aren

حذار سورية ، أيها الحالمون … د . طيب تيزيني ..!
الأحد - 6 - نوفمبر - 2016

يمر العالم العربي في مرحلة نادرة من التاريخ العربي ، وربما العالمي ، تلك المرحلة التي تمتلك من الخصوصية الفاحشة ، ما يجعلنا نرى في الاجابة عن مشكلاتها الكبرى في الوقت التاريخي الصحيح، معادلا لوجودها من حيث هي .

وبالمقابل ، يلاحظ ان اقصاءها أو اللعب عليها ، بمسوغ أو بآخر ، قد يكون بمثابة (فتح باب جهنم) للدخول عبره اليها ، وبصيغة أقرب الى المنهجية التاريخية والنظرية المعرفية التاسيسية ، يمكن ضبط بداية الحدث السوري ، بالقول : ان عدم اقتناص اللحظة الزمنية المشخصة لمواجهته من حيث هو ، وليس من حيث مواقع النوايا والرغبات الذاتية السلبية أو الايجابية ، انما هو أمر ، لا يقود الى خسارة تلك اللحظة فحسب ، وانما قد يفضي الى التفريط بالقدرة على التعامل العقلاني ، والاحتمالي المفتوح معه .

واذا كان هنالك احتمال مفتوح ، لتحديد بداية الحدث المذكور ، أي المتصل بما نحن نعيشه راهنا ، فقد تكون هنالك خيارات زمنية متعددة منها ، سقوط الوحدة بين ( سورية ومصر) عام 1958 ، وسقوط بغداد ودخول الاميركيين اليها 2003 ، وقبله استلام السلطة من قبل الرئيس بشار الاسد عام 2000 .

فنحن ، نختار هنا الخيار الثاني ، الذي فتح الباب عليه وأفضى الى مابعده ، فبعد سقوط بغداد ( المذكور) ، دشن الموقف بخطاب استعماري ناري ، أعلنه في حينه على التلفاز ، وزير الخارجية كولن باول – ومن موقع ما كان يشغله على ارض الواقع العسكري ( كرئيس سابقا لهيئة الاركان المشتركة ) – حيث حذر السوريين فيه من القادم ، فقد قال : ( على دمشق أن تتقن الدرس البغدادي )، أي ان تحول دون هزيمتها ، على نحو ماحدث قبلها لبغداد ، من ذل وتدخل !

كان ما قاله كولن باول ، مفعما بالاستفزاز والتحذير ، ومبطنا بما سيفعله الاميركون وغيرهم في قادم الايام ، التي هي ايامنا الدامية الراهنة ، فظهر الامر ، وكأن استراتيجة من طراز جديد ستفعل فعلها . في حينه ، كتبت بيانا وزعته باليد ، كان عنوان البيان ، قد وجهته الى الناس ، كما الى المرجعيات السلطوية السورية ، وكان التالي : ” ساعوا انتم الآن وافتحوا الدائرة ، قبل ان يفتحها الاغيار ، افتحوها الآن ، وليس غدا ! ” .

في الوقت ذاته ، كانت هنالك جهود تبذل على نحو واسع ، باتجاه الدعوة الى القيام باصلاحات جذرية على الصعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها ، مؤكدين على ان انجاز هذه الاصلاحات في اللحظة المناسبة ، يعادل في الاهمية التاريخية الوطنية ، وجود سورية نفسه .

وقد لوحظ ، ان مثل هذه الافكار ، التي راحت تنتشر في سورية ، اخذت تترك بعض الاثر في الاوساط السياسية والثقافية والحزبية وغيرها ، ولكن دون ان تتحول الى الفعل الاجرائي المشخص ، أما البيان الذي اعلنته على الناس ، فقد ترك أثرا في بعض الكتاب الاجانب ، كان منهم الكاتب البريطاني ( باتريك سيل ) ، فقد نشر هذا الاخير ، مقالا في جريدة الحياة اللندنية حول البيان المذكور ، خاطب فيه السلطة السورية ، معلنا : ان ” انتبهو الى ما كتبه فلان ( تيزيني ) وافعلو شيئا الآن ، وليس غدا ” .

وعلى صعيد آخر ، هو السلطة الحاكمة ، اتصل بي وزير الاقتصاد السوري ، وكان في حينه (الصديق) المرحوم الدكتور عصام الزعيم ، فاعلمني بانه يريد ان نلتقي معا ، بحيث يسلمني “ورقة عمل” حول الاصلاح في سورية ، وكان ما كان ، فالتقينا وتناولنا المسألة المذكورة ، بالحوار .

وقد افترقنا ، على ان نلتقي ثانية لمتابعة مناقشة “ورقة العمل” فيما بعد ، لكن بعد ايام ، اتصل بي الدكتور ( الصديق ) ، واعلمني ان موعد الحوار قد التغى ، ومات الصديق ( الوزير) بعد حين ، مأسوفا عليه ، تاركا للريح ان يطويها ، ” أي” ورقة العمل المعنية .

وبعد زمن ، أتيح لي ان التقي الرئيس المرحوم الاسد ، بعد فشل تحقيق مناظرة لم تتم ، مع الشيخ المرحوم محمد سعيد رمضان البوطي ، بسبب اضطراب جو المناظرة ن من قبل فريق المناظرة الآخر، أي البوطيين ، والامر الذي حدث قبل ان ينفض جمهور المناظرة ، تمثل في اتصال رئيس الوزراء الأسبق ( محمود الزعبي ) ، حيث اعلمني على الهاتف بان السلطة السورية ، لم تهتم – في حينه – خصوصا بالجمهور التنويري ، حيث تركته في مهب الريح ن ما افضى الى تقوية الفرقاء الآخرين ، تعليقي على ذلك ، كان التالي : يا حضرة رئيس الوزراء ، لا يوجد ظلاميون بالفطرة ، وانما كان هنالك تقصير فاحش على صعيد التعاون مع جميع فئات السورية السياسية والمثقفة .

انتهى الحديث ، بان وعدني رئيس الوزراء ( اياه ) ، بتحسين الاوضاع المعنية ، عبر فتح ملف الاصلاح والتطوير ، وأنهى حديثه ، بان البدء بهذا الملف سيبدأ وسيحقق تقدما في الامد القريب ، فما كان مني ، الا ان اعلمت السيد رئيس الوزراء بدعابة ، بان المهم في ذلك ، يقوم على فتح الدائرة الآن ، وليس غدا ، باتجاه الاهداف المعنية ، وبالتكامل مع الـتاسيس ، لعملية تفكيك الدولة الامنية .

ان سورية الآن ، تمر – ربما – بأقسى مراحل التاريخ ، على الاقل منذ الحرب العالمية ( الاولى والثانية ) ، وفي هذه التجرية المريرة الهائلة ، تمر المواقف الجهنمية ن الواحد تلو الآخر ، لنتبين ان مقدمة التأسيس للوطن السوري ، تفصح عن نفسها في المبدأ التاريخي والجيوسياسي الاعظم ، وهو ” ان سورية شعبا وارضا وحدة لايجوز النيل منها “

أما ذلك فليس للتشبث فحسب ، بما خلفه المؤسسون العظام لسورية الوطن ، من وصية تعادل – في أولويتها – وجود سورية نفسها ، وانما كذلك لتطويرها ، والسعي الى تعميق دورها في المشروع العربي النهضوي التنزيري ، وتطوير ما خلفه أولئك ، لنا.

فمن هؤلاء ، يبرز خصوصا المجاهد محمد صالح العلي ، والمجاهد سلطان باشا الاطرش ، والمجاهد الشهيد يوسف العظمة ن والمجاهد الرئيس فارس الخوري ، وغيرهم ممن يتحدث التراب السوري عنهم ، هنا وهناك وهنالك .

كان الوالد ، يحدث أبناءه وابناء الآخرين ، حيث ينبههم الى ضرورة ، ان يعضوا على وطنهم بالنواجذ ، فليس من شيء بشري (أكثر) قدسية من الوطن ، واذا كان العصر، الذي نعيش فيه ، قد اعلن رايته الدامية الفاحشة ، مؤكدا على أن هذا الوطن دخل مرحلة النهايات ، كما هو الحال – مثلا- بالنسبة الى ما بعد الانسان ، وما بعد الوطن وما بعد الحداثة ، وما بعد الحرية والكرامة ..ألخ ، بحسب ما يؤسس له نظام العولمة الكوني .

فان الرد على ذلك الآن ، وليس غدا ، يوجبه ما أصبح عليه الوطن السوري ، من لعبة خبيثة للامم ، يجعلها قابلة للانفجار ، في وجه الطغاة والمارقين

د . طيب تيزيني

هذه المقالة تعبر عن رأي صاحبها