aren

حشود وازدحام.. فحرب في مضيق هرمز \\ كتابة: د. حسن أبو هنية
الخميس - 25 - يوليو - 2019

 

يشهد مضيق هرمز الضيق مزيداً من الازدحام مع توالي إرسال حشود عسكرية أميركية، مع تتصاعد حدة التوتر في المنطقة بين إيران والولايات المتحدة، فالمضيق الذي يتمتع بأهمية بالغة كممر مائي استراتيجي ويعبر منه نحو خُمس كميات النفط المستهلَكة عالميا، بات ساحة للصراع ومصدرا للقلق من نشوب حرب قد تقع نتيجة لسوء تقدير من أحد أطراف النزاع، وقد تنامت وتيرة التصعيد مع احتجاز الحرس الثوري الإيراني ناقلة نفط بريطانية بالمضيق، قال إنها خرقت ثلاث لوائح تتعلق بالمرور، لكنها بالتأكيد جائت كرد على توقيف بريطانيا الناقلة الإيرانية «?ريس 1» في مياه جبل طارق في الرابع من الشهر الحالي، فقد قال رئيس مجلس الشورى الإسلامي علي لاريجاني دون مواربة، إن البريطانيين قاموا بـ«القرصنة والحرس الثوري قام بالرد عليهم»، وكان المرشد الإيراني، علي خامنئي، قد هدد عقب احتجاز بريطانيا للناقلة الإيرانية، بأن بلاده لن تبقي احتجاز بريطانيا ناقلة النفط الإيرانية في مياه جبل طارق من دون رد وأنها «سترد في الزمان والمكان المناسبين».

يأتي احتجاز الناقلة البريطانية من قبل الحرس الثوري الإيراني عقب سلسلة من الحوادث والهجمات على ناقلات في مضيق هرمز، وفي إطار تصعيد أميركا من حملة الضغوط القصوى ضد إبران منذ الانسحاب الأميركي الأحادي من الاتفاق النووي، وتبدو الإدارة الأميركية عاجزة عن تحقيق إجماع داخلي لتبرير الحرب ضد إيران، كما أنها عاجزة أكثر في تجنيد حلفاء أوروبيين باستثناء بريطانيا وحلفاء إقليميين، في إطار تهديدات إيرانية قديمة ومتوالية بإغلاق مضيق «هرمز» بدأت جولتها الأخيرة العام الماضي في يوليو. 2018، على لسان الرئيس الإيراني حسن روحاني الذي هدد بإحكام السيطرة على المضيق ومنع تصدير نفط الخليج للعالم، تبعها تصريحات مشابهة لعدد من القادة العسكريين.

يتمتع مضيق هرمز بأهمية استراتيجية بالغة، إذ يقع في منطقة الخليج العربي ويفصل الممر المائي بين إيران وسلطنة عمان، ويربط الخليج بخليج عمان وبحر العرب، ويعتبر المنفذ الوحيد للعراق والكويت والبحرين وقطر، ويبلغ عرض المضيق 33 كيلومترا عند أضيق جزء منه، لكن الممر الملاحي لا يتجاوز عرضه ثلاثة كيلومترات في كلا الاتجاهين، وقد أعلنت شركة فورتيكسا للتحليلات النفطية إن نحو خمس إنتاج العالم من النفط يمر عبر المضيق أي نحو 17.4 مليون برميل يوميا، في حين بلغ الاستهلاك نحو 100 مليون برميل يوميا عام 2018، ويمر عبر المضيق معظ? صادرات الخام من السعودية وإيران والإمارات العربية المتحدة والكويت والعراق، وجميعها دول أعضاء في منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك)، ويمر من المضيق أيضا كل إنتاج قطر تقريبا من الغاز الطبيعي المسال، ويقوم الأسطول الأميركي الخامس المتمركز في البحرين بحماية السفن التجارية في المنطقة.

يشير السلوك الأميركي تجاه إيران إلى إزدواجية في الخطاب والممارسة، ينطوي على خلاف داخل الإدارة الأميركية، فالرئيس دونالد ترمب، صرح مراراً إنه يأمل ألا تكون الولايات المتحدة في طريقها إلى حرب مع إيران، فيما كشف تقرير لصحيفة «واشنطن بوست»، أن ترمب، كان محبطاً من بعض مستشاريه الذين يعتقد أنهم قد يدفعون الولايات المتّحدة إلى مواجهة عسكرية مع إيران، ويدفعونه نحو خرق تعهده القديم بالانسحاب من الحروب الخارجية المكلفة، ونقلت الصحيفة عن مسؤول كبير في الإدارة الأميركية أن الأمر يتعلق بمستشار الأمن القومي، جون بولتون، ووزير الخارجية، مايك بومبيو، وأن ترمب كان غاضبًا إزاء ما رآه تخطيطًا حربيًا يتجاوز أفكاره الخاصة، وكان بولتون قد اقترح سابقاً قصف إيران من أجل إحباط برنامجها النووي، ومع عودته إلى البيت الأبيض، يبدو أنه يسير باتجاه الحرب مرة أخرى، ففي التاسع من مايو الماضي، استعرض بولتون خطط حرب تم تحديثها بناء على طلبه، تدعو إلى إرسال 120 ألف جندي للشرق الأوسط في حال قيام إيران بهجمات عسكرية أو إعادة تفعيل برنامجها للأسلحة النووية، بحسب ما كشفته صحيفة «نيويورك تايمز».

رغم الوساطات العديدة لنزع فتيل التوتر في منطقة الخليج ومضبق هرمز، إلا أن الولايات المتحدة ماضية في تعزيز وجودها العسكري هناك، فقد أعلنت في يونيو الماضي إرسال 1000 جندي إضافي إلى الشرق الأوسط، الأمر الذي يعزّز الخلل في موازين القوى في المنطقة الحيوية، في مواجهة جيش إيراني لديه خبرات في تكتيكات حرب العصابات البحرية ويرفض الانجرار إلى حرب مباشرة يدرك أنّه سيخسرها، وجاء القرار بعد خطوة مماثلة في نهاية مايو الماضي قضت بإرسال 1500 جندي، بالإضافة إلى طائرات استطلاع وسرب من المقاتلات وحاملة طائرات وبطارية صواريخ «باتريوت» إلى المنطقة، وشملت قاذفات «بي 52» وحاملة الطائرات «ابراهام لينكولن»، التي تشكّل الحاملة الأساسية ضمن المجموعة القتالية 12، التي تتضمّن طاقم عمل وسرب سفن مدمِرة وسفينة للصواريخ الموجَهة وطائرات وسفن أخرى، وهو ما دعا وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، إلى التحذير من أن النهج ال?ميركي في الخليج الفارسي يمكن أن يؤدي إلى وقوع كارثة في المنطقة، معتبراً أن شرارة واحدة فقط ستكون كافية لاشتعال الوضع.

في منطقة مكتظة بالقوعد الأميركية، تعزز الولايات المتحدة من حشودها العسكرية، فقد أعلنت القيادة المركزية في الجيش الأميركي، في20 يوليو الماضي أن انتشار قوات في السعودية وبموافقة وزير الدفاع مارك إسبر، وكشفت شبكة «أن بي سي» الأميركية أن الجيش الأميركي بدأ نقل معدات وقوات إلى هناك منذ يونيو الماضي.

لا جدال أن التواجد العسكري الأميركي في منطقة الخليج ومضيق هرمز، يقع في سياق الاستراتيجية الأميركية الكبرى ورؤيتها للمنطقة، حيث تتطلب الاستراتيجية خلق عدو وشيطنته تحت مسمى الإرهاب المزعزع للاستقرار، فمع الإعلان عن نهاية تنظيم «الدولة الإسلامية داعش»، عاد الحديث عن الخطر الإيراني، وهنا تبرز المساهمة الأساسية للمفكر علي القادري في تأكيده على الدور الاقتصادي للحرب والطائفية في تدمير التنمية العربية؛ لتعزيز قوة رأس المال العالمي، وتعميق هيمنة أميركا على المنطقة العربية بمحوريتها ضمن مصفوفة الهيمنة العالمية، حيث أكّد أن دفع الحروب وبث الطائفية في المنطقة، لا يتعلقان بمجرد الأهداف الكلاسيكية البسيطة المتعلقة بنهب الموارد بالمعنى المباشر، فهو يؤكد عن حق أن موارد المنطقة العربية بخلاف النفط، موارد محدودة القيمة، خصوصاً مع ضعف ومحدودية اقتصاداتها عموماً، بل إن أهدافها تتسع لنطاق أوسع ذي أبعاد عالمية، فكرتها الأساسية هى «إعادة هيكلة القيمة عالمياً.

خلاصة القول إن الحشود العسكرية الأميركية تقع في إطار استراتيجية أميركية كبرى للمنطقة، وتشكل «صفقة القرن» أحد أركانها، بخلق عدو للمنطقة يتمثل بالمنظمات الإرهابية والجمهورية الإيرانية، وتحويل المستعمرة الاستيطانية الإسرائيلية إلى صديق وجزء من نسيج المنطقة، ولذلك سوف يستمر التهديد بالحرب، وقد تقع وفق حسابات ومنطق مدروس، ذلك أن الحرب الركن الأساس في رأسمالية الكوارث النيوليبرالية، فهي تقوم دوما حسب القادري على تحقيق أهدافها بتحطيم الأمن والسيادة الوطنيين بالتحطيم المباشر للدولة الوطنية والسيطرة على هياكلها القومية وتدمير وجودها البشري المادي نفسه إذا لزم الأمر، فيما تستكمل الطائفية المسيرة أو تمهّد لها أحياناً بتفكيك أساسهما الاجتماعي على أسس هوياتية دينية وقبلية؛ بما يضعف وعيها الطبقي وتضامنها الاجتماعي على أساس مصالحها الواعية؛ ليلتقي الطرفان السياسي المباشر من أمن وسيادة حطمتهما الحرب، والسياسي غير المباشر من تفكك اجتماعي دمرته الطائفية، ليحققا ما لم تحققه النيوليبرالية المباشرة، أو ليمهّدا لها أحياناً أخرى.

“الرأي ” الأردنية