aren

«حرب بوتين في سوريا : السياسة الخارجية الروسية وثمن غياب أمريكا»
الأحد - 19 - ديسمبر - 2021

الرئيس بوتين مستقبلا الرئيس الاسد في “سوتشي” الروسية

(خاص)

التجدد الاخباري -مكتب واشنطن

مع تدخل “بوتين” في سوريا اوائل سبتمبر\ايلول 2015 . توقع النقاد الدوليون ، أن روسيا سوف توسع نفسها بشكل مفرط ، واقترح باراك أوباما ، أن روسيا ستجد نفسها بـ”مستنقع” في سوريا. على عكس ذلك ، تجادل الكاتبة “آنا بورشيفسكايا”، بأن بوتين حقق في الواقع أهدافًا رئيسية للسياسة الداخلية والخارجية دون تكاليف معوقة ، وهو في وضع جيد لتوجيه مستقبل سوريا ، وتصبح قوة رائدة في الشرق الأوسط.

هذه النتيجة لها تداعيات خطيرة على مصالح السياسة الخارجية الغربية في كل من الشرق الأوسط و(خارجه). يضع هذا الكتاب للباحثة الروسية (بورشيفسكايا) ،والذي صدر مؤخراً بالإنكليزية ، بعنوان : «حرب بوتين في سوريا: السياسة الخارجية الروسية وثمن غياب أمريكا»، التدخل الروسي بسوريا في هذا السياق الأوسع ، ويستكشف نهج بوتين العام تجاه الشرق الأوسط – تاريخياً موسكو علاقة خاصة مع دمشق – ويتتبع الجوانب السياسية والدبلوماسية والعسكرية والمحلية ، لهذا التدخل ، وتتعمق الكاتبة في الحملة العسكرية الروسية ، والرأي العام داخل روسيا ، وكذلك التكتيكات الدبلوماسية الروسية بالأمم المتحدة، كما ويوضح هذا الكتاب بشكل حاسم ، تأثير الغياب الغربي في سوريا ، ولا سيما الغياب الأمريكي ، وما هو دور الغرب ، وما يمكن أن يكون ، في الشرق الأوسط.

بوتين في سوريا

للكتاب ميزات عديدة ، بمعزل عن مزايا البحث والتحليل والاستخلاص ، التي تتمتع بها (بورشيفسكايا)، فان انتماء الكاتبة إلى روسيا ، وتمكّنها من اللغة الروسية وصلاتها الوثيقة مع مصادر أصلية عالية القيمة، مكّنها من توفير مستوى توثيقي رفيع ، يخدم خلاصاتها المعمقة، وخاصة حين يتصل الأمر بنقاط حساسة حول الأدوار الحيوية التي يلعبها الجيش، والفروع الحكومية أو الخاصة أو شبه الحكومية ، التي ترتبط بوزارة الدفاع، في صياغة السياسة الخارجية.

ليس أقلّ أهمية ما تستعرضه (بورشيفسكايا)، بتفصيل مثير حقاً ، وجدير بتفسير الكثير من خيارات “الكرملين” وسلوك “بوتين” شخصياً، في ربط السياسة الخارجية لجهة دور الجيش في مشاريع التدخل الخارجي، بالسياسة الداخلية واستدراج الالتفاف الشعبي ، وحشد التأييد الشعبوي.

في مطلع تشرين الأوّل (أكتوبر) 2015، أي بعد أسابيع قليلة على بدء التدخل الفعلي، كانت نسبة التأييد للتدخل الروسي في سورية بحدود 56٪؛ وأمّا في آذار (مارس) 2016، فقد قفزت النسبة إلى 70٪، وترافق ازدياد شعبية التدخل مع تسابق محموم على بذل الوساطات للالتحاق بالوحدات العسكرية الروسية المتوجهة إلى سوريا.

ولا يخفى أنّ الحماس للجيش، أو حتى تأجيج مشاعر الكراهية للولايات المتحدة بوصفها وراء الصراع في سوريا -حسب الإعلام الرسمي الروسي- أو الخشية من انتقال «الإرهاب الإسلامي» إلى الداخل الروسي مروراً من الشيشان أو الجمهوريات الإسلامية؛ لم تكن البواعث الوحيدة المحرّكة لمشاعر الشارع الشعبي أو الشعبوي، بل كانت وحدات عسكرية وأمنية خاصة من طراز «فاغنر» ليست حكومية بالضرورة ، ولكنها مقرّبة من الجيش أو الكرملين، قد تحوّلت إلى أرباب عمل لتشغيل المئات والآلاف من العسكر المتقاعدين أو العاطلين عن العمل، وإرسالهم إلى سوريا.

لهذا ، فإنّ الفصل الذي تخصصه بورشيفسكايا لظاهرة «شركات التعاقد العسكري الخاصة» أو الـ في المختصرات الروسية، يساجل ضدّ الخطأ الشائع في الصحافة العالمية حول تسمية هذه المجموعات بالمرتزقة؛ لأنّ المرتزق، في تعريفها، هو ذاك الذي يقتل لقاء أجر مالي، لكنه غير معنيّ بالمضامين السياسية لممارسة مهنته هذه.

مهامّ المتطوعين ضمن صفوف «فاغنر» لا تقتصر، في المقابل، على مهمة القتل وحدها بل تتعداها إلى وظائف أمنية وسياسية وعسكرية ودفاعية شتى، تخدم جميعها أغراض السياسة الخارجية الروسية، وهي استطراداً جزء لا يتجزأ من الجيش الروسي الرسمي حتى إذا كانت غير مرتبطة به إدارياً.

وتعريف هذه المجموعات كما تعتمده أدبيات وزارة الدفاع الروسية ، يشير إلى أنها «هيكل تجاري خاصّ مسجّل رسمياً، يتألف من أخصائيين ذوي تدريب عالٍ، تشرف عليه الدولة ويعمل بما يخدم مصالح الدولة، وهذا هو الفارق الجوهري عن المفارز الكلاسيكية للمرتزقة والإرهابيين. وهذه الشركات خاصة بمعنى نسبي فقط، لأنها فعلياً تعمل لصالح الدولة، وتتبع الخطط ذاتها وتسعى إلى الأهداف نفسها المناطة بالجيوش النظامية».

تعقد الكاتبة (بورشيفسكايا)، الجزء الأوّل من كتابها لاستعراض تاريخ العلاقة بين روسيا/ الاتحاد السوفياتي والشرق الأوسط، ابتداءً من عهود القياصرة وما انطوت عليها من إشكاليات الهوية الروسية والإسلام والمسلمين، وصولاً إلى مناخات الحرب الباردة وغزو أفغانستان، ثمّ مقاربات أمثال “يفغيني بريماكوف”، ونظام تعدّد الأقطاب.

الفصول اللاحقة ، تتناول انشغال الرئيس (بوتين) في إعادة روسيا إلى الشرق الأوسط، وإقامة محور روسي/ إيراني/ سوري، والتدخل المباشر لإنقاذ حكومة (الأسد) من السقوط، وتقلّب خيارات بوتين ضمن متغيرات القوى الداخلة على الخطّ السوري من إيران وتركيا إلى دولة الاحتلال الإسرائيلي وأمريكا، والتعقيدات اللاحقة ذات الصلة بحلقات استخدام الأسلحة الكيميائية، والتفاهمات مع إدارة الريس الأمريكي السابق (باراك أوباما) بالمقارنة مع خَلَفه دونالد (ترمب)، وتشابك اقتسام الهيمنة مع إيران وتركيا…

ذلك غيض من فيض الملفات الأخرى التي تعالجها بورشيفسكايا، وخلاصتها تنتهي إلى أنّ بوتين قد ضمن لروسيا قواعد في شرق المتوسط ، تتيح استعراض القوّة نحو مياه الخليج الدافئة وأفريقيا؛ وهذا ما عجز القياصرة عن إنجازه.

خاتمة بورشيفسكايا ، تسير هكذا: «استمدّت موسكو درساً من التجربة السوفياتية في أفغانستان، بأنها لا تستطيع التأثير لإحداث تغيير حقيقي في البلد. لذلك لم تبذل محاولة كهذه في سوريا، بل اكتفت بإلقاء قفاز التحدي في وجه الولايات المتحدة والغرب، انطلاقاً من حاجة مَرَضية لاستعراض صورتها، ولأنّ الشرق الأوسط هامّ في ذاته للدولة الروسية. والحقّ أنّ الغرب لم يعمد إلى تحدّي الموقف الروسي في سوريا، بل أعطى سوريا إلى موسكو من دون كبير قتال، ربما لأنه جزئياً أقرّ بأنّ الغرب، مثل روسيا، ليس في وسعه القيام إلا بالقليل من أجل توازن البلد أو المنطقة».