aren

جيوبوليتيكا الثورات الملونة \\ ترجمة : جلة سماعين
الإثنين - 11 - سبتمبر - 2017

خاص \ التجدد \

أوضحت المعركة بين النزعة الأوراسية والنزعة الأطلسية داخل الفضاء ” ما بعد السوفياتي” ، وعبر العمليات التكاملية لرابطة الدول المستقلة ، من جهة ، وفي الثورات الملونة من جهة أخرى. أن أي تفكير أطلسي رصين ، من المرجح أن يفشل ، في فهم ما تم مباشرته هناك

في نفس الفترة ، بدأت تتكشف بحدّة ميول جيوسياسية معاكسة ، إنها ‘الثورات الملونة’، التي يقوم معناها علنا على إحلال سلطة معادية لروسيا ، موالية للغرب ، وغالبا ماتكون قوى سياسية قومية من بلدان رابطة الدول المستقلة لبلوغ غاية نهائية ، تتمثل في إخراج هذه الدول من ثوب روسيا وإحباط مشروع التكامل، وعلى المدى الطويل ، ضمها إلى ( حلف الناتو ) ، كما حدث سابقا مع دول البلطيق.

خصوصية هذه الثورات ، أنها كانت تهدف كلها إلى تحقيق علاقات أوثق مع البلدان التي بدت موالية للولايات المتحدة الأمريكية والغرب ، واتبعت طريقة ‘المقاومة غيرالعنيفة’ ، التي وضعها الاستراتيجيون الأميركيون في إطار مشروع ‘بيت الحرية (فريدوم هاوس)’ والمنجزة من خلال التدابيرالهدّامة ، وتنظيم الثورات التي نفذت في العالم الثالث تحت إشراف وكالة الاستخبارات المركزية.

لقد حدثت الثورة البرتقالية في جورجيا في نوفمبر 2013 ، حين تم استبدال السياسي المرواغ ( ادوارد) شيفارنادزه ، الذي كان متذبذبا بين روسيا والغرب ، بنظيره السياسي (ميخائيل) ساكاشفيلي الموالي للغرب، وهذا الأخير رجل أطلسي ” رجعي ” قريب من الأمريكان.

 ولعبت منظمة كمار ( اKmara ( وتعني (يكفي) ، الدور الفعال في أحداث الثورة البرتقالية ، وهي تعمل وفقا لأفكار “جين شارب” المنظر الرئيسي لشبكة من المنظمات الاحتجاجية المشابهة ، وأيضا باستعمال منهجية “بيت الحرية”.

وقد تم بالفعل اختبار هذه التقنيات في أماكن أخرى، ولاسيما في يوغوسلافيا فترة إسقاط سلوبودان ميلوسيفيتش ، وذلك باستخدام منظمة الشباب الصربي أوتبور( Otpor) الموالية للغرب.

بعد وصوله إلى السلطة ، قاد ساكاشفيلي على الفورتحولا سريعا عن روسيا ، واتجه نحو توثيق العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية وحلف شمال الأطلسي ، كما عزم على عرقلة أي مبادرات ترمي إلى الاندماج في إطار رابطة الدول المستقلة ، وحاول إعادة إحياء مبادرة التوحيد الأساسية لحكومات رابطة الدول المستقلة المعادية لروسيا مع تكتل غوام ( GUAM) ، وهي : جورجيا ، أوكرانيا ، أذربيجان ومولدافيا.

تتألف دائرة ساكاشفيلي أساسا من المستشارين ، الذين تلقوا تعليمهم في الخارج ، ولم يكونوا مرتبطين تاريخيا بالتجربة السوفيتية ، بعد هذا الوقت ، شكلت جورجيا واجهة لاستراتيجية حلف الأطلسي في الفضاء ما بعد السوفياتي ، واضطلعت بدور نشيط  في معارضة التوجهات الأوراسية ، وفي ذلك أصبح الرئيس بوتين وسياسته الخصم الرئيسي لجورجيا، وامتد هذا التعارض إلى غاية أحداث آب / أغسطس 2008 ، حين اندلعت الحرب بين روسيا وجورجيا.

وفي سيناريو مماثل في كانون الأول/ ديسمبر2004 ، حدثت ‘الثورة البرتقالية ‘ في أوكرانيا ، فقد أجريت الانتخابات ، في سباق بين فيكتور يانوكوفيتش محاميّ الرئيس السابق ليونيد كوتشما ( Kuchma  ) ، الذي يتبع سياسة متأرجحة بين الغرب وروسيا ، وبين فيكتور يوشينكو السياسي الوطني الموالي كليا للغرب ، والمعادي بصرامة لروسيا ، والطرف الآخر هو، زعيمة المعارضة الاوكرانية (يوليا ) تيموشينكو .

وكانت القوى تقريبا منظمة على نموذج ” جين شارب ” نظرية الحراك السلمي ، والتي كانت حصيلتها تقررت عبر تعبئة الجماهير، وخاصة من قبل أولئك الشباب الذين أيدوا العامل ‘ البرتقالي’ عن طريق تظاهرات حاشدة ، ولعبت حركة الشباب (بورا ) Pora ، دورا هاما في هذه العمليات.

لقد أرست أوكرانيا بعد فوز يوشينكو ، موقفا معاديا لروسيا بدأ بالتصدي بحيوية لأي مبادرات روسية ، وبدأت هجوما على استعمال اللغة الروسية ، والمباشرة في إعادة تاريخ ، يمثَّل عبره الأوكرانيين أنهم “شعب استعمره الروس” .

فمن الناحية الجيوبولوتيكية ، أصبحت أوكرانيا ” البرتقالية ” قائدة نزعة أطلسية واضحة لسياسة تالاسوكراتية (قوى البحر) موجهة ضد روسيا ، الأوراسيا ، التيليروكراتيا (قوى البر ) والتكامل ، وقد أقيمت علاقات دائمة بين سيكاشفيلي ويوشينكو، الأطلسيان الأكثر نشاطا في الفضاء ما بعد السوفيتي.

نظرياً، نشأت المشاريع الجيوبوليتيكة لتشكيل جماعة بحرالبلطيق – الأسود ، التي تضم بلدان بحرالبلطيق وأوكرانيا ، مولدوفا ، جورجيا ، بلدان أوروباالشرقية ،بولندا والمجر، وهي مثل بلدان بحرالبلطيق ، دول أعضاء في منظمة حلف شمال الأطلسي . كان هذا المشروع ، يبتغي إنشاء نطاق صحي بين روسيا وأوروبا ، يبنى وفق خرائط علماء الجيوبوليتيكا التالاسوكراتيين الكلاسيكيين.

على غرار ذلك، لم تكن مواقف الأعضاءالآخرين في غوام ، أذربيجان ومولدوفا ، كموقف المتطرفين ، وكانت إلى حد كبير تحت إكراهات المشاكل المحلية : دعم موسكو لثوريي جمهورية ترانسنيستريا ، التي أعلنت استقلالها من مولدوفا في عام 1991، والتنسيق العسكري بين روسيا وأرمينيا ، اللذان يشتركان في العداءات غير القابلة للحل مع أذربيجان ، بشأن احتلال كاراباخ.

تميزت الصورة الكاملة للفضاء ما بعد السوفيتي في عهد بوتين ، بالشفافية و بمعارضة مختلفة ، تجسدها حضارة الأرض (المتمثلة في روسيا وحلفاؤها ) ضد حضارة البحر (المتمثلة في بلدان الغوام المقادة من قبل جورجيا وأوكرانيا ) ، لقد سعى قلب الأرض (الهارتلاند) لتوسيع مجال نفوذه في رابطة الدول المستقلة من خلال عمليات التكامل.

بينما سعت الولايات المتحدة الأمريكية عن طريق توابعها ، يقصد الدول التابعة Satellite States )  ) للحد من انتشار النفوذ الروسي في هذه المنطقة ، وسجن روسيا داخل حدودها ، وأن تقوم تدريجيا بإدماج البلدان الجديدة التي تحدها في حلف الأطلسي.

أوضحت المعركة بين النزعة الأوراسية والنزعة الأطلسية داخل الفضاء ما بعد السوفياتي ، وعبر العمليات التكاملية لرابطة الدول المستقلة ، من جهة ، وفي الثورات الملونة من جهة أخرى ، أن أي تفكير أطلسي رصين ، من المرجح أن يفشل في فهم ما تم مباشرته هناك.

ولكن عزم شبكات الأطلسية للنفوذ في روسيا بالذات مرة أخرى ، جعلتها معروفة : حيث لم يكن هناك فهم اجتماعي واسع النطاق للعمليات التي تجري، وقد علق الخبراء في الخصوصيات والتفاصيل ، وأغفلوا البصر عن أهم الجوانب ، وخلقوا بقصد صورة مشوهة للأحداث.

علاوة على ذلك ، تهدف إجراءات بوتين إلى تحديد مشاكل الاندماج ، بحيث يتم انتقادها أو إزالتها ، في حين تم التغاضي عن فوبيا الروس الصريحة الحاصلة في جورجيا أو أوكرانيا ، وتم النظر إليها أو إعادة تفسيرها بشكل محايد.

أيضا ، لم تمتنع وسائل الإعلام الروسية ، وجماعة الخبراء فقط ، عن مساعدة “بوتين” في قيادة حملته الأوراسية ، بل وفي كثير الأحيان ، منعه من القيام بذلك … كان هذا ، بمثابة مفارقة أخرى من الفترة الأولى لحكم ” بوتين ” .

 

أستاذ جامعي – باحث جزائري

الهوامش والإحالات.

[1]Gene Sharp, From Dictatorship to Democracy: The Strategy and Tactics of Liberation (Boston: Albert Einstein Institution, 1994).

[1]بيت الحرية هي منظمة أمريكية غير حكومية تأسست في عام 1941. وهدفها المعلن هو نشر المثل الديمقراطية في جميع أنحاء العالم. وهي تتلقى تمويلا من الحكومة الأمريكية، وقد اتهمتها العديد من البلدان بالتدخلفي شؤونها الداخلية، مدعية أن ل ‘دار الحرية’صلات بوزارة الخارجية ووكالة المخابرات المركزية.

[1]في البداية، فاز فيكتور يانوكوفيتش (مواليد 1950) في انتخابات 2004، ولكن أدت مزاعم واسعة النطاق عن تزوير الانتخابات إلى الثورة البرتقالية، وأصبح بدله ياشيشنكوYuschchenkoرئيسا الذي انتخب في عام 2010، ولكن تمت الاطاحة به عن طريق ثورة اليوروميدان Euromaidan في شباط/فبرايرعام 2014 بعد إعلانه عن خطته للتخلي عن الاندماج في الاتحاد الأوروبي وتأيده إقامة علاقات اقتصادية وثيقة مع رابطة الدول المستقلة.

[1]ليونيد كوتشما (مواليد 1938) كان ‘رئيس أوكرانيا’ من عام 1994 حتى عام 2005. أنه يسعى إلى نهج متوازن إزاء العلاقات الخارجية الأوكرانية التي تشمل العلاقات مع الاتحاد الأوروبي ورابطة الدول المستقلة.

[1]فيكتور يوشتشينكو (مواليد 1954) كان ‘رئيس أوكرانيا’ من عام 2005 حتى عام 2010. وصل إلى السلطة في أعقاب الثورة البرتقالية جراء محاولة اغتيال التي كادت أن تغتاله، أوليا تيموشينكو (مواليد 1960) كان واحداً من قادة ‘الثورة البرتقالية’ وشغل مرتين منصب ‘رئيس الوزراء في أوكرانيا’، في وقت لاحق.

[1]أوليا تيموشينكو (مواليد 1960) كان واحداً من قادة ‘الثورة البرتقالية’ وشغل مرتين منصب ‘رئيس الوزراء في أوكرانيا’، في وقت لاحق..

[1] A. Alexandrov, M. Murashkin, S. Kara-Murza, and S. Telegin, The Export of Revolution: Saakashvili, Yushchenko (Moscow: Algorithm, 2005).

___________________________________________________________________________

المحرر :

هذا النص مترجم عن كتاب ” آخر حروب جزيرة العالم : جيوبوليتيكا روسيا المعاصرة ”

تأليف : ألكسندر دوغين .

41DsROrzCsL._SY344_BO1,204,203,200_

التحرير :

ألكسندر دوغين \ سياسي وفيلسوف ، باحث سياسي واجتماعي روسي ومؤسس المذهب الأوراسي الجديد ويتجه نشاطه السياسي نحو اقامة دولة روسية عظمى عن طريق التكامل مع الجمهوريات السوفيتية وبالدرجة الاولى الاقاليم التي ينطق أهاليها اللغة الروسية مثل القرم وأوكرانيا …

هذه المقالة تعبر عن رأي صاحبها