aren

حالمون \\ بقلم : قاسم حداد
الإثنين - 1 - نوفمبر - 2021

كأنهم يخرجون من سراويل النار. يتملّصون من قمصانهم المهلهلة، قاذفين أعضاءهم الممزوقة في خرقٍ تتهرّأ مشتعلة وتتلظّى. لا تندفع ولا تنهار، معلقة في خيوط من هواءٍ مسحور. يطرحون أصواتهم في أسفلت الشوارع، يعلنون يأسَهم من الدرس الركيك والامتثال الثقيل. يعرفون ما يخرجون عنه، لا يدركون ما يذهبون إليه. ويغرقون في غيم الغموض، بينهم وبين الجنّة نيرانٌ وجبال. النارُ منجاةٌ لهم من جحيمٍ وشيك. عليهم من الغضب ما يفتُّ الصخر. أسماؤهم تتهجّد بكتاب قديم، كتابٌ لا يفهم ولا يتعلّم. لهم من العذاب ما يكفي تسع مدنٍ وقرى الأرض جميعها، لكنهم لا يكترثون بغير تدمير الجدران وهندسة السيمفونية الخامسة بدقاتها التي تستهل جوقة الآلات. يتمنطقون بصنائع الأساتذة وهم يكرّرون عليهم درس الخضوع. لا تسيل منهم دماءٌ ولا يُذعرهم الفزع ولا يخافون ولا يخشون. كتابهم يسبق أخبارَهم، ولهم من الأصدقاء ما يكفي لكي تصير الصلاة سجادةً لخروجهم عنها، يتوقعون موتاً أكيداً ويستعدون لحياة بهيجة وبحيرات من الرحمة.

ها أنت وحدك

من أين تذهب والجرذان تحفر في صعيد الرمل حولك، تحفر الرمل الطريّ وتقتفي ضوءاً على قدميك. من أين المفرّ وجوقةٌ مسعورةُ الماضيّ تؤرّخ للصليب، تشدّ مسماراً على كفّيك. يذهبُ من ورائك أخوةٌ، وكتيبة الأصحاب يستبقون نورَ الصبح، كي يئدوك في جُبٍّ وفي خشبٍ قديمٍ. سوف تكرزُ في متاهتك. انتبه، ستنالك الرؤيا وتنتابُ الكتاب خديعةٌ. ليست سماءً فوق سعيك، لا الملائكة احتفوا بقميصك الأعمى، ولا الماءُ الثقيل علامة للمعجز النبويّ. من أين الفرار وقيصرٌ في البيت، والجند احتموا بنصوصهم ولصوصهم، ستفرُّ، لكن أين، من أي الجهات طريقة الفتوى، وخيطٌ للنجاة من الصليب. فيا تَريكَ الأبّ، يخذلك الطُهاة. الليلُ خانك قبل رفقتك التي أكلتْ عشاءك واستدارتْ نحو هيكلها الجديد، وتسعةٌ من عسكرٍ يتدربون على عظامك. خُذْ أمامك، واطلق الطيرَ الحبيس لكي يقودك نحو حتفك في الحريق. نَفَوْكَ واحتالوا على ورقٍ ستكتب فيه ما يُملى عليك. خُذِ الأمان من الخطيئة، واكتبِ المستقبل الدامي. تَفُرُّ، ويُستعان بنصِّكَ المهدور كي يئدوا صوتك. أين تذهب. أنت وحدك، والمدى قيدٌ يُسوّركَ. انتبه. ستزورك الحُمى وتسري في عروقك في رمادٍ باردِ، ويؤرخونك بالضغينة، فانتبه. ما مِنْ يدٍ مغسولة بالدم إلا وانتهتْ تحت الصليب، تكزّ أسنانٌ مكسّرةٌ على ساقيك، فاصعَدْ، لا مفر سوى السماء، فكل أرضٍ سوف ترصدك. الصديق هو العدوّ. ففي الطريق وفي الطريقة للعدو ملامحُ الموتى. انتبه. واصعدْ، سماؤك وحدها، ها أنت وحدك.