حلفاءهم الأمريكيين، ساعدتهم موسكو في التفاوض على اتفاق مع دمشق يسمح لقوات الحكومة السورية بالانتقال إلى الأراضي التي يسيطر عليها الأكراد لحمايتهم من الاجتياح التركي.

ولطالما اعتبرت روسيا الوجود العسكري الأمريكي في سوريا ، غير شرعي، وذلك لأنهم كانوا موجدين في البلاد دون موافقة الحكومة السورية، فالعمليات العسكرية المتزامنة التي قامت بها الولايات المتحدة وروسيا في نفس البلد، ولكن ليس فى نفس الجانب، قد خاطرت بحدوث اصطدام بين البلدين، لكن يبدو أن موسكو و واشنطن قد اتفقتا على آلية لتجنب الصراع ، والتي كانت ناجحة بشكل جيد.

إن مغادرة الأمريكيين لسوريا، لن يترك موسكو فقط كقوة غير إقليمية في سوريا، بل سيعطيها أيضًا عددًا من المشكلات التي يتعين عليها معالجتها من الآن فصاعدًا، والمشكلة الأكثر إلحاحًا ، هي مصير مقاتلي داعش السابقين ، الذين يحرسهم الأكراد ، الآن، فمن الواضح أن روسيا تتفهم خطر تحريرهم ، وإيجاد قاعدة أخرى لممارسة أنشطتهم السابقة، ففي عام ٢٠١٥ كان تهديد سيطرة داعش على دمشق ، هو الذي دفع بوتين لإرسال قوات إلى هناك في المقام الأول، كما سيكون على روسيا أيضًا التوسط بين الأكراد ودمشق ، وأنقرة.

وقال بوتين مؤخرًا ، إن التدخل العسكري الروسي في سوريا قد فاق توقعاته، حيث أنقذت روسيا النظام في دمشق، وهزمت داعش، والأهم من ذلك أنها تمكنت من استعادة صورتها ، باعتبارها قوة عظمى.

لكن موسكو تشارك الآن بعمق في شؤون إحدى أكثر مناطق العالم اضطرابًا، وحتى تتمكن من مواصلة مسيرتها الناجحة ، فإنه يجب عليها أن تظل منفتحة على جميع الشركاء ، وأن تتقن بعض مهارات الوساطة، كما أنه يجب أن تكون على دراية بالقيود المالية والاقتصادية التي ستواجهها.

وأخيرًا، يجب ألا تسعى روسيا أبدًا إلى أن تصبح البديل لأمريكا باعتبارها الدولة ، التي تعمل على حل مشاكل العالم، وأن تدرك أن مكافأة النجاح ، هي مواجهة مجموعة كاملة من المشاكل.

مدير مركز “كارنيغي” – موسكو

https://www.ft.com/content/e951eb86-f193-11e9-a55a-30afa498db1b