aren

حكمة الشيخ بشارة \\بقلم : سامي مروان مبيّض
السبت - 8 - أغسطس - 2020

الرئيس بشارة الخوري

الرئيس بشارة الخوري

يُحكى أن الشيخ “بشارة الخوري”، كان وفي نهاية حياته مُستاءً من كثرة الدخلاء على عالم السياسي في لبنان، من مستوزرين وفاسدين ومُفسدين. كان ذلك بعد أكثر من عشر سنوات على مغادرته رئاسة الجمهورية، وقبل سنوات من إندلاع الحرب الأهلية، حيث نُقل عنه القول: “لا يوجد حولي من يستحق أن أزرر سترتي من أجله.”

ولو خرج الشيخ بشارة من قبره اليوم، لخلع سترته كلياً ، ورمى بقبعته الأنيقة على الأرض، نظراً إلى ما آلت إليه أوضاع البلاد والعباد في “سويسرا الشرق” ، التي أحبها وقضى عمراً في الدفاع عنها ، وعن استقلالها.

تذكرته ، وأنا أشاهد صور الموت والدمار القادمة من بيروت يوم أمس، والتي يتحمل مسؤليتها جميع المستوزرين والفاسدين والمُفسدين الذين حكموا هذا البلد خلال الثلاثة عقود الماضية. أنا لست خبيراً كيميائياً، ولا عِلم لي بنثرات الأمونيوم، ولكني أعرف شيئاً واحداً فقط، وهو أن نصف بيروت “طارت” بالأمس، إن لم نقل كلها، ومازال جميع هؤلاء في مقاعدهم باقون. لو حدث هكذا تفجير في أي دولة غير عربية، لطارت معه أكبر رؤوس في البلد، ابتداء من مدير “البور.”

أنا إبن بيروت…أحبها كثيراً بعد دمشق، لأني أمضيت فيها سنوات طويلة من عمري، طالباً وموظفاً وكاتباً. وفي أزقتها القديمة يبقى شريط طويل من الذكريات…عن الجامعة الأولى…والحب الأول…والراتب الأول…والكتاب الأول، وأصدقاء الدراسة الذين لم يتغيروا بالرغم من مرور الأيام وتغيّر الدنيا من حولهم. في بيروت تعرفت على شعر نزار وقرأت عن دمشق، وفي بيروت ، قررت أن أصبح كاتباً. كان عملي الأول باحثاً في الجامعة الأمريكية ، وصحفياً في جريدة “الديلي ستار،” متخصصاً بالشؤون السورية. وكان ذلك قبل “عشرون عاماً”.

كنا نعمل في الجريدة عندما جاءنا خبر سقوط برج التجارة العالمي في مدينة نيويورك. أذكر أن الناشر ورئيس التحرير، الصديق (جميل كامل مروة)، قال لنا بحزم: “هذا خبر بكرا. الكل إلى مكاتبه،” ثم أذن لي بالإنصراف لأن لا خبر عن سورية في عدد 12 أيلول 2001. خرجت من مكتب الجريدة في حيّ الجميزة ، متجهاً إلى بيتي مروراً بشارع الحمرا.

اتصلت بصديقة تعمل في مستشفى الجامعة الأمريكية ، لأخبرها بما حدث، فأوقفني رجل بدين، يلبس قميس “شيّال” داخلي، يقف على باب متجره المقفل.

“أستاذ…استاذ…كم طيّارة صاروا؟”

“عم يقولوا ثلاث طائرات.”

“وين فاتوا؟”

“أخبار متضاربة…شي عم يقول بالبينتاغون وشي بالبيت الأبيض.”

“ومين وراها برأيك؟”

“عم يقولوا الجيش الأحمر الياباني أو الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين” (وذلك قبل تبني أسامة بن لادن الهجوم)

“حكي فاضي يا عمّ. هايدي عملة الأستاذ. الله يديمك يا أستاذ…والله يخليلنا ياك! ”

ولمن لا يعرف بيروت، “الأستاذ” هو لقب السيد (نبيه بري)، رئيس المجلس النيابي. أغلقت الهاتف الجوال ، وسألته: “وشو دخل نبيه بري بيللي عم يصير بنيويورك؟”، فكان جوابه: “نبيه بري رجّال…قبضاي…ما في غيرو قدران يعمل هيك بأمريكا!”

لم أعرف كيفية الرد عليه…، هل أضحك على بساطته أم أحزن على هذا الهراء؟ فإن هذه العقلية المُتخلفة هي التي أوصلت لبنان إلى ما حدث في المرفأ يوم أمس.

رحم الله الشيخ (بشارة) وجيله من الآباء المؤسسين، الذين قدموا للبنان الكثير  الكثير ، ولم يأخذوا بالمقابل الا شرف الانتماء إلى هذا البلد. ولبيروت الحبيبة وأهلها، ليس لنا إلا الدعاء والبكاء.

هذه المقالة تعبر عن رأي صاحبها