aren

حان وقت الحل السياسي.فهل آن الأوان لتغيير مرجعيات جنيف؟!! بقلم: د. فؤاد شربجي
الأربعاء - 29 - نوفمبر - 2017

 

مع جولة جنيف (8) ، الكل يقول إنه حان وقت الحل السياسي . ولكن لا أحد يستطيع إنكار أن المعارضة مضطربة ومتضاربة مع بعضها . ضمن هيئة التفاوض هناك اضطراب بين مكوناتها ، وخلافات الائتلاف مع منصة موسكو ومنصة القاهرة واضحة. كذلك فإن المعارضين الذين أخرجوا من هيئة التفاوض، يمثلون شكلا آخر من الاضطراب ضمن المعارضة.

من جهة الحكومة السورية ، فإن لديها تحفظات تصل إلى مستوى الرفض لتشكيلات المعارضة. حيث ترى أن هذه التشكيلات لا تمثل المعارضة كلها. وهناك قطاعات واسعة من المعارضة مستبعدة، مثل (تيار قمح، تيار بناء الدولة، الأحزاب في الداخل، والأحزاب التاريخية ، وأحزاب وفد معارضة الداخل مسار حميم … الخ ). كما أن الحكومة السورية ترفض أي شروط مسبقة، وتعتبر أن أي مطلب يتعلق بالرئاسة، نسفا لكل العملية السياسية.

ومن الناحية الموضوعية، فإن هناك أمراً سياسياً، يشكل المعيق الأكبر والأهم ، لسير مفاوضات جنيف ، وتحقيقها لأي جدوى، وهذا الأمر يتعلق بالمرجعية. حيث أن مرجعية التفاوض، ومرجعية عملية جنيف ، هو القرار 2254 المتضمن بيان جنيف (1)، وإن تخلف هذه المرجعية عن تطورات الأوضاع في سورية ، ومخالفتها لحقائق الواقع السوري ، السياسي والعسكري، يجعلها مرجعية قاصرة من جهة، وظالمة لأطراف أساسية من جهة ثانية، وهذا ما يستوجب إعادة النظر فيها وتعديلها، أو الخروج منها إلى مرجعية منسجمة مع حقائق الواقع السوري.

بيان جنيف (1)، الصادر في حزيران 2012، تم الاتفاق عليه وإقراره، قبل تشكل داعش والنصرة، أي أنه لم يلحظ العوامل الأكثر عنفا على الساحة السورية. وبعده، أي منذ 2012 وحتى 2017، جرت مياه كثيرة تحت الجسر، وسال دم سوري كثير، وجرى تدمير رهيب للبنى التحتية، وهناك قوى معارضة اعتبرت النصرة في مراحل متعددة (فصيلا ثوريا)، وهناك من تعاون معها.

وكل ذلك يجعل بيان جنيف (1) بحاجة لإعادة نظر، وتكييفه مع مجريات التاريخ الذي امتد حتى الآن، وخلق حقائق قوية، لا يجوز الاستمرار باعتبارها غير موجودة. وجاء القرار 2254 في العام 2015، كتطوير وتفسير لبيان جنيف (1)، ولكنه ورغم مراعاته لبعض المسائل التي كانت فاقعة في جنيف (1)، وتعديلها أو تضمينها في بعض العبارات الملتبسة.

ولكن، بعد 2015 – تاريخ صدور 2054 – حدثت تطورات جذرية على الساحة السورية، من دخول التعاون الروسي الجوي، إلى تطوير العمل العسكري السوري بمساعدة الحلفاء، الأمر الذي حقق تقدما كبيرا لسيطرة الجيش العربي السوري وحلفائه على معظم الأراضي التي كان يحتلها داعش وأمثاله من الفصائل الإرهابية، وباتت الدولة السورية تسيطر على معظم الأرض السورية، كما فعالية أستانة التي أنتجت اتفاقات (مناطق خفض التصعيد) التي دخل فيها معظم الفصائل المسلحة الباقية، وكل ذلك، ألغى إلى حد كبير وجود السلاح المحارب للدولة، وجعل الدولة صاحبة السلاح الشرعي الوحيدة.

ومن الحقائق التي نتجت عن التطورات الحاصلة منذ العام 2012 حتى الآن، حقيقة أن الدولة، بقوتها وسياساتها وتعاونها مع حلفائها، استطاعت في هذه السنين، ورغم الحرب الإرهابية الشرسة ضدها، استطاعت الحفاظ على الدولة، واستمرار عمل مؤسسات الحكومة، واستمرار تقديم الخدمات بالقدر الكافي للمواطنين.

كما حافظت الدولة على وحدة الجيش ووحدة الهوية الوطنية. كما كان لنجاح الدولة في تثمير علاقاتها بحلفائها الأثر الكبير في حفظ سورية أرضا وشعبا ومؤسسات. ويرى، ويؤمن كثير من السوريين، أن الدولة، بقيادة الرئيس الأسد، وبسبب كل ما سبق، اكتسبت شرعية تاريخية، تفوق أي شرعية أخرى، سواء جاءت عبر الانتخابات أو غيرها.

هل بعد كل ذلك، يمكننا أن نتجاهل، أن مرجعية التفاوض في جنيف، وهي بيان جنيف (1) والقرار 2254، باتت غريبة عن الواقع، ولا تعبر عن حقيقته الموضوعية، وهذا ما يشكل عقبة أمام نجاح هذه المفاوضات. كما أن الكثير من السوريين، يرون أن الدولة وجيشها ومؤسساتها، قدمت التضحيات الكبرى والآلاف من الشهداء، وحمت سورية أرضا وشعبا والمؤسسات، فهل يجوز لمرجعية التفاوض تجاهل هذه الحقيقة الحاسمة.

لذلك يرى السوريون، إنه لا بد من تغيير مرجعيات العملية السياسية، بشكل يحترم حقائق الواقع حتى تنجح، وإلا ستظل جنيف دوران في حلقة مفرغة.