aren

حصاد استراتيجي.. محصلة الانخراط الروسي في سوريا بعد خمس سنوات\\ كتابة : محمد مجاهد الزيات
الخميس - 15 - أكتوبر - 2020

على مدى العقد الأخير حصدت روسيا العديد من الجوائز الاستراتيجية فى مجالها الحيوى على رأسها شبه جزيرة القرم، ربما لا تقل عنها جائزة سوريا، بمنظور حسابات العوائد الاستراتيجية، فوفقا لوزير الدفاع الروسى سيرجى شيجو فإن العمليات العسكرية الروسية فى سوريا «عززت هيبة روسيا، وزادت من نفوذها الدولى، وأحبطت محاولات المنافسين الجيوسياسيين لعزلها سياسيا ودبلوماسيا». وهو ما يعكس فائضا فى موازين القوى الدولية لصالح روسيا وفقا لمؤشرات عديدة، منها «عودة الدب إلى المياه الدافئة» فى شرق المتوسط عبر قاعدتها البحرية فى مرفأ «طرطوس»، واستعراض مقاتلات السوخوى والميج انطلاقا من قاعدة «حميميم» إلى أرجاء الشرق الأوسط، وتجارب على مئات الأنواع من الأسلحة الروسية الحديثة فى ميدان عمليات غير تقليدى، ونجاحها فى استقطاب «تركيا» من حلف «الناتو».. إلخ. فضلا عن انعكاسات حملتها العسكرية فى سوريا على أمنها القومى فقد قطعت الطريق على أى محاولة تسلل للإرهابين باتجاه أراضيها. وقضت على 133 ألف إرهابى بينهم نحو 4,5 ألف من الجمهوريات السوفيتية السابقة.

الزيات

لقد مرت خمس سنوات على أول ضربة جوية روسية فى سوريا فى 30 ديسمبر 2015، وعلى الرغم من مساندة موسكو سياسيا ودبلوماسيا للرئيس السورى بشار الأسد، إلا أن تدخلها العسكرى مثل العامل الرئيسى فى الحيلولة دون سقوط نظامه فى مواجهة تنظيمات وفصائل مسلحة أديرت من غرف علميات فى «الموك» بالأردن، و«الموم» على الحدود التركية، وحظيت بدعم مالى سخى غير مسبوق فى تاريخ الحروب من قوى إقليمية ودولية قدرها وزير الخارجية القطرى حمد بن جاسم بنحو 200 مليار دولار عام 2015.

فى هذا السياق، فإن تقييم حصاد الانخراط الروسى فى الأزمة السورية على صعيد المكاسب يمكن تقييمه فى إطار عدة اعتبارات منها على سبيل المثال:

إن سوريا ــ كانت ولا تزال ــ نقطة ارتكاز تاريخية للنفوذ الروسى فى المنطقة، وهنالك تحالف تاريخى وثيق بين البلدين. وتعتبر سوريا المنفذ الوحيد لروسيا على البحر المتوسط، وبالتالى فإن موسكو استثمرت حضورها فى سوريا لإعادة تثبيت هذا النفوذ بعد فترة من الغياب المؤقت. كما عملت على ملء الفراغ الذى ترتب على عملية التراجع الأمريكى فى المنطقة وعدم الرغبة فى الانخراط بصورة كبيرة على الساحة السورية فى محاولة لإعادة هيكلة التوازن الدولى والإقليمى وبما يسمح لروسيا بدور أكثر تأثيرا على هذا المستوى، ومن الواضح أن الولايات المتحدة والدول الغربية لم تمانع فى الانخراط العسكرى الروسى على أمل استنزافها فى المستنقع السورى إلا أن موسكو تنبهت لذلك، وتمكنت من إدارة عملياتها فى سوريا بذكاء واقتدار، لاسيما بالاعتماد على القوة الجوية، مع توظيف أدوار حلفائها لاسيما إيران فى المعارك الميدانية ما جنبها الخسائر البشرية فى الحرب.

وعلى التوازى نجحت موسكو فى إدارة معركة دبلوماسية وسياسية تمكنت من خلالها تثبيت أقدام النظام السورى، ما مثل حائط صد أمام محاولات إدانة النظام من خلال مجلس الأمن ومنظمات دولية متعددة وذلك باستخدام حق الفيتو. كما نجحت فى بلورة تفاهمات مع الولايات المتحدة، تعتبر أحد مرجعيات الحل فى سوريا (جنيف 1) اللجنة الدستورية.. كما حرصت روسيا على دعم مؤسسات الدولة السورية المركزية، حيث ركزت اهتمامها على عملية إعادة بناء وتأهيل المؤسسة العسكرية (تسليح/ تدريب) وأجهزة الأمن لفرض مزيد من السيطرة، الأمر الذى أدى فى النهاية إلى زيادة مساحة سيطرة النظام من 21% من مساحة سوريا عام 2015 إلى نحو 70% حاليا، ومحاصرة التنظيمات الإرهابية، وعلى رأسها تنظيم داعش، والتنظيمات الأخرى المنحدرة من تنظيم القاعدة والتى تتمركز فى إدلب وبعض المواقع فى الشمال الخاضعة للنفوذ التركى حاليا.

كما أنه من الضرورى الإشارة إلى أن روسيا حققت الكثير من المكاسب من تدخلها فى سوريا وهو ما يمكن إجماله باختصار فى استعادة تأثيرها فى النظام الدولى من خلال امتلاكها للورقة السورية والتى فرضت على الأطراف الدولية المعنية بالأزمة التحاور معها، وفرضت على القوى الإقليمية المنخرطة فيها تقدير الدور الروسى ومساومته. فضلا عن توسيع وتكثيف النفوذ العسكرى فى سوريا، فإلى جانب قاعدة حميميم الجوية يوجد قاعدة طرطوس البحرية، وكذلك 24 قاعدة وتركزا عسكريا، و42 نقطة مراقبة. وقد قامت روسيا باختيار 210 نوعا من الأسلحة الجديدة فى الحرب السورية.

فى المقابل؛ ومع تقدير مجمل الجهود الروسية لدعم الدولة السورية إلا أنه مع توقف العمليات العسكرية ــ تقريبا ــ منذ أكثر من ستة أشهر عدا ما يجرى أحيانا فى ريف إدلب بدأت روسيا تمارس سلطات أوسع تشهد نوعا من التباين مع توجهات الرئيس السورى، وقد تعددت زيارات كبار المسئولين الروس لسوريا لمناقشة ذلك الأمر، وقبل الدخول فى تفاصيل هذه التباينات من المهم الإشارة إلى عدد من الملاحظات التى قد تفسر بعض المواقف، ومن أهمها أن روسيا بدأت تدير الأزمة والعملية السياسية فى سوريا بصورة تتجاوز الحكومة السورية كمباحثاتها واتفاقاتها مع تركيا، وحوارها مع الأحزاب الكردية والتقريب بين الأكراد. ولعل ما يكشف عن ذلك بوضوح زيارة الرئيس الروسى لقاعدة حميم والمعاملة غير المناسبة للرئيس السورى، وكذلك زيارة بوتين لدمشق وتجوله فى بعض أحيائها دون عقد لقاء فى القصر الجمهورى.

ويعد حديث الرئيس السورى لوكالة نوفوستى الروسية للأنباء أخيرا كاشفا عن مدى التباين فى المقاربة الروسية والسورية من مسارات وتطورات الأزمة السورية والذى يظهر خلافات بعضها جوهريا ومن أهم مظاهر ذلك ما يلى:

إن روسيا تعتبر أن الحرب السورية قد انتهت وأن ما يجرى فى إدلب عملية تضييق على تنظيم فتح الشام، وليس تصفيته، فيما تعتبر دمشق أن الحرب لن تنتهى إلا بعد تحرير إدلب وتصفية تلك التنظيمات. كذلك ترى سوريا ضرورة إعادة شرق الفرات إلى سيطرة الدولة المركزية، وترى روسيا ضرورة صياغة تفاهمات تسمح بتحقيق الطموحات الكردية ضمن الدولة المركزية السورية. كما ترى موسكو أن هذا الملف شائك ويحتاج إلى جهد كبير فى ظل الوجود العسكرى الأمريكى والغربى المساند للأكراد والرفض التركى لأية حلول تكفل حكما ثانيا للأكراد.

أيضا تراهن موسكو على التفاهمات مع تركيا وتستثمر فيها كورقة مساومة فى ملفات إقليمية أخرى، فيما ترى دمشق أنها غير فعالة ويجب تمكين الجيش السورى من فرض سيطرته وخروج القوات التركية من الأراضى السورية. وكذلك الموقف من الوجود الإيرانى والمليشيات التابعة لها، حيث ترى روسيا أن ذلك الوجود يعقد الأزمة، بينما ترى دمشق أنه ضرورى وأن الموقف الإسرائيلى والأمريكى لا مبرر له.

وتعتبر قضية الإصلاح الدستورى آخر قضايا الخلاف بين الطرفين، وترى موسكو أنها قادت الحوار الوطنى وصولا إلى الاتفاق على التزام طرفى الصراع بتشكيل لجنة دستورية وإصلاح دستورى وذلك بالتنسيق مع الأمم المتحدة وترى موسكو ضرروة الإسراع بتحقيق إنجاز على هذا المستوى قبل الانتخابات الرئاسية القادمة. فى المقابل ترى دمشق أنه لا مبرر للاستعجال ولا علاقة لموضوع الدستور بالانتخابات الرئاسية.

فى ضوء مساحة هذه التباينات، يمكن القول أنه رغم تماسك التحالف الروسى السورى، وتبلور نفوذ روسى شامل إلا أن تلك التباينات الأخيرة بين البلدين تكشف عن رؤى مختلفة بخصوص مستقبل حل الأزمة السورية، ومن الواضح أن دمشق تراهن على التوازن بين روسيا وإيران وهى مراهنة محفوفة بالمخاطر خاصة فى ظل الحصار الذى تواجهه إيران، وعدم تقدير للاستراتيجية الروسية التى تنطلق من سوريا وتتجاوزها للمنطقة بأكملها واستثمار ذلك فى ملفات شائكة بينها وبين قوى دولية متعددة. وعلى الجانب الآخر فى ظل الأوضاع السورية الراهنة من المتصور أن دمشق ستتجاوب مع التوجه الروسى لتحقيق تقدم فيما يتعلق بالإصلاح الدستورى لاستيعاب الموقف الدولى العدائى وإن كان ملف الوجود الإيرانى يحتاج إلى فترة أطول لحسمه وهو أمر لا تستعجله موسكو بل يمكنها استثماره فى التعامل مع إسرائيل والولايات المتحدة.

“الشروق”المصرية