aren

جورج فريدمن : ” خيارات واشنطن الاستراتيجية في الشرق الاوسط”
الأحد - 19 - فبراير - 2017

ترجمة خاصة بموقع ( التجدد الاخباري )

أكدت ايران اختبارها لإطلاق قذائف بالستية الأسبوع الماضي ، وقد ردت الولايات المتحدة بدورها عبر فرض عقوبات جديدة عليها ، معلنة أن ايران ستبقى مصدرا” اساسيا للإرهاب وتهديدا” للمصالح القومية الأمريكية.

وفيما يلي مراجعة حول سياسة الولايات المتحدة تجاه إيران ، في نفس الوقت الذي أعلن فيه الرئيس (المنتخب) دونالد ترمب ، نيته محاربة الدولة الإسلامية ، والتي بدورها كانت ولا زالت السياسة المعتمدة من قبل الولايات المتحدة ، منذ تشكل داعش.

استراتيجية الولايات المتحدة ، قبيل موجة  2007 ، كانت تعارض سعي كل من “السنة” و”الشيعة” نحو السلطة في العراق ، وقد حاولت الولايات المتحدة ، أن تشكل حكومة في بغداد مستقلة, علمانية, وحليفة للولايات المتحدة ، ولكن بالرغم من تشكل تلك الحكومة, لم تكن فعالة.

(الشيعة) الذين تلقوا الدعم من ايران اخترقوا الحكومة, والأهم من ذلك أن تلك الحكومة ، لاقت دعما يتخطى ذلك التحالف المساند لها ، القوى الأكثر ديناميكية في العراق ، تغلغلت في المجتمعات السنية والشيعية ، واستمد كل منهما القوة من خارج العراق – حيث استمدت “السنة” القوة من المملكة العربية السعودية ، و” الشيعة ” من ايران –

أرادت الولايات المتحدة ، أن تخلق ما هو مختلف عما يجري على أرض الواقع ، وأدركت واشنطن ذلك أثناء الغليان (الموجة) المذكورة سابقا ، حيث وجدت بالشيعة المدعومين من ايران ، خطرا كبيرا , لذلك سعت إلى تشكيل توازن عبر التوصل الى تفاهم اقتصادي سياسي مع القيادة السنية.

وبعيدا عن الفرص الممنوحة للولايات المتحدة من أجل امكانية تسيير الخروج من العراق ، فإن (الموجة) لم تحل المشكلة الاستراتيجية ، التي كانت تواجة الولايات المتحدة ، إضافة الى ظهور داعش ك( بطل ) يدور في الفلك الايراني ، وبذلك تكون الولايات المتحدة الأمريكية ، فاقدة لأي قوة تمكنها من تشكل العراق ، الذي أرادته.

الآن ، تمتلك الولايات المتحدة ، ثلاثة خيارات استراتيجية :

أول هذه الخيارات ، هو أنه بعد قتال خمسة عشر عاماً من الحرب غير الفعالة ، تقبل ( أميركا ) الهزيمة في المنطقة والانسحاب منها ، بالإضافة إلى السماح للمنطقة بالتطور كما هي .

ومن ايجابيات هذا الخيار ، أنها تتقبل الواقع وعواقب الخمسة عشرة سنة السابقة ، وتاخذ موقفا يمكن وصفة بغير المؤثر ، في حين يكمن ضعف هذه الاستراتيجية ، بانه في حال تقبل الولايات المتحدة تطور المنطقة، ستكون بذلك في مواجهة عالم  “سني” قوي ، بل ومتزايد ، إضافة إلى إيران “شيعية” قوية ، حيث يمكن القول : ان ألم الرأس غير المحتمل ، يأتي بعد شعور الراحة.

أما الخيار الثاني ، فيكمن في استخدام القوة الأمريكية للقضاء على داعش ، أو في حال فشل ذلك, توريط إيران بنوع  من الأعمال العسكرية ، الذي من المحتمل أن يتوجه نحو برنامجها النووي .

الولايات المتحدة لا تملك قوة عسكرية كبيرة وكافية ، لشن حرب من المتوسط باتجاه إيران وكذلك من أفغانستان ، وقد قال وزير الدفاع الأسبق دونالد رامسفلد في بداية الحرب على العراق ، بأنكم تحاربون بما تملكون من سلاح ، وكان يجب عليه أن يضيف ، بانه اذا كان الجيش الذي تملكون غير كاف ، فإنكم ستخسرون ، او على الاقل واجهوا حالة من استحالة الحركة اللا منتهية .

والهدف من هكذا استراتيجية ، لن يكون فقط تدمير التنظيمات الحالية ، التي تقاتل من اجل قضايا ” السنة” و”الشيعة” ، ولكن تدمير ارادة كل من العالمين العربي والفارسي ، عبر خلق منظمات جديدة تنبعث من الرماد.

لم تشن الولايات المتحدة قط حربا خارجية بدون تحالف مجموعة من القوى ، وقد يعني بعدها عن  أرض المعركة الأوراسية ، أن الدعم الذي تتلقاه من القوى الأخرى من أجل الجهد اللوجستي ، هو أمر محوري وهام ، وهذا ما يفسر وجود تحالف مع روسيا .

ولكن الجدير بالذكر ، هو أن روسيا لا تمتلك مصالح مشابهة في إيران ، كما الولايات المتحدة ، ولا تتطلع الى الحصول على نفس المخرجات ، اما الخيار الاستراتيجي الثالث لأميركا ، فهو يستند إلى واقعين اثنين : أولهما ، أن الولايات المتحدة لديها قوى محدودة ، وكذلك يمكن وصف سياسات حلفائها بالمترددة ، وبالتالي لا يمكنها ربح الحرب ضمن هذا النطاق.

أما الواقع الثاني ، فهو حقيقة أن العالم الإسلامي منقسم ضمن حدود إثنية ودينية ، كما يوجد انقسامين من نوعين مختلفين ، الأول بين “السنة” و” الشيعة ” ، والثاني بين العرب والجنسيات الأخرى ، مما يوضح أن الإسلام لا يتكون من نسيج واحد ، و في هذا التقسيم ، تكمن نقطة ضعفه.

يتطلب الخيار الثالث ، التحالف مع طرف ما ، بغية تزويده بما يرغب ، وهو هزيمة الآخر.

استخدمت الولايات المتحدة منذ بداية التاريخ الأمريكي التفريق ، للحصول على غاياتها ، ويعود فضل انتصار الثورة الأمريكية الى الاستفادة من التوتر القائم بين بريطانيا وفرنسا ، بهدف إقناع فرنسا على التدخل.

والجدير بالذكر ، هو أن الولايات المتحدة ، ربحت الحرب العالمية الثانية ، عند مواجهة ألمانيا النازية والاتحاد السوفييتي الستاليني ، عبر تزويد السوفييتيين بالمال الكافي للقضاء على الجيش الألماني ، مانحة لذاتها تأشيرة من أجل الغزو الاميركي ، وبالنسبة لبريطانيا ، منحها احتلال أوروبا.

عند وجود القوة الحاسمة ، فان خياراتك الوحيدة ، هي أن ترفض القتال وتوسع قوتك العسكرية ، أو أن توظف مصالح مختلفة ، بتجنيد تحالف يشاركك هدفك الاستراتيجي.

على الصعيد الأخلاقي، الخيار الثالث ، هو خيار مؤلم بشكل دائم ، ويمكن وصف الاتفاقية التي طلبت الولايات المتحدة من ( الملك ) الموناركست خلالها ، المساعدة بعزل البريطانيين في يوركتاون ، باتفاقية الشيطان ، وتكررت هذه الاتفاقية ، عندما حالفت نظام قمعي ودموي كالنظام السوفييتي بالقضاء على نظام مماثل في المنهج.

وقد قام كل من الرئيسين جورج واشنطن وفرانكلن روزفلت ، بإبرام هذه الاتفاقيات مع دراية كل منهما بالحقيقة حول هذه الاستراتيجية : أن ما ينتج عن الحب ، هو ما ينتج عن الحرب ، وبالنسبة للوقت الراهن, فالهدف هو أن تصل الى نهاية الحرب منتصرا.

 في حالة الشرق الأوسط , سأجادل أن الولايات المتحدة ، تفتقد لكل من القوة ،  وحتى الاستراتيجية ، من أجل القضاء على المد السني أو إيران

، وإيران ، هو بلد بتعداد سكاني يصل إلى ثمانين مليونا ، كما يحده من الشرق صحراء قاسية ، أما من الغرب فهي بلاد محصنة بالجبال ، وهنا يمكن للبعض التأكيد أن الولايات المتحدة ، ستستخدم القوة الجوية.

في هذه الحالة ، أؤكد أن الولايات المتحدة ، عندما تريد أن تربح حربا ، بدون أي تكلفة , تبدأ بالتطلع للقوة الجوية ، نظرا لكونها منخفضة التكلفة ولا تقاوم ، والجدير  بالذكر ، هو أن هذه الحرب ، لم تثبت يوما فعاليتها.

الفكرة ، التي تكمن في أن الولايات المتحدة ، ستشن حروبا على سورية ، العراق ، وأفغانستان في آن واحد ، والخروج منتصرة هو خيال بحد ذاته ، ولكن ما هو ليس بخيال ، هو أن الواقع الإسلامي المنقسم على الصعيد الاستراتيجي ، يستوجب على الولايات المتحدة ، أن تقرر من هو العدو.

اعتبار “الجميع” أعداء ، هي الإجابة العاطفية ، التي قد تفي بالغرض للبعض ، ولكن قد تقود للهزيمة ، اذا لم تستطع الولايات المتحدة ، شن حروب ضد الجميع امتدادا من البحر المتوسط إلى هندوكوش، يمكنها بالتأكيد القيام بغارات جوية وعمليات أخرى ، ولكنها لا تستطيع الربح.

لتشكل استراتيجية مؤثرة ، يجب على الولايات المتحدة ، العودة إلى الأسس الاستراتيجية للجمهورية ، بمعنى أن تمتلك الإرادة لتحالف طرف ضد طرف آخر ، الهدف يجب أن يكون في محالفة الطرف الأضعف أو العدو ذو المصالح المغايرة ، وبالتالي الحرب ، لن تقود إلى حرب أخرى.

في هذه الأثناء، “السنة” أضعف من “الشيعة” ، ولكن عددهم في تزايد ، ويشغلون مساحات جغرافية واسعة ، كما يمتلكون طاقات عالية ، حيث يتفوقون بذلك على إيران. حاليا، ايران أقوى ولكن سأجادل أن “السنة” أخطر، وبالتالي مقترحي هو التحالف مع الإيرانيين، ليس لأنهم مرغوبين أكثر ( ولم يكن ستالين أو لويس السادس عشر كذلك الأمر ) ، ولكن لأنهم الخيار الملائم.

يكره الإيرانيون ” السنة ” ويخشونهم ، وأي فرصة للقضاء على “السنة”، ستستأنف ولكن بالواقع تحالف مع “السنة” ضد “الشيعة” ، ممكن أن ينجح  ، بالمقابل ، يحتقر “السنة” الإيرانيين ، وقد أعطوا الأمل بالقضاء عليهم ، وهناك سجالات تتم في الطرفين ، كما هو الحال في أفغانستان.

أعتقد ، أن ما يصعب دعمه ، هو الصراعات المتزامنة بين “السنة” و”الشيعة” ، والعرب والفرس ، وما تعلمناه  بالعراق ، هو أننا لن نربح حربا كهذه ، وهذا قد يحمل معنى أن محاولة تطبيق الفشل في العراق ممكن أن تحصل على نطاق اوسع .

تقسيم أعداؤك ، هو مبدأ أساسي في الاستراتيجية ، أما توحيدهم ، فله أهمية أقل ،  وبالتالي فان شن حرب في الوقت ذاته ضد “السنة” و”الشيعة” ، هو أمر غير منطقي ، وبكل بساطة الانسحاب من المنطقة ، محفوف بالمخاطر الطويلة الأمد.

في النهاية ، أرادت واشنطن هزيمة البريطانيين ، كما أراد روزفلت هزيمة هتلر، ولكن مصير هذه الحروب ، هو الخسارة بدون السوفييت والفرنسيين ، وفي النهاية أيضا ، تم القضاء على الشيوعيين و البربونز (سلالة ملكية فرنسية ) ، ولم يستعجل روزفلت أو واشنطن ، قط ، فهناك دائما الوقت للرابح ، ليحقق النهاية ، التي يريدها .

https://geopoliticalfutures.com/us-strategies-in-the-middle-east/

مؤسس ورئيس مجلس إدارة الجيوسياسية الآجلة – الرئيس السابق لمركز ستراتفور الاستراتيجي 

________________________________________________________________________________

المحرر : معركة (يوركتاون) – حصار يوركتاون – حدثت عام 1781م ، وكانت إحدى المعارك الحاسمة في حرب الاستقلال الأمريكية ، حيث حاصرت القوات الأمريكية الجيش الإنكليزي بقيادة الجنرال تشارلز كورن واليس في يوركتاون.

وانضمت إليها الإمدادات الفرنسية البرية والبحرية التي وصلت لمساعدة الأمريكيين ضد الإنكليز، فأحكموا الحصار مما اضطر (كورنولس) للتسليم.

وكانت كارثة كبيرة على الإنكليز حيث اضطرت الحكومة البريطانية إثر هذه المعركة بقبول المفاوضة مع الولايات والاعتراف بها.