aren

حرب الحدود (روسيا وأوكرانيا وأمريكا) \\ بقلم : د. حسام العتوم
الإثنين - 22 - نوفمبر - 2021

أتفهم شخصياً القلق الروسي الدائم من محاولات الاقتراب العسكرية الأمريكية وحلفها (الناتو) من الحدود البرية والمائية الروسية السيادية، وهو الأمر الذي تكرر في مياه القرم الإقليمية وفي مياه اليابان هذا العام 2021، وعلى حدود أوروبا الشرقية، ومصدره بطبيعة الحال الحرب الباردة التي لا يراد لها أن تنتهي منذ اندلاعها نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945. ومراهنة غربية على ما يبدو لاقتناص فرصة ضمانة الفوز بالحرب العالمية الثالثة – فيما لو حدثت-، وللإجهاز على روسيا في الوقت المناسب، ربما بهدف إضعافها وتمزيقها.

والمعروف أن روسيا الاتحادية دولة عظمى تماماً كما الولايات المتحدة الأمريكية ومعها حلفها الناتو العسكري، وتصنف -أي روسيا- بأنها قطب فوق النووي ومعها أمريكا كذلك، لذلك فإن إمكانية الرد على أي عدوان نووي متوقع ومفاجيء من طرف الغرب الأمريكي لا تصده غير روسيا، ولديهما – أي روسيا وأمريكا- قناعة أكيدة بأن أحداً منهما لن يربح الحرب الافتراضية التي قد تقع، وبأن نهاية العالم بكامل بشريته وحضاراته مصيره العودة الحتمية إلى عصر ما قبل الميلاد والتاريخ، حيث الكهوف والحجارة والرماد. والأصل أن شكل مؤتمر (جنيف) هذا العام 2021 بحضور الرئيسين فلاديمير بوتين وجو بايدن مرحلة جديدة صوب إغلاق الباب أمام الحرب الباردة وإلى الأبد، والعمل باتجاه البناء التنموي الشامل المشترك وعلى مستوى العالم، وللمحافظة على أمن العالم.

وروسيا معروفة بتمسكها الشديد بالقانون الدولي ومنه الإنساني عبر مجلس الأمن والأمم المتحدة والمحكمة الدولية، وتقود عالماً متعدد الأقطاب، وتتعامل مع أزمات العالم بدعوة من أنظمتها وشعوبها، وتتحرك بشجاعة لحل النزاعات الدولية القائمة من على فوق الطاولة، ولها حضور واسع على خارطة العالم. وصورة مغايرة تنطلق من قمة عالم القطب الواحد بهدف السيطرة على أركان العالم، وهي الواجب أن تعتدل وتتغير، ودول عملاقة مثل الصين تنهض، وكذلك مثل تركيا وإيران واليابان. وسياسة الكاوبوي وتسخين سباق التسلح لا يفيد البشرية بشيء ويبقيها في دائرة التخلف.

وتخشى أوكرانيا في المقابل من اقتراب العسكرة الروسية من حدودها، وهو الذي نفاه الرئيس بوتين قبل وقت قصير وأمر جيشه بالانسحاب إلى مسافات بعيدة وسط العمق الروسي. ولا قيمة على الأرض في المقابل من اقتراب أو ابتعاد الدبابات الروسية من الحدود الأوكرانية خاصة من طرف الشرق الأوكراني (الدونباس ولوغانس) ما دامت الأسلحة البديلة الروسية الصاروخية متوفرة. والأهم من ذلك هو ذهاب الطرفان الروسي والأوكراني إلى السلام الدائم، والقواعد الأمريكية في غرب أوكرانيا لن تكون مجدية إذا ما وقع ما لا يحمد عقباه ولا نتمناه ذات الوقت. ولدي قناعة أكيدة بأن روسيا لن تقدم على أي عدوان تجاه أوكرانيا، وتعتبرها جارة شقيقة وشعبها الأوكراني كذلك. وأوكرانيا لن تكون قادرة في يوم من الأيام على مواجهة روسيا عسكريا وحتى بوجودها ضمن حلف الناتو الغربي وتعاونها مع العسكرة الأمريكية علنا. ولا مخرج لأوكرانيا من غير تنفيذ اتفاقية ( مينسك 2015) الضامنة للأمن الأوكراني – الأوكراني ومع روسيا التاريخ والعمق الاستراتيجي الأقتصادي والسياسي.

ومقابلة تلفزيونية لوزير خارجية أوكرانيا (فاديم بريستايكو) بتاريخ 13/9/2019، بشّرت بالخير وتدعو لحلول وسط في الشأن الأوكراني – الروسي، وتصريحات وزير خارجية روسيا (سيرجي لافروف) بخصوص العلاقة مع أوكرانيا مطمئنة وحذرة بخصوص الاستفزازات الأوكرانية للدونباس ولوغانسك. ودعوة سابقة حديثة للرئيس بوتين للرئيس الأوكراني (فلاديمير زيلينسكي) لزيارة موسكو هذا العام، الأصل أن تُفعّل وتخرج من مرحلة التردد والعبثية. وروسيا وأوكرانيا جارتنا شقيقتان وشعبيهما الأقرب في العائلة السلافية. وسبق لهما أن عاشا حياة سوفيتية واحدة، واخترقا مجاعة واحدة (هولودومور) في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، وتصديا معاً للآلة العسكرية الهتلرية 1939 1945، وانتصرا معا، وقدما التضحيات معا، وبلغت فاتورة ضحايا السوفييت مجتمعين وقتها حوالي 28 مليون.

وتبقى الكرة الدولية بيد الولايات المتحدة الأمريكية وحلفها الناتو العسكري رغم أن سلوك الدول الأوروبية منفردة تختلف تماما عن سلوك أمريكا، ومثلما هو الحلف الغربي بالكامل فوق نووي وفوق صوتي السلاح وفضائي، هي كذلك روسيا الاتحادية بمفردها تماثل الغرب مجتمعا في قوة النار ومن دون أحلاف معتمدة على جيشها الأحمر وبحريتها، والتعامل واضح بين القطبين الغربي الأمريكي والأوروبي والشرقي الروسي من زاوية الند للند، وعلاقة روسيا العسكرية بالصين بالمناسبة تعاونية لا تحالفية في العسكرة والاقتصاد، والصين متعاونة كذلك اقتصاديا مع أمريكا وبحجم تجاري يفوق الحجم التجاري مع روسيا الصين وروسيا (63.5) مليار دولار، الصين وأمريكا (586.72 مليار دولار).

لكن الأهم هنا هو الدور المأمول لأمريكا مع روسيا بعد مؤتمر (جنيف) 2021، والمراهنة الدولية على إسدال الستار على الحرب الباردة المندلعة منذ نهايات الحرب العالمية الثانية 1945 بعد اشتراك أمريكا فيها من وسط الخندق السوفيتي، وأمن العالم يبقى هو العنوان، وقضايا تحرش الغرب عسكريا بحدود روسيا البرية والمائية الواجب أن تنتهي وإلى الأبد.

وفي الموضوع الأوكراني حتى يتعافى، الأصل أن تشجع أمريكا على تنفيذ بنود إتفاقية (مينسك)، وأن تعمل على سحب قاعدتها العسكرية من غرب أوكرانيا وهو الأمر المخالف للدستور الأوكراني نفسه، والأمر يعود برمته لسيادة أوكرانيا على أرضها.

وفي المقابل أيضاً، وكمراقب عربي دولي، فإن المطلوب من أمريكا هو موقف واضح أيضا من القضية الفلسطينية العادلة في شرقنا العربي لإقناع إسرائيل التي بدأت توسع سلامها مع العرب على شكل هلال مناهض للهلال الإيراني رغم عدم اتفاقنا معهما، ولكي تعود وفقاً للشرعية الدولية عبر مجلس الأمن والأمم المتحدة والمحكمة الدولية إلى حدود الرابع من حزيران لعام 1967، وبهدف تفريغ العرب لبناء دولة فلسطينية كاملة السيادة وعاصمتها القدس الشريف، وضمان حق العودة أولا قبل حق التعويض وتجميد الاستيطان غير المشروع.

“عمون”

هذه المقالة تعبر عن رأي صاحبها